قوله 1: (وإلا ضمن قيمته حينئذٍ ومثل المثلي) أي: وإن كان متفقًا على فساده لزم فيه القيمة في المقوم، والمثل في المثلي، ولما كان التقويم 2 في ذلك حين الضمان أشار إليه بقوله: (حينئذ) وهو المشهور فيقوم يوم القبض عند ابن القاسم 3 وعند أشهب 4 يوم التمكين، أو حين دفع الثمن، وقيل: يقوم يوم العقد، وقيل: يوم الفوات، وما ذكر من التفصيل هو قول ابن القاسم، وحكى اللخمي في المختلف فيه أربعة أقوال: المضي بالعقد وبالقبض 5 و 6 بالفوات، وهل بالثمن يكون 7 أو بالقيمة؟ قولان 8. قوله: (بِتَغَيُّرِ سُوقِ غَيْرِ مِثْليٍّ وَعَقَارٍ) يريد: أن الفوات المذكور يكون بتغيير سوق 9 في العروض والحيوان دون العقار، والمثلي من المكيل والموزون والمعدود، فإن تغير السوق لا يفيت ذلك على المشهور خلافًا لابن وهب، وفرق الأول 10 بأن العقار في الغالب لا يشترى إلا 11 للقنية، فلا تطلب فيه كثرة الثمن ولا قلته بخلاف غيره، وبأن
الجزء: 3 - الصفحة: 557
الأصل في المثلي القضاء بمثله، والقيمة فرع فلا يعول 12 عليها مع إمكان الأصل 13.
قوله: (وَبِطُولِ زَمَانِ حَيَوَانٍ، وَفِيهَا شَهْرٌ وَشَهْرَانِ) واختلف في طول الزمان هل يفوت 14 الحيوان أو لا؟ والأول هو المشهور وهو مذهب المدونة 15، والثاني حكاه ابن شاس 16، وعك الأول ففي كتاب العيوب من المدونة أن مرور الشهر فوت 17، وفي السلم 18 الشهر والشهران لا يكون فوتًا، وحمله اللخمي على الخلاف 19، وإليه أشار بقوله (وَاخْتَارَ أَنَّهُ خِلافٌ) أي: في المعنى، وقال المازري: إنما هو خلاف في شهادة 20، وإليه أشار بقوله: (وَقَالَ: بَلْ فِي شِهَادَةٍ).
قوله: (وَبِنَقْلِ عَرْضٍ وَمِثْلِيٍّ لِبَلَدٍ بِكُلْفَةٍ) يريد: أن نقل العروض والمثلي من بلد إلى بلد مفيت إذا كان بكلفة، وهكذا نقل المازري واحترز بالكلفة من الحيوان الذي ينتقل بنفسه، فإن نقله لا يفيته إلا في خوف طريق أو أخذ مَكْس 21 عليه 22.
قوله: (وَبِوَطْءِ) يريد: أن وطء الأمة يفيتها وهو قول ابن القاسم في الموازية 23.
قوله: (وَبِتَغَيُّرِ ذَاتِ غَيْرِ مِثْلِيٍّ) يريد: إن تغير ذات غير مثلي يفيته دون المثلي؛ لأن غيره يقوم مقامه، وحكاه اللخمي 24 والمازري، وقي الجواهر قول 25: أن المثلي يفوت
الجزء: 3 - الصفحة: 558
بتغيره كغيره 26.
قوله: (وَخُرُوجٍ عَنْ يَدٍ، وَتَعَلُّقِ حَقٍّ كَرَهْنِهِ، وَإِجَارَتهِ) أي: ومما يفيت المبيع خروجه عن يد المبتاع بهبة أو صدقة أو بيع أو عتق، وتعلق حق به 27 الغير له 28 كرهنه وإجارته وإخدامه مدة محدودة، لأن الإخدام المؤجل بوقت 29 يجري مجرى الإجارة 30.
قوله: (وَأَرْضٍ بِبِئْرٍ، وَعَيْنٍ وَغَرْسٍ، وَبِنَاءٍ) يريد أن الأرض تفوت بحفر بئر فيها أو إجراء عين أو غرس شجر أو بناء، واحترز "بالغرس" من "الزرع" فإنه لا يفيتها، قاله ابن القاسم، وعليه كراء المثل إن فسخ في إبان الزراعة فإن فسخ بعده 31، فلا كراء 32.
قوله: (وَبِنَاء عَظِيمَيْ الْمَؤُونَةِ) أي: الغرس والبناء.
