قوله: (وَلَهُ فَكُّ الرَّهْنِ، وَحَاصَّ بِفِدَائِهِ) أي: فإن وجد متاعه قد رهنه المفلس قبل فلسه فله فكه من مرتهنه بما عليه ويأخذه، ويحاص الغرماء بما يدفع في فدائه.
ابن شاس: وله أن يدعه ويحاص بالثمن، قال: بخلاف ما لو وجد العبد المبيع قد جنى عند المفلس ففداه وأخذه بالثمن؛ فإنه لا يرجع بشيء مما فداه به؛ لأنه في الجناية لَمْ يتعلق بذمة المشتري شيء فيلزمه، وهذا معنى قوله: (لا بِفِدَاءِ الْجَانِي).
قوله: (وَنَقْضُ الْمَحَاصَّةِ إنْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ وَرَدُّهَا) أي: وكذلك تنقض 4 المحاصة إلى آخره 5 مراده بذلك أن مَن حاص غرماء المفلس بثمن سلعة قد باعها للمفلس وباعها المفلس 6، ثم 7 ردت سلعته 8 بعيب، فإن لربها أن ينقض المحاصة ويأخذها ويرد123
الجزء: 4 - الصفحة: 151
الحصة التي نابته في المحاصة، وهو مراده بقوله: (وَرَدُّهَا) وهذا مذهب ابن القاسم في العتبية.
قوله: (وَالْمُحَاصَّةُ بعَيْبٍ سَماوِيٍّ) أي: وله أيضًا المحاصة بعيب سماوي، والمعنى: أن البائع إذا أخذ سلعة 9 فوجدها قد تعيبت عند المفلس عيبًا سماويًا؛ فإن له أن يحاص الغرماء بأرش العيب إن شاء، أي: وإن شاء ردها وحاص بجميع ثمنها، وهذا الذي ذكره هو المشهور، ولمالك: أنه يخير إن لثماء أخذها بقيمتها وإن لثماء ردها وحاص، المازري عن 10 بعض أشياخه 11: معنى أخذها بقيمتها 12 أنه يحط من الثمن ما نقصه 13 العيب، المازري 14: ويحتمل أن يريد أنه يأخذها بقيمتها على ما هي عليه ويحاسب بذلك من الثمن، وخرج بعضهم قولًا بالفوات إذا ابتاع عبدًا كبيرًا 15 فهرم عنده أو صغيرًا فكبر عنده 16 ثم فلس 17 من أحد القولين أن ذلك يمنع الرد بالعيب.
قوله: (أَوْ مِنْ مُشْتَرِيهِ) يريد: أن حكم العيب الحاصل بسبب المشتري حكم العيب السماوي فكما أنه مخير مع العيب السماوي، فكذلك مع تعييب المشتري السلعة وهو قول مالك، وقال ابن الماجشون: إلَّا أن يكون ذلك العيب فاحشًا جدًّا فلا يكون له أخذه.
قوله: (أَوْ أَجْنَبِيٍّ إن لَمْ يأخذ أرشه) أي: وكذلك الحكم في العيب الحاصل من الأجنبي إذا لَمْ يأخذ المفلس له أرشًا 18، اللخمي 19: وإن أخذ له أرشًا ثم ذهب ذلك
الجزء: 4 - الصفحة: 152
العيب كالموضحة ثم عاد لهيئته كان للبائع عبده 20 ولا شيء له من الأرش 21، إذ هو كالغلة 22 وإلى هذا أشار بقوله: (أَوْ أَخَذَهُ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ).
محمد: فإن لَمْ يعد لهيئته استرده 23 وأخذ الباقي مما ينوبه من الثمن يوم البيع، وحاص بما نقصت الجناية، وإليه أشار بقوله: (وَإِلَّا فَبنِسْبَةِ نَقْصِهِ).
قوله: (وَرَدُّ بَعْضِ ثَمَنٍ قُبِضَ وَأَخَذهَا) يريد: أَن رب السلعة إذا قبض شيئًا من المفلس من ثمنها ثم وجدها حين التفليس؛ فإن له أن يرد بعض الثمن الذي قبضه ويأخذ سلعته، أي: وله أن يتركها ويحاص بما بقي له من ثمنها.
