قوله: (وقَطْعِ مُعْتَادٍ) أي كما إذا اشترى خرقة فقطعها قميصًا أو لباسًا 3 ونحوهما، أما لو قطعها برنسًا ونحوه مما ليس بمعتاد، فإن ذلك فوت كما سيذكره.
قوله: (والْمُخْرِجُ عَنِ الْمَقْصُودِ مُفِيتٌ فَالأَرْشُ) أي فإن كان العيب الذي حدث في المبيع عند المبتاع مخرجا عن المقصود فإنه يكون مفيتًا لرده على البائع لكن يرجع عليه بأرش العيب القديم، ثم أخذ يذكر أمثلة ذلك فقال: (كَكِبَرِ صَغِيرٍ وهَرَمٍ) أي كما إن اشترى صغيرًا وكبر عنده، أو كبيرًا فهرم عنده، ثم أطلع بعد ذلك على عيب قديم، فإن ذلك مفيت يمنع من رده ويوجب الرجوع بقيمة العيب 4، وإن كره البائع.
وقاله في المدونة 5 ونحوه في كتاب محمد 6.12
الجزء: 3 - الصفحة: 626
وفيه أيضا أن كبر الصغير مما يخير فيه المشتري بين الرد ودفع قيمة الحادث، وبين التماسك وأخذ 7 أرش القديم، وروى في المدونة أنه بذلك يصير نوعًا آخر 8، وجعل ابن شاس الهرم مما يخير فيه المشتري على المشهور 9.
وحكى عن 10 ابن مسلمة أنه مفيت كمذهب المدونة، وحكى ابن الحاجب ثالثًا: أنه لا شيء على المشتري إذا رده 11.
الأبهري: والهرم عند مالك: هو الذي ضعف وذهبت قوته ومنفعته أو أكثرهما 12.
وقال عبد الوهاب: إذا هرم هرمًا لا منفعة فيه فإنه فوت 13.
الباجي: والصحيح عندي أنه إذا ضعف عن المنفعة المقصودة ولم يمكنه الإتيان بها فإن ذلك فوت 14.
قوله: (أو افْتِضَاضِ بِكْرٍ، أو قَطْعٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ) لم أر هذا 15 كما قال وإنما جعل صاحب الجواهر افتضاض البكر من المتوسط الذي يخير فيه المبتاع 16، وهو ظاهر ما في التوضيح عن مالك 17، ولا إشكال فيما ذكر من القطع غير المعتاد، وقد تقدم التنبيه عليه.
قوله: (إِلا أَنْ يَهْلِكَ بِعَيْبِ التَّدْليسِ) لما ذكر أن المخرج عن المقصود مفيت للرد نبه على أن ذلك فيما إذا لم يكن للبائع تسبب فيه، فأما لو كان له فيه سبب، مثل أن يدلس بعيب فيهلك المبيع بسببه ونحوه، فإن المبتاع يرجع عليه بجميع الثمن، ولا شيء عليه
الجزء: 3 - الصفحة: 627
بسبب ما حدث عنده.
قوله: (أَوْ بِسَماوِيٍّ زمنه كموته في إباقه 18 يريد: ومثل ذلك ما إذا هلكت بأمر من الله في زمن عيب التدليس.
كما إذا دلس بإباق العبد، فيموت في إباقه وهو المشهور.
ابن رشد: قال ابن حبيب: وبه قال جميع أصحاب مالك.
وقال ابن دينار يرجع بالأرش فقط بخلاف هلاكه بسبب 19 الإباق؛ مثل أن يقتحم نهرًا فيموت، أو تردى فمات، أو دخل موضعًا فنهشته حية فمات 20.
قوله: (وَإِنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي، وهَلَكَ بِعَيْبِهِ رَجَعَ عَلَى الْمُدَلِّسِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ 21 رُجُوعُهُ عَلَى بَائِعِهِ بِجَمِيعِ الثمَنِ، فَإِنْ زَادَ فَلِلثانِي، وَإِنْ نَقَصَ فَهَلْ يُكَمِّلُهُ الثَّانِي؟ قَوْلانِ) أي فإن باع المشتري ما اشتراه من مدلس لثالث ولم يدلس 22 عليه، فهلك بسبب عيب التدليس؛ فإن الثالث يرجع على المدلس بالثمن الذي دفعه للثاني إن لم يمكنه الرجوع على الثاني لعدمه ونحوه، فإن كان الثمن الذي بيد المدلس مقدار ما خرج عن يد الثالث فلا كلام.
وإن كان أكثر أخذ الثالث منه مقدار ثمنه وأخذ الثاني بقيته، وقيل: إن الثالث يأخذ جميعه وإن زاد على ما دفع، وعزاه في الجواهر لابن القاسم، وهو بعيد، واختلف إذا كان الثمن الذي بيد المدلس أقل مما خرج من يد الثالث فهل يكمله الثاني له أو ليس له غيره؟ والأول حكاه المازري 23 وابن شاس 24، والثاني حكاه صاحب النوادر 25 وابن يونس، قال: إلا أن يكون الثمن الأول أقل من قيمة العيب 26 من الثمن
الجزء: 3 - الصفحة: 628
الثاني 27 فليرجع على بائعه بتمام قيمة عيبه وقال سحنون: إذا دفع المدلس الثمن للثالث 28 في عدم الثاني فلم يكن فيه مثل 29 رأس ماله، فإنه يرجع على الثاني بالأقل من تمام ثمنه، أو قيمة العيب من ثمنه 30.
