قوله: (كَقَبْلَ مَحَلِّهِ فِي الْعَرْضِ مُطْلَقًا، وَفِي الطَّعَامِ إِذَا حَلَّ الْأَجَلُ) أي وكذلك يجوز للمشتري أن يقبل من البائع العرض قبل محله سواء حل أجل 2 السلم أم لا وهو مراده بالإطلاق، والطعام إذا حل الأجل وإن لم يحل لم يجز، فإن أبى المشتري من قبوله لم يجبر عليه، ثم نبه بقوله: (إِنْ لَمْ يَدْفَعْ كِرَاءً) على أن جواز القبول في العرض والطعام مقيد بأن لا يدفع المسلم إليه كراء 3 حمولة ذلك إلى موضع 4 القضاء وقاله في المدونة، وزاد لأن البلد بمنزلة الأجل 5. قوله: (وَلَزِمَ بَعْدَهُمَا) يريد أن البائع إذا دفع للمشتري ما له في ذمته 6 في المكان1
الجزء: 4 - الصفحة: 67
المشترط فيه قبض السلم بعد حلول الأجل فإنه يلزمه قبوله، والضمير المثنى عائد على المحل والأجل.
قوله: (كَقَاضٍ إِنْ غَابَ) أي: فإن غاب رب الدين فلم يوجد في بلد القبض فدفع ذلك البائع للقاضي فإنه يلزمه القبول ليحفظه لربه حتى يقدم وهو ظاهر.
قوله: (وَجَازَ أَجْوَدُ وَأَرْدَأُ) أي فإن دفع البائع أجود مما في ذمته أو أردأ، جاز للمشتري أخذه 7، ونص على ذلك ابن القاسم في الأجود من العينين من بيع أو قرض قبل الأجل أو بعده، ونص في الجواهر على أن رب الدين يلزمه ذلك؛ لأن مقصوده قد حصل، وزاد 8 ابن عبد السلام: وهو قول غير واحد من المتأخرين ولم يذكر المساوي لوضوحه.
قوله: (لا أَقَلُّ، إِلا عَنْ مِثْلِهِ) أي: فإن دُفع له شيء من جنس ما عليه إلا أنه أقل مما في ذمته مقدارًا فإن كان أجود لم يجز إلا بشرطين 9 أن يكون قضاءً عن مثله، والثاني 10 هو المراد بقوله: (وَتبْرَأ مِمَّا زَادَ) أي: تبرأ ذمته منه، ونحوه في المدونة.
قوله: (وَلا دَقِيقٌ عَنْ قَمْحٍ، وَعَكْسُهُ) هو معطوف على قوله: (لَا أَقَلُّ) أي: فلا يجوز أن يأخذ دقيقًا عن قمح، أو قمحًا عن دقيق، وهو محكي عن مالك 11 مراعاة لقول من قال: إنهما جنسان؛ ولأن ذلك يؤدي إلى تجويز 12 بيع الطعام 13 قبل قبضه.
قوله: (وَغَيْر جِنْسِهِ، إِنْ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَبَيْعُهُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ مُنَاجَزَةً، وَأَنْ يُسْلَمَ فِيهِ رَأْسُ الْمَالِ، لا طَعَامٍ، وَلَحْمٍ بِحَيَوَانٍ، وَذَهَبٍ، وَرَأْسُ الْمَالِ ورِقٌ، وَعَكْسُهُ) أي: فإن كان القضاء بغير الجنس جاز بشروط ثلاثة: الأول: أن يكون المسلم فيه مما يجوز بيعه قبل قيضه احترازًا من الطعام، فإنه لا يجوز أن يقبض 14 عنه شيء من غير جنسه ولهذا
الجزء: 4 - الصفحة: 68
قال: (لَا طَعَامٍ).
الثاني: أن يكون المأخوذ مما يباع بالمسلم فيه 15 يدًا بيد وهو المراد بالمناجزة، فلا يأخذ لحمًا عن حيوان، ولا حيوانًا عن لحم، ولهذا قال: (لَا لحمٍ بِحَيَوَانٍ).