قوله: (وَأَخْذُ بَعْضِهِ وَحَاصَّ بِالْفَائِتِ) يريد: أن من ابتاع سلعتين مثلًا ففاتت عنده واحدة وبقيت الأخرى بيده حتى أفلس - فإن للبائع أن يأخذ الباقية، وينتقض البيع فيها، ويحاص بما ينوب الفائتة من الثمن، أي: وسواء قبض من ثمنها شيئًا أم لا فقد قال ابن القاسم فيمن باع ثلاثة أعبد بمائة قيمة أحدهم النصف والآخر ثلاثة أعشار، والآخر قيمته الخمس؛ فإنه يفض الثمن على ذلك، فإن كان قبض منه 24 ثلاثين فنصيب الذي قيمته النصف خمسة عشر، ونصيب الذي قيمته ثلاثة أعشار تسعة، ونصيب الآخر ستة، فمن مات منهم حسب عليه فيه 25 ما قبض من ثمنه 26 وحاص بما بقي له، ومن وجد منهم رديئًا 27 رد ما وقع له وأخذه إن شاء 28 إلَّا أن يعطيه الغرماء بقية دينه 29 وهو الباقي من الثمن بالنسبة إليه 30 ويحاص بما بقي، وهذا هو المشهور،
الجزء: 4 - الصفحة: 153
وتأول الباجي قول مالك في الموطأ عليه، وتأوله ابن زرقون 31 على خلافه، وحمله على ظاهره، وأن البائع لا يأخذ ما وجد من السلعة إلَّا أن يرد جميع ما قبض من الثمن، وقال إنه خلاف ما في العتبية من سماع ابن القاسم.
قوله: (كَبَيْعِ أُمٍّ وَلَدَتْ) يريد: أن من ابتاع أمة فولدت عنده ثم باعها دون ولدها ثم أفلس، فقام البائع يطلب الثمن، فوجد الولد دون أمه - فإنه إن شاء أخذ الولد بما ينوبه من الثمن، وحاص بما ينوب الأم، وإن شاء تركه وحاص بما له من الثمن، وهذا هو المشهور، ووقع لابن القاسم عن مالك أنه يأخذ الولد ويحاص بقيمة الأم أو يتركه، ويحاص بجميع الثمن.
قوله: (وَإِنْ مَاتَ أحَدُهُمَا أَوْ بَاعَ الْوَلَدَ، فَلا حِصَّةَ) أي: فإن ماتت الأم أو الولد أو باع الولد دون الأم؛ فليس له إلَّا أخذ الباقي بجميع حقه، أو يتركه ويحاص.
والمشهور في بيع الولد ما ذكره 32، وقيل: كحكم السلعتين إذا وجدت إحداهما وفاتت الأخرى فيكون له أخذ الأم وألا تباع بما يخص الولد من الثمن يوم البيع، وهو منقول عن ابن القاسم ومالك.
المازري: وهو أصل المذهب، وفي البيان قول ثالث أنه يأخذ الأم ويحاص الغرماء بما وصل إليه من ثمن الولد 33.
قوله: (وَأخَذَ الثَّمَرَةَ، وَالْغَلَّةَ) فاعل (أخذ) ضمير يعود على المفلس، والمعنى أن من ابتاع أصولًا فأثمرت عنده، أو شيئًا فاغتله، وجَدَّ 34 الثمرة ثم فلس فإن البائع إذا رجع في سلعته أخذها فقط وأخذ المفلس الثمرة والغلة؛ لأن المبيع كان في ضمانه، وفي الحديث الخراج بالضمان 35 ولو لَمْ يجد المفلس الثمرة أخذها البائع مع الأصول على المشهور ولو يبست، ولابن القاسم 36 أنَّها إذا أبرت لا يأخذها، وفي البيان: أن البائع أحق بها ما لَمْ تطب 37، وقيل: هو أحق بها ما لَمْ تيبس 38.
