قوله 3: (وَجَازَ الثَّمَنُ، إِلَّا لِمَانِعٍ كَالاقْتِضَاءِ 4) أي: فإن أعطى صاحب الدين المخالف للنقد ثمنا عنه جاز إلَّا أن يمنع منه ماح، كما لو كان رأس المال ذهبا، وأراد أن يأخذ عنه فضة أو فضة ويأخذ عنها ذهبا؛ لأنه يؤدي إلى الصرف المستأخر، وكذا لو كان رأس ماله 5 عشرين درهما في إردبّ قمح أو في ثوب، ونابه في الحصاص عشرة مثلا، فلا يجوز له أن يأخذ ذلك؛ لأنه يدخله بيع الطعام قبل قبضه، ويدخله أيضًا البيع والسلف، وحاصله أن هذا يجري على حكم الاقتضاء، كما قال: كالاقتضاء، وقد تقدم ذلك.12
الجزء: 4 - الصفحة: 133
قوله: (وَحَاصَّتِ الزَّوْجَةُ بِمَا أنْفَقَتْ، وَبِصَدَاقِهَا كَالْمَوْتِ) مذهب ابن القاسم أن زوجة المفلس تحاصِّ غرماءه بما أنفقت على نفسها، وسواء كان الدين قبل الإنفاق أو بعده، وقال سحنون 6: إنما ذلك إذا كان الإنفاق قبل الدين، وتضرب بذلك في الموت وفي الفلس، وفي الموازية: تضرب بذلك في الفلس فقط، وقيل: لا تضرب فيهما، والمشهور أنَّها تحاص أيضًا بصداقها في الموت والفلس، وقيل: لا تحاص 7 فيهما، وعن ابن القاسم في الجلاب: لا تضرب بذلك مطلقًا، وعن ابن الجلاب 8: تحاص في الفلس دون الموت.
قوله: (لا بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ): لا تدخل الزوجة في المحاصة بما أنفقت على أولادها؛ لأن نفقة الأولاد من باب المواساة على الملي لا على العديم 9 هو مذهب ابن القاسم في الموت والفلس، وقال أشهب: تحاصّ بما أنفقت 10، واختلف أيضًا في نفقة الأبوين.
قوله: (وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ أَوِ اسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وَانْ قَبْلَ فَلَسِهِ رُجعَ بِالحَصَّةِ) يريد: أن الغرماء إذا اقتسموا المال في موت أو فلس ثم قدم غريم لَمْ يعلم به، فإنه يرجع على الغرماء بما يجب له في الحصاص أن لو حضر فيتبع كلّ واحد منهم بما صار بيده من ذلك، قال في المدونة: ولا يأخذ مليا ولا حاضرا كذا عمن غاب 11 ولا حيًّا عن معدم أو غائب 12 أو ميت 13، وليتبع ذمة كلّ واحد، واحترز بقوله: (ظَهَرَ) مما إذا كان الغريم حاضرا عالما بالتفليس، فإنه لا يرجع على أحد منهم بشيء، وقاله في المدونة.
قال 14 بعض الأشياخ: ولا خلاف فيه.
ومعنى قوله: (أَوِ اسْتُحِقَّ مَبِيعٌ) أن من ابتاع سلعة من المفلس واقتسم الغرماء ثمنها ثم استحقّت فإنه يرجع على كلّ واحد بما ينوبه منه؛ لأنه غريم طرأ
الجزء: 4 - الصفحة: 134
عليهم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المفلس قد باع السلعة المستحقة قبل التفليس أو بعده، ولهذا قال: وإن قبل فلسه 15.
قوله: (كَوَارِثٍ، أَوْ مُوصًى لَهُ عَلَى مِثْلِهِ) يريد: أن ظهور 16 الوارث على الورثة والموصى له على الموصى لهم، كظهور الغريم على الغرماء، وهو مذهب ابن القاسم، فلا يأخذ من ملي عن معدم، ولا من حاضر عن غائب، ولا من حي عن ميت 17، وقال أشهب وابن عبد الحكم: يقاسم الملي منهم في جميع ما صار إليه، وكأن الميت لَمْ يترك غيرهما ثم يرجعان على سائر الورثة، وكذلك الموصى له حتى يتساووا.
قوله: (وَإِنِ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ، أَوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وَأَقْبَضَ رُجِعَ عَلَيْهِ) يريد: أن الميت إذا كان مشهورًا بالدين أو علم الوارث بذلك وأقبض بعض الغرماء فإنه 18 يرجع عليه، قال في المدونة بما يخصه: ويرجع الوارث بذلك على الغرماء الذين أقبضهم 19 أولًا، أما مع علم الوارث بالدين الباقي فظاهر لتعديه وأما مع شهرته بالدين فلستعجاله فلذلك يرجع عليه القائم 20 وقال ابن القاسم: إذا قضى الحاضر 21 وهو يعلم بدين القادم 22، فإنه إن وجد الغرماء معدمين رجع على الوارث بما ينوبه من ذلك، ثم يرجع الوارث بما أدّى من ذلك على الغرماء الأوّلين، فإن قضى الوارث الحاضر وهو غير 23 عالم ببقية الغرماء ولم يكن الميت 24 مشهورًا بالدَّيْن فلا شيء عليه، قال في المدونة: ويرجع الغرماء القادمون على الذين قبضوا بما ينوبهم من المحاصّة في المال.
