قوله: (وَتُرِكَ لَهُ قُوتُهُ، وَالنَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ لِظَنِّ يُسْرِهِ) أي: وترك للمفلس ما يقتات به، وما ينفقه على من وجبت عليه نفقته من زوجته وولده وأمهات الأولاد ومدبرته 2، ولهذا أشار بقوله: (والنفقة الواجبة عليه) 3 قال في المدونة 4: يترك له ما يعيش به هو وزوجته وولده نحو الشهر، وفي المدونة: يترك له ما يعيش هو وأهله 5 الأيام 6، وحملها في البيان على العشرة ونحوها.
المازري: والتحقيق أن يُترك إلَّا وقت يؤدي الاجتهاد إلَّا أن يحصل له في مثله ما يتأتى له منه اليسر؛ ولهذا قال هنا: لظن يسره 7، ولمالك أيضًا: أنه لا يترك له شيء، وقاله ابن كنانة، ولابن القاسم 8: إن كان المال يسيرًا لا خطب له يترك له نفقة الأيام، وقال محمد: إذا كان الذي يوجد له لا1
الجزء: 4 - الصفحة: 137
خطب له لَمْ يترك له شيء، ولأصبغ إذا كان مقدار ذلك لو جمع مثل نفقته شهرًا 9 ونحوه 10.
قوله: (وَكِسْوَتُهُمْ كُلٌّ دَسْتًا مُعْتَادًا) الضمير عائد على المفلس ومن ذكر معه ممن تلزمه نفقته، واحترز بقوله: (مُعْتَادًا) 11 من ثياب الزينة، فإنها لا تترك له وتباع، والمشهور ما ذكره، وقال ابن كنانة: يترك ما يواريه فقط، وروى ابن نافع أنه لا يترك له شيء، وروى ابن القاسم عن مالك 12 أنه يترك له كسوة له ولأهله، وشك في زوجته، وقال سحنون: لا يترك للزوجة شيء.
قوله: (وَلَوْ وَرِثَ أَبَاهُ بِيعَ لا وهب) يريد: أن المفلس إذا ورث أباه أو من يعتق عليه، فإنه يباع عليه 13، يعني: إن استغرقه الدين وإلا بيع منه بقدر الدين وعتق الفاضل منه، وإليه ذهب ابن القاسم، فإن لَمْ يوجد من يشتري البعض على التشقيص 14 بيع كله، وقال ابن القاسم 15: لا يباع عليه، وإن ورثه، وفرق أشهب فقال كقول محمد في الموت لا في الفلس 16، واتفق هو وابن القاسم على أن المفلس لو وهب له أبوه أو تصدق به عليه؛ فإنه يعتق عليه ولا يباع، قال ابن القاسم 17: لأن الواهب يقول لَمْ أهبه إلَّا ليعتق 18. بعض الأشياخ: على هذه العلة لو لَمْ يعلم أنه ممن يعتق عليه لبيع في الدين، وبه جزم ابن يونس، والمازري: وجعله في المقدمات محل نظر، وعلى هذا فقوله: (لَا وُهِبَ لَهُ، إِنْ عَلِمَ وَاهِبُهُ أنّه يُعْتَقُ عَلَيْهِ) لا إشكال فيه، وإنما الإشكال فيما إذا لَمْ يعلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 138
قوله: (وَحُبِسَ لِثُبُوتِ عُسْرِهِ) أي: وحبس المديان حتى يتبين أنه معسر، فإذا تبين أخرج، وإن ثبت ذلك قبل سجنه لَمْ يحبس.
ابن رشد: ويحبس الغريم 19 ما لَمْ يظهر عدمه، ويثبت فقره 20، أي: وما لَمْ يثبت ملاؤه 21 إلَّا أن يتفالس، كما سيأتي، ولهذا قال (إِنْ جُهِلَ حَالُهُ)، ابن رشد: ويحبس قدر ما يتبين فيه أمره ويكشف عن حاله، وذلك يختلف باختلاف الدَّيْن فيما روى عن 22 ابن حبيب عن ابن الماجشون: (فيحبس في الدريهمات اليسيرة نصف شهر، وفي الكثير من المال أربعة أشهر، وفي الوسط منه شهرين 23.
قوله: (وَلم يَسْأَلِ الصَّبْرَ لَهُ بِحَمِيلٍ بوَجْهِهِ) يريد: ان مجهول الحال لا يحبس إلا إذا لَمْ يسأل الصبر عليه بحميل، وأما إذا سأل الصبر 24 فلا، ونحوه في المدونة، إلَّا أنه لَمْ يبين 25 فيها هل 26 حميل بالمال أو بالوجه، عياض: والصواب بالوجه، وكذا نص عليه أبو عمران، والتونسي وغيرهما، ولهذا قال هنا (بوجهه)، وقال سحنون: لا يقبل منه الحميل لثبوت عدمه 27.
