(الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ 1) يريد: أن الرهن إعطاء من له البيع شيئًا يباع، واحترز بذلك مما لا يباع، مثل الخمر والخنزير ونحوهما، فإن رهنهما لا يجوز من مسلم ولا ذمي، لأن فائدة الرهن بيعه عند الوفاء، والخمر ونحوه لا يجوز بيعه.
قوله: (أَوْ غَرَرًا) هو معطوف على "ما" 2 المنصوبة بالمصدر، وفيه تنبيه على أن الرهن يغتفر فيه ما لا يغتفر في البيع، فيجوز فيه الغرر بخلاف البيع، ولهذا يجوز له رهن عبده 3 الآبق وبعيره الشارد من غير 4 خلاف إذا لم يقارن عقدة البيع، واختلف إذا اشترط في عقدة البيع على قولين، أحدهما منع ذلك، والثاني: جوازه، ابن رشد: وهو المشهور 5، وإليه أشار بقوله: (وَلَوِ اشْترطَ، في الْعَقْدِ)
قوله: (وَثيقَةً بِحَقٍّ) هو حال من قوله 6: ما يباع، وما عطف عليه، و"الباء" في قوله: (بِحَقٍّ) للسببية، أي: بسبب حق ترتب عليه، واحترز به عما يبذل لا على سبيل 7
الجزء: 4 - الصفحة: 80
التوثق بل على سبيل التملك كالبيع والهبة والصدقة والانتفاع 8 كالاستئمار والإخدام 9 والإعارة ونحوه.
قوله: (كَوَلِيٍّ وَمُكَاتِبٍ، وَمَأْذُونٍ) لما ذكر أن الرهن بذل من له البيع ما يباع 10 أخذ يبين من هو المتولي لذلكَ 11 فقال (كَوَليٍّ) يريد: أبًا كان 12 أو وصيًا ليتيم ونحوهما، ومعنى ذلك أن الولي 13 إذا ابتاع لمحجوَره شيئًا ودفع رهنًا من متاع محجوره في ذلك فإنه جائز 14، وأما إذا رهنه فيما عليه نفسه فلا، وقاله في المدونة 15.
قوله: (وَآبِقِ) هو بيان لقوله: (أَوْ غَرَرًا) ومثله البعير الشارد ونحوه، والمنصوص جوازه، وخرج فيه بعضهم قولًا بالمنع من مسألة الجنين الآتية 16.
قوله: (وَكِتَابةٍ، وَاسْتُوفِي مِنْهَا أَوْ رَقَبَته إِنْ عَجَزَ) يريد: أن سيد المكاتب يجوز له أن يرهن كتابته 17 في 18 دين عليه، ثم يستوفي المرتهن دينه منها إن أداها، فإن عجز 19 عنها بيعت رقبته وأخذ المرتهن دينه منها، وهذا ظاهر إذا كان الرهن بعد عقد البيع، وإلا فيدخله إن كان في أصل الدين 20 ما دخل رهن الغرر، وقد يقال: لا غرر في ذلك على أصل المذهب؛ لأن بيع الكتابة جائز، ولا يزيد الغرر في بيعها على الغرر هنا، لأن 21 الرهن يغتفر فيه ما لا يغتفر في البيع من الغرر.
الجزء: 4 - الصفحة: 81
قوله: (وَخِدْمَةِ مُدَبَّرٍ) أي: ويستوفي المرتهن دينه 22 من تلك الخدمة إن أمكن، وإن لم يمكن بأن يكون السيد قد مات أو فلس قبل الاستيفاء، فإن كان له مال غير المدبر أخذ 23 بقية دينه منه، وإن لم يكن له غيره ورق جميعه أو بعضه، بيع أو بعضه 24 وأخذ رب المال 25 من ذلك ما بقي له، فقوله: (وَإِنْ رُقَّ جُزْءٌ فَمِنْهُ) أي: وكذلك إن رق جميعه.
قوله: (لا رَقَبتِهِ) أي: لا يجوز ارتهانها لتباع 26 له الآن.
قوله: (وَهَلْ يَنْتقِلُ لِخِدْمَتِهِ؟ قَوْلانِ) أي: إذا رهنه الرقبة، وقلنا بعدم الجواز، فهل ينتقل الرهن في الخدمة، وتباع للمرتهن أوْ لا تنتقل؛ لأنه إنما رهنه الرقبة فلا يرجع إلى المنفعة، والفرع كله ذكره اللخمي 27 والمازري 28.
قوله: (كَظُهُورِ حبسِ الدَّار) أي: وكذلك إذا كانت له دار فرهنها، ثم ظهر أنها حبس هل ينتقل الرهن في أجرتها أم لا؟ في ذلك قولان.
قوله: (وَمَا لم يَبْدُ صَلاحُهُ، وَانتُظِرَ ليُبَاعَ) أي: وهكذا يجوز رهن ما لم يبد صلاحه من الثمار والزرع وهذا هو المشهور، وعن مالك عدم الجواز 29، وعلى الأول فينتظر بالثمرة بدو صلاحها ثم تباع.