وروى أصبغ: يأخذ الثمن من الأول فيدفع منه للثالث قيمة العيب الذي يستحقه على الثاني لو انفرد به وسلم بقيمته للثاني، وقال محمد: يرجع الثالث إما على الثاني بأرش عيب التدليس ويكون للثاني على الأول الأقل من الأرش أو كمال الثمن 31، وحمله ابن يونس على معنى أنه لا يغرم للثالث إلا ما كان يرجع به على الثاني لو غرم الثاني 32 للثالث قيمة العيب وهو الأقل من قيمة العيب من ثمن الثالث.
أو ثمن الثاني أو تمام رأس ثمن الثاني.
قال: وهو الذي أراد محمد.
قوله: (ولَمْ يُحَلَّفْ مُشْتَرٍ ادُّعيَتْ رُؤْيَتُهُ إِلا بِدَعْوَى الإِرَاءَةِ، ولا الرَّضَا بِهِ إِلا بِدَعْوَى مُخْبِرٍ) يريد أن من اشترى شيئًا فوجد به عيبًا دلس به البائع عليه فأراد رده فقال البائع احلف أنك لم ترض بالعيب بعد أن رأيته.
فلا يمين له عليه إلا أن يدعي أنه أراه إياه.
أو يدعي أن مخبرًا أخبره أنه عرف به ورضيه، وقاله في المدونة 33 والواضحة.
ابن أبي زمنين: ويحلف أولًا لقد أخبره مخبر 34، وزاد بعض الشيوخ مخبر صدق، وقال أشهب لا يحلف ولو ادعى إخبار مخبر حتى يدعي أنه تبرأ منه إليه فرضيه 35، وصوبه اللخمي 36.
قوله: (ولا بَائِعٌ أَنَّهُ لَمْ يَأبقْ لإِبَّاقِهِ بِالْقُرْبِ) أي وكذا لا يحلف بائع إلى آخره؛ وهذه
الجزء: 3 - الصفحة: 629
أيضًا مسألة المدونة قال فيها: ومن ابتاع عبدًا فأبق بقرب البيع، فقال البائع 37: أخشى أنه لم يأبق إلا وقد أبق عندك إباقًا؛ فاحلف لي.
فلا يمين عليه.
ابن القاسم: وما جهل أمره فهو على السلامة حتى تقوم بينة 38، وقال أشهب: لا يحلف أصلًا.
وقال محمد: يحلف إذا ظهر العيب وإلا رد عليه وليس عليه 39 يمين في عيب لم يظهر 40، والمسألة على خمسة أوجه، فإن قال: يمكن أن يكون قد أبق عندك، أو سرق.
ولم يحصل ذلك عنده فلا يمين عليه، وإن قال: علمت أنه فعل ذلك عندك، لزمه اليمين، وإن قال: أخبرت بذلك أو قد فعل ذلك عندي فاحلف 41 أنه لم يفعل ذلك عندك، أو يعلم أنه فعل ذلك عند المشتري ففي يمينه وعدمه خلاف، قاله 42 اللخمي 43.
قوله: (وهَلْ يُفْرقُ بَيْنَ أَكْثَرِ الْعَيْب فيَرْجعُ بِالزَّائِدِ وأقلِّهِ 44 بِالجْمِيعِ، أَوْ بِالزائِدِ مُطْلَقًا أَوْ بَيْنَ هَلاكِهِ فِيما بَيَّنهُ أَوْ لا؟ أَقْوَالٌ) يريد أن البائع إذا ذكر بعض العيب للمبتاع، وكتم عنه بقيته مثل أن يكون العبد قد أبق عنده سنة، فيقول أبق 45 شهرًا أو نحوه، فيهلك بعيب التدليس أو نحو ذلك من العيوب التي يكتم بعضها.
فاختلف هل يفرق بين أن يكون بين له الأكثر العيب، فيرجع المبتاع بقيمة الزائد الذي كتمه وبجميع الثمن إن بين له الأقل، أو يرجع بقيمة الزائد مطلقًا؛ سواء بين الأكثر أو الأقل، أو إن هلك في المقدار الذي بينه فيرجع بقيمة العيب فقط، وإن هلك بعده رجع بجميع الثمن ولا يراعى هل بين له الأكثر أو الأقل 46، وإلى هذا ذهب أبو بكر بن عبد الرحمن 47. وحكى ابن يونس القولين
الجزء: 3 - الصفحة: 630
الأولين أيضًا عن غيره.
(المتن)
وَرُدَّ بَعْضُ الْمَبِيعِ بِحِصَّتِهِ وَرُجِعَ بِالْقِيمَةِ، إِنْ كَانَ الثَّمَنُ سِلْعَةً، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الأَكْثَرَ، أَوْ أَحَدَ مُزْدَوَجَيْنِ، أَوْ أمًّا وَوَلَدَهَا، وَلا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِأَقَلَّ اسْتُحِقَّ أَكْثَرُهُ، وَإِنْ كَانَ دِرْهَمَانِ وَسِلْعَةٌ تُسَاوِي عَشَرَةً بِثَوْبٍ فَاسْتُحِقَّتِ السِّلْعَةُ وَفَاتَ الثَّوْبُ: فَلَهُ قِيمَةُ الثوْبِ بِكَمَالِهِ، وَرَدُّ الدَرْهَمَيْن، وَرَدَّ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ وَعَلَى أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ.
وَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ فِي الْعَيْبِ أَوْ قِدَمِهِ، إِلَّا بِشَهَادَةِ عَادَةٍ لِلْمُشْتَرِي.