(وَمُنِعَ لِلتُّهْمَةِ مَا كَثُرَ قَصْدُهُ كَبَيْعٍ، وَسَلَفٍ وسلف 5 بِمَنْفَعَةٍ) قد يقصد المتعاقدان إظهار عقد 6 جائز ليتوصلا إلى ما لا يجوز، ويتذرعان بشيء جائز في الظاهر إلى باطن ممنوع، فمنع 7 حسمًا للذريعة وحماية لها، ولا خلاف في جواز كل من البيع والسلف على انفراده، والجمهور على منع اجتماعهما حسمًا 8 للذريعة؛ إذ قد يتهمان 9 على قصد السلف بالزيادة، ولا خلاف في المذهب في مراعاة ذلك، وفسخ العقد إذا كان مما يكثر1234
الجزء: 3 - الصفحة: 561
القصد إليه، وتظهر 10 التهمة عليه كبيع وسلف أو 11 سلف جر منفعة كما قال، و (قصده) 12 يحتمل أن يكون حالًا؛ أي: منع ما كثر حالة كونه مقصودًا، وتمييزًا؛ أي: ما يكثر القصد إليه، واحترز بقوله: (بِمَنْفَعَةٍ) مما إذا تجرد السلف عن منفعة المسلف 13 فإنه لا يمتنع.
قوله: (لا إن قَلَّ) أي: فإن قل القصد إلى ذلك، وبعدت التهمة كما إذا باع ثوبين بعشرين إلى شهر ثم اشترى أحدهما عند الأجل أو قبله بعشرين، فإن أمره آل إلى أن دفع له ثوبين ليضمن له أحدهما بثوب إلى الأجل، وهذا معنى قوله: (كَضَمانٍ بجُعْلٍ) وهو ظاهر المذهب، وقيل: بالمنع.
ابن بشير وابن شاس: والقولان مشهوران 14.
وأما قوله: (أَوْ أَسْلِفْنِي وَأُسْلِفَكَ) فمعناه: أن يبيع له ثوبًا بدينارين إلى شهر 15، ثم يشتري أحدهما بدينارين نقدًا والثاني إلى شهرين، فالسلعة قد رجعت إليه ودفع الآن دينارًا ليأخذ بعد شهر دينارين أحدهما عوضًا فيما أعطاه الثاني كأنه أسلفه، ويعطيه عنه بعد شهر آخر دينارًا ثانيًا، والمشهور جوازه خلافًا لعبد الملك 16.
قوله: (فَمَنْ بَاعَ لأَجَلٍ ثم اشتراه بجنس ثمنه من عين وطعام وعرض، فإما نقدًا أو للأجل أو لأقل أو لأكثر بمثل الثمن أو أقل، أو أكثر يمنع منها ثلاثٌ وهي ما تعجل فيه الأقل) لما كان الكلام السابق كالفاتحة لبيوع الآجال أتبعه بالكلام على مسائل بيوع الآجال، ولهذا أتى بعده بـ "فاء التعقيب" فقال: (فمن باع لأجل) أي: باع شيئًا لأجل احترز بذلك عما إذا باع نقدًا؛ فإنه ليس من هذا الباب.
قوله: (ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِجِنْسِ ثَمَنِهِ مِنْ عَيْنٍ) أي: كما إذا باعه بدراهم ثم اشتراه بدراهم؛
الجزء: 3 - الصفحة: 562
أو باعه بذهب ثم اشتراه بذهب 17، وكذلك الطعام والعروض وغيرهما.
قوله: (فَإِمَّا نَقْدًا) أي: فإما أن تكون البيعة الثانية نقدًا أو إلى الأجل الأول أو إلى الأجل أقل من الأجل الأول أو إلى أكثر منه، فهذه صور أربع، وكل منها إما بمثل الثمن الأول 18 أو أقل منه أو أكثر.