قوله: (فغرم، إِنْ لَمْ يَأتِ بِهِ) أي: وإذا قبل من الغريم حميل بالوجه ثم غاب، ولم يستطع الحميل أن يأتي به؛ فإنه يغرم ما عليه من الدين، واختلف إذا غاب الغريم فأثبت الحميل عدمه هل يغرم ما عليه، وبه قال ابن رشد، وهو مراده بقوله: (وَلَوْ أُثْبِتَ عُدْمُهُ) أو لا يغرم شيئًا ويبرأ 28 من الحمالة، وبه قال اللخمي.
الجزء: 4 - الصفحة: 139
قوله: (أَوْ ظَهَرَ مَلاؤُهُ إِنْ تَفَالَسَ أن يقول لا شيء لي 29 يريد: أن المديان أيضًا يحبس 30 إذا ظهر ملاؤه، وادعى الفلس وهو معنى قوله: (إِنْ تَفَالَسَ).
قوله: (وَإِنْ وَعَدَ بِالقَضَاءِ وَسَأَلَ تَأْخِيرَ كَالْيَوْمِ ونحوه أخر إن 31 أَعْطَى حَمِيلًا بالمالِ، وَإِلَّا سُجِنَ) أي: وإن وعد بقضاء ما عليه من الدَّيْن، وسأل تأخير اليوم ونحوه أخر إن أعطى حميلًا بالمال، وقاله 32 سحنون: فإن لَمْ يوجد له حميل سجن.
قوله: (كَمَعْلُومِ الْمَلاءِ) هو راجع لقوله: (وَإِلا سُجِنَ) أي: كما يسجن من علم أنه مليء بما عليه من الدَّين ولم يدفع ما عليه 33، وروى سحنون: يضرب بالدرة المرة بعد المرة 34 حتى يؤدي المال 35.
قوله: (وَأُجِّلَ لِبَيْعِ عَرْضِهِ إِنْ أَعْطَى حَمِيلًا بِالمالِ) عياض: ولا يؤخذ منه 36 حميل إلَّا أن يلتزم الحميل دفع المال.
قوله: (وَفي حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ النَّاضِّ تَرَدُّدٌ) يريد: أنه 37 اختلف هل يحلف الغريم على عدم الناض أم لا تردد 38؟ إذا لَمْ يكن معروفًا به، قال أبو على الحداد: لا يحلف، وقال ابن دحون 39: يحلف، وقال ابن زرب: لا يحلف إلَّا إذا كان من التجار.
عياض: والصواب أنه لا يؤخر إن علم بالناض، وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ عُلِمَ بِالنَّاضِّ لَمْ يُؤَخَّرْ).
الجزء: 4 - الصفحة: 140
(المتن)
وَضُرِبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَإِنِ شُهِدَ بِعُسْرِهِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ حَلَفَ كَذَلِكَ، وَزَادَ: وَإِنْ وَجَدَهُ لَيَقْضِيَنَّ، وَأُنْظِرَ، وَحَلَّفَ الطَّالِبَ إِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ عِلْمَ الْعُدْمِ، وَإِنِ سَأَلَ تَفْتِيشَ دَارِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَرُجِّحَتْ بَيِّنَةُ الْمَلَاءِ، إِنْ بَيَّنَتْ.
وَأُخْرِجِ الْمَجْهُولُ إِنْ طَالَ سِجْنُهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، وَالشَّخْصِ، وَحُبِسَ النِّسَاءُ عِنْدَ أَمِينَةٍ، أَوْ ذَاتِ أَمِينٍ، وَالسَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ، وَالْجَدُّ، وَالْوَلَدُ لِأَبِيهِ، لَا العَكْسُ، كَالْيَمِينِ إِلَّا الْمُنْقَلِبَةَ وَالْمُتَعَلِّقَ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ كَالأَخَوَيْنِ، وَالزَّوْجَيْنِ إِنْ خَلَا، وَلَا يَمْنَعُ مُسَلِّمًا، وَخَادِمًا بِخِلَافِ زَوْجَتِهِ، وَأُخْرِجَ لِحَدٍّ أَوْ ذَهَابِ عَقْلِهِ لِعَوْدِهِ، وَاسْتُحْسِنَ بِكَفِيلٍ بِوَجْهِهِ لِمَرَضِ أَبَوَيْهِ، وَوَلَدِهِ، وَأَخِيهِ، وَقَرِيبٍ جِدًّا لِيُسَلِّمَ، لَا جُمْعَةٍ، وَعِيدٍ، وَعَدُوٍّ، إِلَّا لِخَوْفِ قَتْلِهِ، أَوْ أَسْرِهِ.