قوله: (والإِقَالَةُ بَيْعٌ إِلا فِي الطَّعَامِ وَالشُّفْعَةِ والْمُرابَحَةِ) تصوره واضح 1 وسيأتي الكلام 2 في الإقالة في المرابحة، والكلام على الإقالة في 3 الشفعة.
قوله: (وتَوْلِيَةٌ وشِرْكَةٌ) هو معطوف على الجائز والمعنى أن التولية وهي أن يولي ما اشتراه لغيره بالثمن الذي ابتاع به، والشركة وهي: أن يشرك غيره في بعض ما اشتراه ببعض الثمن، جائز يريد لأن ذلك من باب المعروف.
ابن حبيب: والإقالة والشركة، والتولية في الطعام، مستخرجة برخصة النبي - صلى الله عليه وسلم - من نهيه عن بيعه قبل قبضه 4. والمشهور في الشركة ما ذكر، وحكى أبو الفرج عن مالك أن الشركة في الطعام قبل قبضه لا تجوز 5 وقوله: (إِنْ لَمْ يكُنْ عَلَى أَنْ يَنْقُدَ عَنْكَ) هكذا قال مالك ونصه عند ابن يونس، وكل ما اشتريت من جميع العروض والطعام؛ فلا يجوز عند مالك أن تشرك فيه رجلًا قبل قبضك له أو بعدُ على أن ينقد عنك، لأنه بيع وسلف منه لك.
قوله: (واسْتَوَى عَقْدَاهُمَا فِيهِمَا) أي واستوى عقد البيع الأول، وعقد التولية والشركة فيهما أي في الشركة والتولية، ولهذا لا تجوز الشركة إذا كان رأس المال عرضًا لا يكال أو 6 يوزن.
لأنه يرجع إلى القيمة، فيكون من باب بيع الطعام قبل قبضه، وكذلك التولية، ويجوز إذا كان عينًا.
قوله: (وَإِلا فَبيعٌ 7 كَغَيْرِهِ) أي وإن لم يستوِ العقدان بطلت الرخصة، وكان بيعًا مؤتنفًا فيصح مع قبض المشتري 8، ويمنع إن لم يقبض.
الجزء: 3 - الصفحة: 652
قوله: (وَضَمِنَ الْمُشْتري الْمُعَيَّنَ) يريد أن المشتري يضمن المبيع المعين 9 بالعقد أي الصحيح، فإذا هلك بعد ذلك كانت مصيبته منه، وأشار بقوله: (وطَعَامًا 10 كِلْتَهُ وصَدَّقَكَ) إلى مسألة كتاب السلم الثاني من المدونة وهي قوله: وإن أسلمت إلى رجل في مد 11 حنطة إلى أجل، فلما حل الأجل قلت له: كِلْهُ 12 في غرائرك أو في ناحية بيتك أو في غرائر دفعتها إليه، فقال بعد ذلك: قد كِلْته وضاع عندي.
قال مالك: لا يعجبني هذا.
ابن القاسم: وأنا أراه ضامنا للطعام 13 إلا أن تقوم له بينة على كيله أو تصدقه أنت في الكيل، فيقبل قوله في الضياع، لأنه لما اكتاله صرت أنت قابضًا له 14.
قوله: (وَإِنْ أَشْرَكَهُ حُمِلَ إِنْ 15 أَطْلَقَ عَلَى النِّصْفِ) يريد أن المبتاع إذا أشرك غيره تارة يقول له: أشركتك بالنصف، وتارة يقول له: أشركتك فقط، وهو مراده بالإطلاق، ولا كلام في التنصيف 16 على الوجه الأول، وهو مفهوم من قوله، وأما الوجه الثاني فنص في الجواهر على أنه يحمل أيضا على النصف وهو المنصوص لابن القاسم 17.
قوله: (وَإِنْ سَأَلَ ثَالِثٌ شَرِكَتَهُما، فَلهُ الثُّلُثُ) أي فإن سأل المبتاع ثالث 18 أن يشركه معهما 19 أيضا ففعل، كان له الثلث، لأن الأصل مع الإطلاق التساوي.
قلت: وهو واضح إن أشركهما معًا، وأما إذا أشركهما 20 واحدًا بعد واحد؛ فينبغي أن يختص الأول بالنصف، والثاني بالربع؛ لأن الأول استحق النصف لما 21 أشركه،
الجزء: 3 - الصفحة: 653
وبقي النصف الآخر بيده فلما أشرك الثاني دخل معه في النصف 22؛ فيقسم بينهما نصفين وهذا كله عند الإطلاق، وأما مع التنصيص فلا يعدل عن الجزء المسمى.
