قوله: (ويلزم بانقضائه) يحتمل أن يكون فاعل (يلزم) هو البيع أو العقد المفهوم من السياق، ويكون مختصًا بما إذا كان الخيار للمشتري، ويكون الضمير في (انقضائه) يعود على أمد الخيار، ويحتمل أن يكون فاعله ضميرًا عائدًا على الخيار.
والمعنى أن الخيار إذا كان للمبتاع وأمسك السلعة حتى انقضى الأجل فإن ذلك يعد اختيارا للإمضاء، وإن كان ذلك للبائع عد ذلك منه اختيارًا للرد، ويلزم كل واحد منهما مقتضى اختياره.
قوله: (ورد في كالغد) يريد أن الخيار إذا كان للمشتري فلم يختر حتى صار إلى الغد بعد انقضاء أيام الخيار فإن له الرد، وقاله في المدونة 3، وهو المشهور، ولأشهب وابن الماجشون أن الخيار ينقطع بغروب الشمس من آخر أيام الخيار 4.
قوله: (وبشرط نقد) هو معطوف على قوله: (وفسد بشرط كذا) أي: وكذا يفسد البيع إذا انعقد على خيار واشترط فيه نقد الثمن لغير ورثة 5 تارة بيعًا وتارة سلفًا، أما مع التطوع فلا مانع.
قوله: (كغائب) أي كبيع غائب، والمعنى: أن من باع شيئا غائبًا واشترط في العقد نقد الثمن فإن البيع يفسد، وظاهره سواء كان عقارًا أو غيره قريبا أو بعيدا، وليس كذلك، فإن العقار يجوز فيه الاشتراط ولو بعد، وإن غيره إن كان قريبًا كاليوم واليومين12
الجزء: 3 - الصفحة: 583
جاز ذلك فيه ولو كان حيوانًا، وهذا مذهب ابن القاسم 6، ولابن عبد الحكم المنع في الحيوان، ولأشهب المنع فيما بعد، ولو عقارًا 7، ولعل كلامه هنا محمول على ما بعد من غير العقار ليوافق قول ابن القاسم.
قوله: (وعهدة ثلاث) أي وكذلك يفسد البيع إذا ابتاع 8 عبدًا أو أمة على عهدة الثلاث واشترط انتقاد الثمن، وسيأتي بيان عهدة الثلاث.
قوله: (ومواضعة): يريد أن البيع يفسد أيضًا إذا باعه الأمة 9 المواضعة واشترط النقد؛ لأن الأمة المواضعة 10 هي التي توضع تحت يد أمين أو أمينة إلى أن تخرج من الاستبراء، فقد تخرج حاملًا فيكون ما نقد المشتري سلفًا، وقد تحيض فيكون ثمنًا؛ وذلك مما يفسد البيع.
قوله: (وأرض لم يؤمن ريها) أي إذا أكرا ها قبل الري 11، واشترط انتقاد الكراء، وظاهره أن التطوع بذلك جائز، ونص ابن الفاكهاني في شرح الرسالة على خلافه.
قوله: (وجعل وإجارة بجزء زرع وأجير تأخر شهر) أي وكذا يفسد الجعل إذا اشترط المجعول له انتقاد الجعل، وكذلك إذا آجره بجزء من زرع.
ومثله: اشتراط النقد في الأرض إذا بيعت على المزارعة، لأن فيها حق توفية، وكذا إذا اشترط في الأجير المعين أو الدابة المعينة قبض منفعتها بعد شهر أو شهرين 12 ونحو ذلك.
قوله: (ومنع وإن بلا شرط في مواضعة وغائب وكراء ضمن وسلم بخيار) يريد أن هذه المسائل الأربع يمتنع النقد فيها ولو تطوع به إذا كان البيع فيها على خيار.
عبد الحق في النكت: اعلم أن الأمة إذا بيعت على خيار 13، وفيها مواضعة لا يجوز التطوع
الجزء: 3 - الصفحة: 584
فيها بالنقد في أيام الخيار؛ لأنه يؤول إلى فسخ الدين في الدين؛ لأن الثمن دين على البائع.
فإذا تم البيع بانقضاء مدة الخيار صار المشتري قد اعتاض 14 من ذلك الذي 15 نقده دينا على البائع، وكذاها بيع الغائب على خيار وسلم 16، ونص غير واحد على مسألة الكراء المضمون، وضابط هذا الباب أن كل ما يتأخر قبضه بعد أيام الخيار لا يجوز النقد فيه مطلقًا.
