قوله: (وضَمِنَ بَائِعٌ مَكِيلًا لِقَبْضِهِ بِكَيلٍ 2 كَمَوْزُونٍ ومَعْدُودٍ) يريد أن كل ما فيه حق توفية، فإن البائع يضمنه إلى حين يقبضه المبتاع، وقبضه إذا كان مما يكال بالكيل وإن كان مما يوزن أو يعد فبوزنه أو عدده.
قوله: (والأُجْرَةُ عَلَيْهِ) أي على البائع يريد: أجرة الكيل والوزن والعدد، وقيل: هي على المشتري والقولان في الموازية 3. ابن شعبان: وأجرة الكيل والوزن والعدد في المبيع على البائع، وفي الثمن على المشتري.
عياض 4: وهو وفاق 5 للأول إذ كل واحد منهما بائع شيئه من صاحبه 6، وهو الأقرب 7.
قوله: (بِخِلافِ التَوْليَةِ والشَّرِكَةِ والإِقَالَةِ عَلَى الأَرْجَحِ) 8 يريد أن المبتاع إذا ولى السلعة 9 لغيره أو أشركه معه فيه أو تقايل المتبايعان في ذلك فإن أجرة الكيل ونحوه ليست على الذي ولى أو أشرك أو أقال كالقرض بجامع المعروف، وقيل: إن الأجرة1
الجزء: 3 - الصفحة: 641
عليه.
ابن يونس: والأول أبين.
وإليه أشار بقوله: (على الأَرْجَحِ) والقولان للقرويين.
وظاهر قوله: (فكَالْقَرْضِ) أنه متفق عليه وهو ظاهر.
قوله: (ولَوْ تَوَلاهُ الْمُشْتَرِي) هو راجع إلى قوله: (وضمن 10 بائع مكيلًا لقبضه)، والمعنى أن ضمان ما فيه حق توفية من البائع، حتى يقبضه المبتاع 11 ويصير في أوعيته ولو كان هو المتولي لكيله أو وزنه أو عدده.
واختلف إذا سقط المكيال قبل وصوله إلى غرائر 12، فهلك ما فيه فهل مصيبته من البائع وهو قول مالك، وابن القاسم، أو من المشتري 13 وهو قول سحنون 14 انظر الكبير.
قوله: (وقَبْضُ الْعَقَارِ بِالتَّخْلِيَةِ) أي: يخلي 15 البائع بين المشتري وبينه ويمكنه من التصرف فيه بدء المفاتيح.
قوله: (وغَيْرِهِ بِالعُرْفِ) أي: وقبض غير ما تقدم من المثلي والعقار بالعرف؛ أي: ما يعد العرف قبضًا كاختيار الثوب وتسليم مفود الدابة ونحو ذلك.
قوله: (وضُمِنَ بِالْعَقْدِ) يريد العقد الصحيح إلا ما يستثنيه بعد هذا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الخراج بالضمان" ولا يضمن ذلك المبتاع في البيع الفاسد إلا بالقبض عند ابن القاسم، وعند أشهب به أو بالتمكين أو بنقد الثمن، وعند سحنون يضمنه بعد العقد ضمان الرهان 16.
قوله: (إلا الْمَحْبُوسَةَ في الثَّمَنِ أَوِ الإشْهَاد، فكَالرَّهْنِ) لما ذكر أن المبيع يضمنه المبتاع بنفس العقد أخرج بذلك خمس مسائل: المحبوسة للثمن، والمحبوسة للإشهاد، والمبيع الغائب، والأمة المواضعة، والثمار.
فأشار إلى الأولى والثانية بما ذكر هنا، ومعنى المحبوسة للثمن: أن يبيع الشخص السلعة ثم يحبسها في يده حتى يقبض ثمنها،
الجزء: 3 - الصفحة: 642
والمشهور من قول ابن القاسم 17 أنها تضمن كالرهن، فيفرق بين ما يغاب عليه فيضمنه البائع وبين غيره فلا يضمنه، وعن مالك: أن ضمانها من البائع، وعنه أنه من المبتاع 18، وقيل: إن كان المبتاع موسرًا من أهل البلد فمن البائع، وإلا فمن المبتاع.
بعض المتأخرين: وضمان المحبوسة للإشهاد من البائع؛ أي: إن كانت مما يغيب عليه كالرهن.