الجزء: 4 - الصفحة: 154
قوله: (إِلَّا صُوفًا تَمَّ، أو ثَمَرَةً مأبورة) أي: إلا صوفًا قد تم يوم عقد البيع، وثمرة 39 كانت مأبورة يوم ذلك، فإن البائع يأخذ ذلك مع سلعته؛ لأن الصوم التام والثمرة المأبورة لهما حصة من الثمن، فهو بمنزلة ما لو باع سلعتين، وهذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وقال غيره فيها 40: إن جدت الثمرة أو جز 41 الصوف فهما كالغلة، ابن يونس، وقال يحيى: إن جده تمرًا 42 رد مكيلتها، وإن جده رطبًا رد قيمته، يريد: إذا فات وله أجر سقيه وعلاجه.
قوله: (وَأخَذَ الْمُكْرِي دَابَّتَهُ، وَأَرْضَهُ، وَقُدِّمَ فِي زَرْعِهَا فِي الْفَلَسِ) أي: من أكرى 43 دابته لرجل أو أكرى أرضه له ثم فلس المكتري؛ فإن رب الدابة أو الأرض يأخذها 44 وهو واضح 45.
وقوله: (وَقُدِّمَ فِي زَرْعِهَا فِي الْفَلَسِ) أي: وقدم مكري الأرض في زرعها على غيره من الغرماء وهو المشهور، وهو قول مالك وهو في الموت أسوة الغرماء، ولابن القاسم: وهو قول أصبغ أنه أحق به 46 في الفلس والموت 47.
قوله: (ثُمَّ سَاقِيهِ) يريد: أن الأجير الساقي له 48 يلي 49 رب الأرض فيقدم أولًا رب الأرض، فإن فضل شيء مما فيها فذلك يكون بعده 50 للأجير الساقي، فإن فضل
الجزء: 4 - الصفحة: 155
بعده شيء فسائر الغرماء إن لَمْ يكن مرتهنًا (1) ورواه ابن القاسم وأشهب، وفي الموازية والواضحة أنهما يتحاصان، وقاله ابن الماجشون.
قوله: (ثُمَّ مُرْتَهِنُهُ) أي: مرتهن (2) الزرع يلي الأجير الساقي فيقدم رب الأرض والأجير الساقي على المرتهن، ولو حازه وهو مقدم على بقية الغرماء، قاله مالك في الواضحة، ومثله عن ابن القاسم في العتبية.
(المتن)
وَالصَّانِعُ أَحَقُّ - وَلَوْ بِمَوْتٍ - بِمَا بِيَدِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
إِنْ لَمْ يُضِفْ لِصَنْعَتِهِ شَيْئًا إِلَّا النَّسْجَ فَكَالْمَزِيدِ يُشَارِكُه بِقِيمَتِهِ وَالْمُكْتَرِي بِالْمُعَيَّنَةِ، وَبِغَيْرِهَا إِنْ قُبِضَتْ، وَلَوْ أُدِيرَتْ وَرَبُّهَا بِالْمَحْمُولِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَا لَمْ يَقْبِضْة رَبُّهُ، وَفِي كَوْنِ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِالسِّلْعَةِ يُفْسَخُ بِفَسَادِ الْبَيْعِ، أَوْ لَا، أَوْ فِي النَّقْدِ، أَقْوَالٌ.
وَهُوَ أَحَقُّ بِثَمَنِهِ، وَبِالسِّلْعَةِ إِنْ بِيعَتْ بِسِلْعَةٍ وَاسْتُحِقَّتْ، وَقُضِيَ بِأَخْذِ الْمَدِيانِ الْوَثِيقَةَ، أَوْ تَقْطِيعِهَا، لَا صَدَاقٍ قُضِيَ، وَلِرَبِّهَا رَدُّهَا إِنِ ادَّعَى سُقُوطَهَا، وَلِرَاهِنٍ بِيَدِهِ رَهْنُهُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ، كَوَثِيقَةٍ زَعَمَ رَبُّهَا سُقُوطَهَا، وَلَمْ يَشْهَدْ شَاهِدَاهُ إِلَّا بِهَا.