قوله: (وَإِنْ وَلَّيْتَ مَا اشْتَريتَ جَازَ، إِنْ لَمْ تُلْزِمْهُ، ولَهُ الخيَارُ) يريد أنك إذا ابتعت شيئًا ثم وليته لآخر بما اشتريته به من الثمن، فإن ذلك جائز، وقاله في المدونة: بشرط 23 أن يكون على غير الإلزام وله الخيار إذا رأى السلعة وعلم الثمن.
قال في المدونة: كان الثمن عينا أو طعامًا، أو حيوانًا أو عرضًا وعليه مثل صفة العرض بعينه أو الحيوان ونحوه، فلو كان على الإلزام امتنع له 24، لأنه مخاطرة ومقامرة 25.
قوله: (وإِنْ رَضِيَ بِأَنَّهُ عَبد ثُمَّ عَلِمَ بِالثَّمَنِ فكَرِهَه، فَذَلِكَ لَهُ) يريد أن المولى ونحوه إذا أخبره المبتاع أن الثمن عبد فرضي ثم علم بأن الثمن غيره فكره ذلك فإن له ذلك.
قوله: (والأَضْيفُ صَرْفٌ، ثُمَّ إِقَالَةُ طَعَام، ثُمَّ تَوْلِيَةٌ، وشَرِكَة فِيهِ، ثُمَّ إِقَالَةُ عُرُوضٍ، وفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدِّيْنِ 26، ثُمَّ بَيْعُ الدَّيْنِ، ثمَّ ابْتِدَاؤُهُ) يريد أن أضيق الأبواب في منع التأخير الصرف، ثم الإقالة في الطعام إلى آخر ما ذكر، وقاله ابن محرز 27.
وقال محمد: في بيع الدين لا بأس أن يتأخر ثمنه 28 اليوم واليومين 29 والثلاث 30. اللخمي: والمعروف أن الإقالة أوسع من الصرف، والتولية وبيع الدين أوسع من الإقالة، لأنه يجوز 31 تأخير الإقالة يومين وثلاثة بشرطٍ بغير خلاف، واختلف هل يجوز مثل ذلك في التولية وبيع الدين أو لا، واختلف في الإقالة 32 إذا
الجزء: 3 - الصفحة: 654
وقع التأخير (1) فيها بغير شرط على ثلاثة أقوال: ومذهب المدونة المنع (2). وفرق أشهب بين أهل العينة فتفسخ الإقالة، وبين غيرهم فيلح عليه حتى يأخذ (3).
فصل [في بيع المرابحة]
(المتن)
فَصْلٌ وَجَازَ مُرَابَحَةٌ، وَالأَحَبُّ خِلافُهُ وَلَوْ عَلَى مُقَوَّمٍ.
وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إِنْ كَانَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي؟ تَأْوِيلانِ.
وَحُسِبَ رِبْحُ مَا لَهُ عَينٌ قَائِمَةٌ.
كَصَبْغٍ، وَطَرْزٍ، وَقَصْرٍ، وَخِيَاطَةٍ، وَكَمْدٍ، وَفَتْلٍ، وَتَطْرِيَةٍ، وَأَصْلُ مَا زَادَ على الثَّمَنِ: كَحُمُولَةٍ وَشَدٍّ، وَطَيٍّ اعْتِيدَ أُجْرَتُهُمَا، وَكِرَاءِ بَيتٍ لِسِلْعَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يُحْسَبْ، كَسِمْسَارٍ لَمْ يُعْتَدْ، إِنْ بَيَّنَ الْجَمِيعَ، أَوْ فَسَّرَ الْمَؤُونَةَ فَقَالَ: هِيَ بِمِائَةٍ أَصْلُهَا كَذَا وَحَمْلُهَا كَذَا، أَوْ عَلَى الْمُرَابَحَةِ وَبَيَّنَ كَرِبْحِ الْعَشَرَةِ، أَوْ أَحَدَ عَشَرَ وَلَمْ يُفَصِّلا مَا لَهُ الرِّبْحُ، وَزِيدَ عُشْرُ الأَصْلِ، وَالْوَضِيعَةُ كَذَلِكَ لا أَبْهَمَ: كَقَامَتْ بِكَذَا، أَوْ قَامَتْ بِشَدِّهَا وَطَيِّهَا بِكَذَا وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَهَلْ هُوَ كَذِبٌ أَوْ غِشٌّ؟ تَأْوِيلانِ.