قوله: (وَإِنْ بَاعَ مُقَوَّمًا فَمِثْلُهُ كَغَيْرِهِ) أي: فإن كانت السلعة من المقومات كالعروض والحيوان وما أشبههما مما يعرف بعينه، فإن مثلها كمخالفها، فإذا باع عرضًا بعشرة 1 مثلًا إلى شهر ثم اشترى منه عرضًا مثل الأول بأقل نقدًا، فإن ذلك جائز؛ كما لو اشترى ما يخالفه في الجنس، وهذا مذهب المدونة وهو الأصح، وقال سحنون وابن المواز وغيرهما: المثل ليس كالمخالف بل كالعين فهو كما لو اشترى منه تلك السلعة 2 بنفسها 3. قوله: (كَتَغَيُّرِهَا كَثِيرًا) يريد: أن تغير السلعة كثيرًا يصيرها كغيرها، فإذا باع دابة بعشرة إلى سنة 4 مثلًا، ثم ركبها إلى مثل الحج، وبعيد السفر، ثم أتى بها وقد تغيرت ونقصها ذلك فإنه يجوز له شراؤها بتسعة فأقل، هكذا روى ابن القاسم في المدونة، وروى أشهب منعه، وبه أخذ سحنون، وكذا إذا حصل بها عور أو عرج أو قطع حتى يعلم أنهما لم يعمدا إلى 5 فسخ فلا يصح هذا، ولا يؤمن 6 عليه أحد 7. قوله: (وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَيْن لأَبْعَدَ مُطْلَقًا أَوْ أَقَلَّ نَقْدًا امْتَنَعَ) أي: فإن باع ثوبين بعشرة مثلًا إلى شهر، ثم اشترى منه 8 أحدهما إلى أبعد من الأجل الأول 9 امتنع مطلقًا، أي: يريد: سواء كان الثمن الثاني مساويًا للأول 10 أو أقل أو أكثر منه، وقوله:
الجزء: 3 - الصفحة: 568
أو أقل نقدًا امتنع.
أي 11: وكذا يمتنع إذا باعه له بأقل نقدًا، يريد: أو إلى 12 دون الأجل.
قوله: (لا بِمِثْلِهِ أو أكثر) 13 أي: بمثل الثمن الأول أو أكثر منه، يريد: نقدًا لانتفاء التهمة في ذلك، وروى عبد الملك المنع فيمن باع ثوبًا بعشرة إلى شهر، ثم اشتراه بثوب وعشرة لمآله إلى البيع والسلف، لأنه قد صار الثوب المردود عوضًا عن الثوب المدفوع، والعشرة سلفًا بعشرة 14، وألزم التونسي المنع منها في مسألة الكتاب إذا اشتراه بأكثر 15.
الشيخ: 16 لأن البائع خرج من يده ثوب وهو الباقي بيد المبتاع ورجع إليه ثوب عوضه وهو الذي كان خرج من يده أولًا، وهذا بيع، وخرج من يده عشرة نقدًا فيأخذ عنها عشرة بعد شهر، وهذا سلف، ويتصور في مسألة الكتاب الصور الاثنتي عشرة، لأنه إذا باع ثوبين بعشرة ثم اشترى أحدهما، فإما أن يشتريه بمثل الثمن الأول أو أقل (أَوْ أَكْثَرَ) وهو إما نقدًا أو إلى الأجل 17 دون الأجل الأول، أو إلى الأجل نفسه أو إلى أبعد منه، وأحكامها واضحة مما سبق 18.
قوله: (وَامْتَنَعَ بِغَيْرِ صِنْفِ ثَمَنِهِ، إِلا أَنْ يَكْثُرَ الْمُعَجِّلُ) أي: فلو اشترى البائع من المبتاع أحد الثوبين بغير صنف الثمن الأول كالذهب مع الفضة، والمحمدي مع اليزيدي فإن ذلك يمتنع لأنه رجع إليه أحد ثوبيه، وخرج منه ثوب وذهب.
قوله 19: (يأخذ فيه عند الأجل فضة) ونحو ذلك سواء كان الثمن الثاني أقل أو مساويًا نقدًا أو إلى أجل أقل من الأجل الأول، أو إليه نفسه أو أبعد منه، ونقل بعضهم
الجزء: 3 - الصفحة: 569
عدم الخلاف في ذلك، ولما كان كلامه شاملًا لما إذا كان الثاني أكثر ولو نقدًا أخرجه بقوله: (إِلا أَنْ يَكْثُرَ الْمُعَجَّلُ) أي: فيجوز، ونص عليه اللخمي، وحكى ابن بشير المنع كالتي قبلها 20.
قوله: (وَلَوْ بَاعَهُ بِعَشَرَةِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مَعَ سِلْعَةٍ نَقْدًا مُطْلَقًا، أَوْ لأَبْعَدَ بِأَكْثَرَ أَوْ بِخَمْسَةٍ وَسِلْعَةٍ امْتَنَعَ) الضمير في (باعه) راجع إلى (الثوب)، وقوله: (مطلقًا) 21: أي: سواء كان الثمن الثاني مساويًا للأول أو أقل أو أكثر، فإذا باعه بعشرة لأجل ثم اشتراه مع سلعة نقدًا امتنع مطلقًا، وكذا إذا باعه بثمن إلى أجل، ثم اشتراه مع سلعة فأكثر من الثمن الأول لأبعد من ذلك الأجل؛ لأنه بيع وسلف من المشتري، ومثله أيضا ما إذا باعه بعشرة لأجل ثم اشتراه 22 بخمسة وسلعة نقدًا 23 لأنه أيضًا بيع وسلف.