وأما المبيع الغائب فلا ينتقل عن ضمان البائع إلا بالقبض ولهذا قال: (وإلا الْغَائِبَ فَبِالْقَبْضِ) أي: فإذا قبضه المبتاع دخل في ضمانه.
وأشار إلى مسألة الأمة المواضعة 19 بقوله: (وإلا الموَاضَعَةَ فَبِخُرُوجِهَا مِنَ الْحَيْضَةِ) أي: فلا تزال في ضمان البائع حتى تخرج من الحيضة، فحينئذٍ يضمنها المبتاع.
وقال الباجي: ينتهي الضمان في حق بائعها إلى رؤية الدم؛ لأن ابن القاسم أجاز للمبتاع الاستمتاع بها 20 برؤية الدم 21.
وأما مسألة الثمار فأشار إليها بقوله: (وإلا الثَّمَارَ لِلْجَائِحَةِ) ينتهي الضمان في حق بائعها بطيبها وبلوغها حدًّا تأمن معه من الجائحة فإذا بلغت ضمنها المبتاع حينئذٍ.
قوله: (وبُدئَ الْمُشْتَرِي لِلتَّنَازُعِ) يريد أن المتبايعين إذا تنازعا في التبدئة فقال البائع: لا أسلم السلعة 22 حتى أقبض الثمن.
وقال الأخر لا أسلم الثمن حتى أقبض السلعة 23؛ فإن المشتري يجبر 24 على التبدئة بدفع الثمن؛ وهو ظاهر 25 قوله في كتاب البيوع 26 ومن اشترى عبدًا فللبائع أن يمنعه من القبض حتى يدفع إليه الثمن، وفي هبة الثواب، قال: للواهب منعها حتى يقبض العوض كالبيع.
وقال المازري: لا أعلم
الجزء: 3 - الصفحة: 643
فيها نصًّا لمالك ولا للمتقدمين، ثم صحح أن يخرج كل من المتبايعين ما عنده ويمد يده لصاحبه؛ فإن تعذر هذا انتقلا إلى القرعة.
وقال ابن القصار: والذي يقوى في نفسي جبر المشتري أو إعراض الحاكم عنهما، ومن تطوع أجبر له الآخر.
قال: وأن يجبر المبتاع أقوى، وخرج الشيخ عبد الحميد قولًا: بتبدئة البائع من قوله في كتاب (1) "الأكرية" بدء صاحب الدابة بالدفع؛ فكل ما مضى أخذ حصته من الكراء، وقال القاضي إسماعيل: يدفع الثمن والمثمون لرجل فيدفع لكل واحد منهما ما يستحقه (2).
قوله: (والتَّلَفُ وَقْتَ ضَمانِ الْبَائِعِ بِسَمَاوِي يَفْسَخُ) أي البيع وتصويره ظاهر.
وكلامه يشمل (3) المحبوسة للثمن، أو للشهادة (4)، وما فيه حق توفية، والثمرة المشتراة بعد بدو الصلاح، والمواضعة، وغير ذلك (5).
(المتن)
وَخُيِّرَ الْمُشْتَرِي إِنْ غيِّبَ أَوْ عيَّبَ أَوِ اسْتُحِقَّ شَائِعٌ وَإنْ قَل، وَتَلَفُ بَعْضِهِ أَوِ اسْتِحْقَاقُهُ: كَعَيبٍ بِهِ، وَحَرُمَ التَّمَسُّكُ بِالأَقَلِّ إِلَّا الْمِثلِي، وَلا كَلامَ لِوَاجِدٍ فِي قَلِيلٍ لا يَنْفَكُّ، كقَاعٍ، وَاِنِ انْفَكَّ فَلِلْبَائِعِ إلْزَامُ الرُّبُعِ بِحِصَّتِهِ من الثمن، لا أَكثَرَ.
وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الْتِزَامُهُ بِحِصَّتِهِ مُطْلَقًا، وَرُجِعَ لِلْقِيمَةِ لا لِلتَّسْمِيَةِ، وَصَحَّ وَلَوْ سَكَتَا، لا إِنْ شَرَطَا الرُّجُوعَ لَهَا، وَإِتْلافُ الْمُشْتَرِي: قَبْضٌ، وَالْبَائِعِ وَالأجْنَبِيِّ: يُوجِبُ الْغُرْمَ، وَكَذَلِكَ تعييبه.