الثالث: أن يكون المأخوذ مما يجوز أن يسلم فيه رأس المال، فيخرج عن ذلك أخذ الطعام إذا كان رأس المال طعامًا إلا أن يتساوى الطعامان فيجوز وتكون إقالة ويخرج 16 منه أخذ الذهب إذا كان رأس المال ورقًا، أو بالعكس، ولهذا قال: (وَذَهَبٍ 17، وَرَأْسُ الْمَالِ ورِقٌ، وَعَكْسُهُ).
قوله: (وَجَازَ بَعْدَ أَجَلِهِ الزيادة ليزيده طولًا كقبله 18 إن عجَّل دراهمه، وغزل ينسجه) هذا نحو قوله في المدونة: وإن أسلمت إلى أجل 19 في ثياب موصوفة فزدته قبل الأجل دراهم نقدًا 20 على إن زادك طولًا جاز 21. لأنهما صفقتان، وكذلك لو دفعت إليه غزلًا ينسجه ثوبًا ستة في ثلاثة، ثم زدته دراهم وغزلًا على أن يزيدك في طول أو عرض 22 فلا بأس به، وهما صفقتان.
انتهى.
وقال سحنون: لا يجوز ذلك لأنه دين بدين 23.
قوله: (لا أَعْرَضَ أَوْ أَصْفَقَ) أي: فلا يجوز، نص عليه اللخمي فقال: إن زاده دراهم قبل الأجل ليأخذ عند 24 الأجل أصفق، أو أرق، أو أعرض لم يجز، وهو فسخ دين في دين 25، ونص ابن شاس على جواز 26 الأعرض كالأطول، وليس بظاهر 27.
الجزء: 4 - الصفحة: 69
قوله: (وَلا يَلْزَمُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ وَلَوْ خَفَّ حَمْلُهُ) أي: ولا يلزم المسلم إليه أن يدفع المسلم فيه بغير (1) موضعه، ويأخذ أجرة حمله (2) ولو خف حمله، ونص عليه في الموازية وغيرها.
فصل [في أحكام القراض]
(المتن)
فَصْلٌ يَجُوزُ قَرْضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ فَقَطْ، إِلَّا جَارَيةً تَحِلُّ لِلْمُسْتَقْرِضِ.
وَرُدَّتْ، إِلَّا أَنْ تَفُوتَ بِمُفَوِّتِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَالْقِيمَةُ، كَفَاسِدِهِ.
وَحَرُمَ هَدِيَّتُهُ إِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهَا، أَوْ يَحْدُثْ مُوجِبٌ كَرَبِّ الْقِرَاضِ وَعَامِلِهِ، وَلَوْ بَعْدَ شَغْلِ الْمَالِ عَلَى الأَرْجَحِ، وَذِي الْجَاهِ وَالْقَاضِي، وَمُبَايَعَتُهُ مُسَامَحَةً، أَوْ جَرُّ مَنْفَعَةٍ: كَشَرْطِ العَفِنٍ بسَالِمٍ، وَدَقِيقٍ أَوْ كَعْكٍ بِبَلَدٍ، أَوْ خُبْزِ فُرْنٍ بِمَلَّةٍ، أَوْ عَيْنٍ عَظُمَ حَمْلُهَا كَسَفْتَجَةٍ إِلَّا أَنْ يَعُمَّ الْخَوْفُ، وَكَعَيْنٍ كُرِهَتْ إِقَامَتُهَا إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَن الْقَصْدَ نَفْعُ الْمُقْتَرِضِ فَقَطْ فِي الْجَمِيعِ، كَفَدَّانٍ مُسْتَحْصَدٍ، خَفَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيهِ، يَحْصُدُهُ وَيَدْرُسُهُ، وَيَرُدَّ مَكِيلَتَهُ وَمُلِكَ، وَلَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ إِلَّا بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ، كَأَخْذِهِ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ إِلَّا الْعَيْن.