قوله: (وَأُخِذَ مَلِيّ عَنْ مُعْدِمٍ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ) يريد: أن الغارم الطارئ إذا رجع
الجزء: 4 - الصفحة: 135
على الورثة حيث اقتسموا مال الميت فإنه يأخذ من المليّ عن المعدم ما لَمْ يكن دين الطارئ أكثر مما قبضه المليّ، فلا يأخذ منه أكثر من ذلك، وإن كان دينه أقلّ منه أخذ منه مقدار دينه.
قوله: (ثُمَّ يَرْجعُ عَلَى الْغَرِيمِ) قد تقدّم مثله عن المدونة.
قوله: (وَفيهَا البَدَاءةُ بِالْغَرِيمِ) هذا مأخوذ من قول ابن القاسم في المدونة أن القادم إذا وجد الغرماء معدمين رجع على الوارث 25، ومفهومه إذا وجدهم أملياء فإنه يبدأ بالغريم كما قال هنا، وله في المدونة قبل 26 هذا أن القادم يرجع أولًا على الورثة ويرجع الورثة على الغرماء، واختلف هل كلام ابن القاسم خلاف، وهو تأويل اللخمي وغيره أو وفاق، وإنما أراد أنهم مخيّرون بين أن يرجعوا على الورثة أو على الغرماء، وإليه ذهب ابن يونس، وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وَهَلْ خِلَافٌ، أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ؟ تَأْوِيلانِ).
قوله: (وَإِنْ تَلِفَ نَصِيبُ غَائِبٍ عُزِلَ فَمِنْهُ كَعَيْنٍ وقفَ 27 لِغُرَمَائِهِ لا عَرْضٍ) يريد: أن القاضي إذا عزل نصيب غائب من الغرماء فتلف فإن مصيبته ممن عزل له، وقاله في المدونة، ابن يونس: ولا خلاف فيه، وإنما الخلاف إذا وقف مال المفلس ليقضي منه غرماؤه، فقيل: هو من المفلس عرضًا كان أو عينًا، وقاله مالك، وقال أيضًا: مصيبته من المفلس إن كان عرضًا 28، وإلا فمن الغرماء، ورواه ابن القاسم عنه، وبه قال: واقتصر عليه الشيخ هنا، وقيده صاحب المقدمات وبعض القرويين بما إذا كان العرض مخالفًا لدَيْنهم، كما إذا كان دَيْنهم عينًا أو عرضًا مخالفًا، وأما إن كان مماثلًا، فإن ضمانه من الغرماء؛ لأنهم يتحاصون فيها 29 فلا يحتاجون إلى بيعها كالعين وأبقاه المازري واللخمي 30 وغيرهما على ظاهره، وإلى هذا أشار بقوله: (وَهَلْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَدَنِيْهِ؟ تَأْوِيلانِ)، وعن مالك أن ضمان ذلك كله من الغرماء، وقال المغيرة: مصيبة الدنانير ممن
الجزء: 4 - الصفحة: 136
له دنانير والدراهم ممن له دراهم، والعروض من المفلس، نقله عنه المازري والمتيطي (1) وهذه الأربعة الأقوال في مسألة الميت أيضًا، وفيها قول خامس أن مصيبة ذلك من المفلس، وفي الموت من الغرماء، وهو قول أصبغ.
(المتن)
وَتُرِكَ لَهُ قُوتُهُ وَالنَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ لِظَنِّ يُسْرهِ وَكِسْوَتُهُمْ كُلٌّ دَسْتًا مُعْتَادًا، وَلَوْ وَرِثَ أَبَاهُ بِيعَ لَا وُهِبَ لَهُ، إِنْ عَلِمَ وَاهِبُهُ أَنَّهُ يَعْتَقُ عَلَيْهِ، وَحُبِسَ لِثُبُوتِ عُسْرِهِ، إنْ جُهِلَ حَالُهُ وَلَمْ يَسْأَلِ الصَّبْرَ لَهُ بِحَمِيلٍ بِوَجْهِهِ فَغَرِمَ، إِنْ لَمْ يَأتِ بِهِ، وَلَوْ أُثْبتَ عُدْمُهُ، أَوْ ظَهَرَ مَلَاؤُهُ إِنْ تَفَالَسَ أن يقول لا شيء لي، وَإِنْ وَعَدَ بِالقَضَاءٍ وَسَأَلَ تَأخِيرَ كَالْيَوْمِ ونحوه أخر إن أَعْطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ، وَإِلَّا سُجِنَ، كَمَعْلُومِ الْمَلَاءِ.
وَأُجِّلَ لِبَيْعِ عَرْضِهِ إِنْ أَعْطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ.
وَفِي حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ النَّاضِّ تَرَدُّدٌ.
وَإِنْ عُلِمَ بِالنَّاضِّ لَمْ يُؤَخَّرْ،