قوله: (واستبد بائع أو مشتر على مشورة غيره لا خياره ورضاه): يريد أن من ابتاع سلعة أو باعها على مشورة غيره، ثم أراد إبرام ذلك فإن له ذلك دون مشورة ذلك الغير.
وهذا بخلاف ما إذا باع أو اشترى على خيار غيره أو رضاه فإنه لا يستبد دونه، ولا خلاف منصوص أن لمشترط 17 المشورة تركها إلا ما تأوله التونسي على المدونة 18 أنها كالخيار 19.
عياض: وهو غير صحيح.
انظر الكبير 20. وعن ابن نافع أن المشورة كالخيار والرضا، والذي ذكره الشيخ هو تأويل جماعة على المدونة قال فيها: وإذا اشترى على رضا فلان أو خياره 21، فليس له رد ولا إجازة 22 دون من اشترط رضاه، وقال في البائع: إذا اشترط رضا فلان، فرضي فلان 23، أو رضي البائع فإن البيع جائز 24؛ فمن الأشياخ من قال أن كلامه في البائع يرد إلى كلامه في المشتري، وأن البائع ليس له المخالفة كما قال في المشتري، وأن معنى قوله: أو رضي البائع أي مع رضي
الجزء: 3 - الصفحة: 585
الآخر، ومنهم من قال: إن "أو" بمعنى "الواو"، ومنهم من قال: إن جوابه في مسألة البائع أولى لكونه اشترطه لنفسه (1) فقط، وإن جوا به في المشتري أحرى أن يكون الشرط لهما (2) جميعًا.
ونحوه لأبي محمد وغيره، وتأولها أيضًا أبو محمد وغيره على ظاهرها، وأن البائع له المخالفة لقوة يده بخلاف المشتري، وإلى هذا التأويل أشار بقوله: (وتؤولت أيضًا على نفيه في مشتر)؛ أي وتؤولت المدونة على ننهي الاستبداد في تعليق الشراء على خيار غيره أو رضاه، وفهم التأويل الأول من قوله: أيضًا، وكأنه قال: لا خياره ورضاه؛ وهو تأويل على المدونة، وتؤولت أيضًا على نفيه في مشتر، وتأويل أبي محمد أظهر.
وتأولها بعضهم على الفرق بين الرضا والخيار وأن له الاستبداد إذا اشترى أو باع على رضا غيره، وليس له ذلك إذا اشترى أو باع على خياره، وإلى هذا التأويل أشار بقوله: (وعلى نفيه في الخيار فقط).
أي: وتؤولت أيضا المدونة على نفي الاستبداد في الخيار دون الرضا وغيره.
ثم أشار بقوله: (وعلى أنه كالوكيل فيهما) إلى أن المدونة تؤولت أيضًا على أن من له الرضا كالوكيل للبائع والمشتري، وإليه نحا جماعة.
قالوا: فإن سبق المشتري أو البائع بالرضا فلهما ذلك، وإن سبق من جعل له ذلك مضى فعله كالوكيل مع موكله.
ونحوه في كتاب محمد، وهو اختيار ابن محرز (3).
(المتن)
وَرَضِيَ مُشْتَرٍ كَاتَبَ، وَزَوَّجِ وَلَوْ عَبْدًا، أَوْ قَصَدَ تَلَذُّذًا، أَوْ رَهَنَ، أَوْ آجَرَ، أَوْ أَسْلَمَ لِلصَّنْعَةِ، أَوْ تَسَوَّقَ، أوْ جَنَى إِنْ تَعَمَّدَ، أَوْ نَظَرَ الْفَوْجَ، أَوْ عَرَّبَ دَابَّةً، أَوْ وَدَّجَهَا، لَا إِنْ جَرَّدَ جَارِيَةً، وَهُوَ رَدٌّ مِنَ الْبَائِعِ؛ إِلَّا الإِجَارَةَ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَوْ رَدَّ بَعْدَهُ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَا يَبِعْ مُشْتَرٍ، فَإِنْ فَعَلَ، فَهَلْ يُصَدَّقُ أَنَّهُ اخْتَارَ بِيَمِينٍ، أَوْ لِرَبِّهَا نَقْضُهُ؟ قَوْلَانِ.
وَانْتَقَلَ لِسَيِّدِ مُكَاتَبٍ عَجَزَ، وَلِغَرِيمٍ أَحَاطَ دَيْنُهُ،