قوله: (لا بِعَشَرَةٍ وَسِلْعَةٍ) أي فإن ذلك لا يمتنع وهو مذهب ابن القاسم، وهو واضح إذا كانت العشرة والسلعة نقدًا أو إلى أجل 24 دون الأجل وهو مراده هنا، وخالف عبد الملك ابنَ القاسم في ذلك، وأشار بقوله: (وبِمِثْلِ 25 إلى أن البائع إذا اشترى الثوب بمثل الثمن الأول فإنه يجوز؛ سواء 26 كان نقدًا أو إلى أجل 27 دون الأجل أو إليه أو أبعد 28.
قوله: (وَأَقَلَّ 29 لأَبْعَدَ) أي: فيجوز أيضا؛ إذ لا تهمة فيه.
قوله: (وَلَوِ اشْتَرَى بِأَقَلَّ لأَجَلِهِ ثُمَّ رَضِيَ بِالتَّعْجِيلِ فقَوْلانِ) أي: فلو وقع البيع على
الجزء: 3 - الصفحة: 570
الوجه الجائز كما إذا اشترى بثمانية إلى شهر ما باعه بعشرة إلى الشهر نفسه، ثم رضي بتعجيل الأقل قبل 30 الأجل فهل يجوز ذلك إذ لا تهمة فيه، أو يمتنع لاتهامهما؟ والقولان للمتأخرين.
ابن رشد: وكذلك الخلاف إذا اشترى بأكثر إلى أجله ثم تراضيا 31 بالتأخير 32.
قوله: (كَتَمْكِينِ بَائِعٍ مُتْلِفٍ مَا قِيمَتُهُ أَقَلّ مِنَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ الأَجَلِ) يريد: أنه اختلف في البائع إذا أتلف ما باعه على المشتري فوجب عليه قيمته وهي إذ ذاك أقل من الثمن هل يمكن من أخذ الزيادة عند الأجل لبعد التهمة وهو قوله في المجموعة أو لا يمكن إلا من مقدار ما دفع فقط إذ يتهمان على السلف بزيادة وهو قول ابن القاسم في العتبية، مثاله: أن يتعدى على شاة باعها بعشرة إلى شهر فذبحها وكانت قيمتها حينئذ ثمانية 33، ولا خلاف في تمكين المشتري من القيمة -وهي الثمانية- لينتفع بها، وإنما الخلاف في الزائد كما تقدم ولهذا قال (كَتَمْكِينِ بَائِعٍ) تنبيهًا على ذلك.
قوله: (وَإِنْ أَسْلَمَ فَرَسًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ، ثُم اسْتَرَدَّ مِثْلَهُ مَعَ خَمْسَةٍ، امتنعَ مُطْلَقًا) هذه المسألة تلقب بمسألة الفرس لفرضها في الفرس كما عند البراذعي، وتلقب أيضا بمسألة البرذون لأنها في أصل المدونة مفروضة في البرذون، ونصها 34 في كتاب الآجال من التهذيب: وإن أسلمت إليه فرسًا في عشرة أثواب إلى أجل، وأعطاك منها خمسة قبل الأجل مع الفرس أو مع سلعة سواه على إن أبرأته من الثياب لم يجز، لأنه بيع وسلف ووضيعة على تعجيل حق، ثم وجه ذلك إلى آخر المسألة 35.
قوله: (ثُمَّ اسْتَرَدَّ مِثْلَهُ) أي: أخذ عنه عوضًا فرسًا 36 مثله مع خمسة أثواب، يريد: وترك له الخمسة الباقية.
الجزء: 3 - الصفحة: 571
قوله: (مُنعَ مُطْلَقًا) أي: سواء كانت الأثواب المردودة منقودة في الحال أو إلى أجل (1) أو أبعد منه؛ لأن الأمر آل إلى أنه أسلف (2) فرسًا رد إليه مثله، والذي يعطيه معه هو زيادة لأجل السلف، وذلك ممنوع.
قوله: (كَما لَوِ اسْتَردَّهُ) أي: الفرس نفسه مع خمسة (3)، يريد: وأَبرأ ذمته من باقي الأثواب كما في المدونة؛ لأنه لو أبقى الخمسة الأثواب إلى الأجل وأخذ الفرس عوضًا عن الآخر جاز كما نبه عليه بقوله: (إِلا أَنْ يبْقي الْخَمْسَة لأَجَلِهَا) أي فيجوز (4)، وقاله ابن يونس.
ثم أشار بقوله: (لأَنَّ الْمُعَجِّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ والْمُؤَخِّر (5) مسلفٌ) (6) إلى أن علة المنع (7) في ذلك هو اجتماع البيع والسلف، قال في المدونة: ووجهه أن الذي عليه الحق عجل لك الخمسة الأثواب سلفًا منه ليقضيها من نفسه إذا حل الأجل والفرس مبيع (8) بالخمسة الباقية (9) ليجبر (10) الوضيعة (11).
(المتن)
وَإِنْ بَاعَ حِمَارًا بِعَشَرَةٍ لِأَجَلٍ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ وَدِينَارًا نَقْدًا، أَوْ مُؤَجَّلًا مُنِعَ مُطْلَقًا، إلَّا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ الأول، لِلِأَجَلِ، وَإِنْ زِيدَ غَيْرُ عَيْنٍ وَبِيعَ بِنَقْدٍ لَمْ يُقْبَضْ جَازَ، إِنْ عُجِّلَ الْمَزِيدُ.
وَصَحَّ أَوَّل مِنْ بُيُوعٍ الأَجَلِ فَقَطْ؛ إِلَّا أَنْ يَفُوتَ الثَّانِي فَيُفْسَخَانِ، وَهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ إِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أقَلَّ؟ خِلَافٌ.