قوله: (وَحَاصَّ مُرْتَهِنُهُ في المْوْتِ وَالفَلَسِ) أي: فإن مات الراهن وعليه ديون غير الدين الذي رهن في الثمرة وله مال لا يفي بديونه؛ فإن مرتهنه يحاص غرماءه في الموت، والفلس بجميع دينه لأن دينه في ذمة الراهن لا في الثمرة، وأيضًا فالثمرة قد تهلك قبل بدو صلاحها فيظلم المرتهن بذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 82
قوله: (فَإذَا صَلَحَتْ بِيعَتْ فَإنْ وَفَّى رَدَّ مَا أَخَذَهُ، وإِلَّا قُدِّرَ مُحَاصًّا بِما بَقِيَ) فإذا حاص المرتهن الغرماء ثم صلحت الثمرة مثلًا 30، فإنها تباع حينئذ وينظر في ثمنها، فإن وفَّي بدينها أخذه وردَّ ما أخذه من الغرماء في الحصاص، وإن لم يف بذلك قدر محاصًا بما 31 بقي، مثاله: لو كان على الراهن ثلاثة مائة لثلاثة نفر أحدهم مرتهن الثمرة، ثم مات الراهن أو فلس ووجد عنده خمسون ومائة، فإن المرتهن يأخذ منابه خمسين، ويأخذ كل واحد من صاحبيه خمسين خمسين، فإذا صلحت الثمرة بيعت ونظر، فإن كان ثمنها مائة أخذها المرتهن وردَّ ما أخذه وهو خمسون، وإن لم تفِ بل 32 بيعت مثلًا بخمسين اختص بها المرتهن، ثم يقال له قد تبين لك 33 أنك إنما كنت تستحق بالحصاص بمقدار ما بقي لك وهو خمسون، فيكون لك ثلاثون فيرد عشرين لصاحبيه، يأخذ كل واحد منهما عشرة إلى الخمسين فيصير له في الحصاص ثلاثون، وهي ثلاثة أخماس الخمسين باقي دينه 34، ولكل واحد من الباقين ستون، وهي ثلاثة أخماس المائة وهو قول ابن القاسم.
قوله: (لا كَأحَدِ الْوَصِيَّيْنِ) أي: فليس له رهن شيء من متاع اليتيم إلا بإذن صاحبه، وقاله في المدونة.
قوله: (ولا 35 جِلْدِ مَيْتَةٍ) هو مذهب المدونة كما في بيعه، وعلى 36 قول ابن وهب الذي يقول بطهارته بعد الدباغ يجوز بيعه و 37 رهنه 38.
قوله: (وَكَجَنِينٍ) وهو المشهور، وقال ابن ميسر 39: يجوز رهنه قياسًا على غيره من
الجزء: 4 - الصفحة: 83
الغرر (1). قوله: (وَخَمْرٍ، وَإِنْ لِذِمِّيٍّ، إِلا أَنْ يَتَخَلَّل) يعني: أن المسلم لا يجوز له أن يرهن خمرًا وَإن كانت لذمي، لأنه لا يمكن استيفاء دينه منها (2)، سحنون: إلا أن يتخلل (3) فيكون أحق بها (4). قوله: (وَإِنْ تخمَّرَ أَهْرَاقَهُ (5) بِحَاكِمٍ) أي: فإن رهن عصيرًا فصار خمرًا، فليرفعه إلى الحاكم ليراق بأمره.
(المتن)
وَصَحَّ مُشَاعٌ، وَحِيزَ بِجَمِيعِهِ، إِنْ بَقِيَ فِيهِ لِلرَّاهِنِ، وَلا يسْتَأذِنُ شَرِيكَهُ، وَلَهُ أَنْ يَقْسِمَ وَيَبِيعَ وَيُسَلِمَ، وَلَهُ اسْتِئْجَارُ جُزْءِ غَيْرِهِ، وَيَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِن لَهُ، وَلَوْ أَمَّنَا شَرِيكًا فَرَهَنَ حِصَّتَهُ لِلْمُرْتَهِنِ، وَأَمَّنَا الرَّاهِنَ الأَوَّلَ بَطَلَ حَوْزُهُمَا.
وَالْمُسْتَأجَرُ وَالْمُسَاقَى، وَحَوْزُهُمَا الأَوَّلُ كَافٍ.
وَالْمِثْلِيُّ وَلَوْ عَينًا بِيَدِهِ إِنْ طُبِعَ عَلَيْهِ.
وَفَضْلَتُهُ إِنْ عُلِمَ الأَوَّلُ وَرَضِيَ، وَلا يَضْمَنُهَا الأَوَّلُ كَتَرْكِ الْحِصَّةِ الْمُسْتَحَقَّةِ أَوْ رَهْنِ نِصْفِهِ، وَمُعْطًى دِينَارًا لِيَسْتَوْفِيَ نِصْفَهُ ويزدَّ نِصْفَهُ.
فَإنْ حَلَّ أَجَلُ الثَّانِي أَوَّلًا قُسِمَ، إِنْ أَمْكَنَ وَإلَّا بِيعَ وَقُضِيَا.