والحاصل من ضرب أربعة في ثلاثة باثني عشر يمتنع منها ثلاثة كما قال، وهي ما عجل فيه الأقل، وهي ما إذا اشتراها بأقل نقدًا أو بأقل إلى دون الأجل، أو بأكثر إلى أبعد من الأجل، والتسع الباقية جائزة، وضابطه أن تنظر، فإن تساوى الأجلان فيهما حكم 19 بالجواز، وإن اختلف الثمنان وكذلك إن تساوى الثمنان؛ فلا يضر اختلاف الأجلين، وإن اختلفا في الثمنية والأجل نُظر إلى اليد السابقة بالعطاء، فإن عاد إليها مثل أو 20 أقل مما خرج منها جاز وإن رجع إليها أكثر امتنع، وبيانه ما ظهر من الصور الثلاثة، (وَهِيَ مَا تَعجّل فِيهِ الأقَلُّ).
قوله: (وَكَذَا الْمُؤَجَّلُ بَعْضُهُ يمْتَنِعُ مَا تَعَجَّلَ فِيهِ الأقَلُّ أَوْ بَعْضُهُ) 21 أي: وكذلك الحكم إذا كان الثمن الثاني بعضه مؤجلًا وبعضه نقدًا سواء كان إلى 22 الأجل الأول 23 أو دونه أو بعد منه كان الثمن مساويًا أو أقل أو أكثر وهي تسع مسائل يمتنع منها 24 ثلاث 25 ما تعجل فيه الأقل أو بعضه، ويجوز ما عداه، فالممتنع إن يشتري ما باعه بعشرة إلى شهر وبثمانية إلى نصف شهر 26؛ أربعة نقدًا وأربعة إلى نصف شهر، أو إلى شهر، أو إلى أبعد من الشهر، وكذلك إذا اشترى ما باعه بعشرة إلى شهر باثني عشر؛
الجزء: 3 - الصفحة: 563
خمسة نقدًا أو سبعة إلى شهرين.
قوله: (كَتَسَاوِي الأَجَلَيْنِ، إِنْ اشترطا نَفْيَ الْمُقَاصَّةِ لِلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَلذَلِكَ صَحَّ فِي أَكْثَرَ لأَبْعَدَ إِذَا شَرَطَاهَا) أي: وكذا يمتنع مع تساوي الأجلين إذا اشترط المتبايعان عدم (1) المقاصة لكون التهمة دائرة مع الدين بالدين، وهما مع اشتراط ذلك يؤول أمرهما إلى عمارة الذمتين ولأجل هذا صح ما أصله المنع، وهو ما إذا اشتريت بأكثر إلى أبعد إذا اشترط المقاصة للسلامة من دفع قليل في كثير.
قوله: (وَالرَّدَاءَةُ وَالجْوْدَةُ كَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ) يريد: أن الرداءة كالقلة والجودة كالكثرة، فإذا باع أولًا بمحمدية ثم اشترى ثانية (2) بيزيدية، أو بالعكس منع ما تعجل فيه الرديء أو بعضه كما تقدم.
(المتن)
وَمُنِعَ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، إلَّا أَنْ يُعَجِّلَ اكثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمُتَأَخِّرِ جِدًّا وَبِسِكَّتَيْنِ إِلَى أَجَل، كَشِرَائهِ لِلأَجَلِ بِمُحَمَّدِيَّةٍ مَا بَاعَ بِيَزِيدِيَّةٍ، وَإِنِ اشْتَرَى بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ ثَمَنَهُ جَازَتْ ثَلَاثُ النَّقْدِ فَقَطْ، وَالْمِثْلِيُّ صِفَةً وَقَدْرًا كَعَيْنِهِ، فَيَمْتنِعُ منه بِأَقَلَّ لِأَجَلِهِ، أَوْ أَبْعَدَ؛ إِنْ غَابَ مُشْتَرِيهِ بِهِ، وَهَلْ غَيْرُ صِنْفِ طَعَامِهِ كَقَمْع وَشَعِيرٍ مُخَالِفٌ أَوْ لَا؟ تَرَدُّدٌ.