أصبغ: إذا غرس حول الأرض شجرًا حتى أحاط بها، وعظمت في ذلك المؤونة وبقي أكثرها بياضًا أنها تفوت جميعها، وإن لم يغرس إلا ناحية منها فاتت تلك الناحية 33.
ابن رشد: وذلك 34 إذا كانت تلك الناحية قيمتها ثلث المجموع أو ربعه 35، وإلى هذا أشار بقوله: (وَفَاتَتْ بِهِما جِهَةٌ هِيَ الرُّبعُ).
قوله: (فَقَطْ، لا أَقَلُّ) أي: لا أقل من الربع كما نبه عليه.
أصبغ 36: وإن كان إنما غرس 37 يسيرًا لا بال له رد جميعه، وكان للغارس على
الجزء: 3 - الصفحة: 559
البائع قيمة ما غرس.
ابن محرز والمازري: والصواب أن تكون له قيمتها قائمة؛ لأنه 38 غرسها بشبهة 39، وإلى هذا أشار بقوله: (وَلَهُ الْقِيمَةُ قَائِمًا عَلَى الْمَقُولِ وَالْمُصَحَّحِ).
قوله: (وَفي بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مُطْلَقًا تَأْوِيلانِ) يريد: أنه اختلف في المبيع بيعًا فاسدًا يبيعه مشتريه قبل قبضه هل يفوت بذلك أم لا؟ ، والقولان لمالك في الموازية 40.
عياض: اختلفوا في حمل المدونة عليهما، وإليه أشار بقوله: (تَأْوِيلانِ)، وهذا 41 الإطلاق يحتمل أن يرجع إلى قوله: (وَفي بَيْعِهِ) أي: وفي بيعه 42 مطلقًا ليتناول البيع الصحيح والفاسد، إلا أن اللخمي نص على أن البيع الفاسد لا يفيت 43، ويحتمل أن يكون راجعًا إلى قوله: (قَبْلَ قَبْضِهِ) ليتناول القبض الحسي والمعنوي، ويحتمل أن يكون مراده سواء كان حيوانًا أو غيره كان مقومًا أو مثليًا.
عياض: ولا خلاف أنه لو علم بالفاسد ثم باعها قصدًا للتفويت أن بيعه غير ماضٍ 44، أي: يفسخ هو وما قبله، وإلى هذا أشار بقوله: إلا إِنْ قَصَدَ بِالْبَيع الإِفَاتَةَ) ووقع في بعض الروايات أنه إذا قصد التفويت بالبيع من غيره فإنه لا يفوت إلا بالعتق.
قوله: (وَارْتَفَعَ الْمُقِيتُ إِنْ عَادَ إلا بِتَغَيُّرِ السُّوقِ) يعني: فإن حصل بالبيع فوت 45، ثم زال وعاد 46 المبيع إلى يد بائعه الذي اشتراه شراء فاسدًا، فإن حكم التفويت يرتفع عنه لارتفاع سببه إلا أن يكون الفوت حوالة الأسواق ويعود، فإن حكمه لا يرتفع، قاله ابن القاسم.
الجزء: 3 - الصفحة: 560
وقال أشهب: لا يرتفع بعوده من بيع (1) ولا غيره (2)، ويجري على (3) هذا الخلاف في العتق والتدبير، يرده الغريم، والعيب يزول بعد حدوثه.
المازري: وكذلك إذا آجره أو رهنه ثم افتكه فإن ذلك يجري على القولين (4).
فصل [في أحكام بيوع الآجال]
(المتن)
فَصْلٌ وَمُنِعَ لِلتُّهَمَةِ مَا كَثُرَ قَصْدُهُ، كَبَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَسَلَفٍ بِمَنْفَعَةٍ، لَا إن قَلَّ، كَضَمَانٍ بِجُعْلٍ، أَوْ أَسْلِفْنِي وَأُسْلِفَكَ، فَمَنْ بَاعِ لِأَجَلٍ ثُمِّ اشْتَرَاهُ بِجِنْسِ ثَمَنِهِ مِنْ عَيْنٍ وَطَعَامٍ وَعَرْضٍ فَإِمَّا نَقْدًا، أَوْ لِلْأَجَلٍ، أوْ لِأَقَلَّ، أوْ لِأَكْثَرَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ يُمْنَعُ مِنْهَا ثَلَاثٌ، وَهِيَ مَا تُعُجِّلَ فِيهِ الأَقَلُّ، وَكَذَا الْمُؤَجَّلُ بَعْضُهُ يمْتَنِعُ مَا تُعُجِّلَ فِيهِ الأَقَلُّ، أَوْ بَعْضُهُ، كَتَسَاوِي الأَجَلَينِ، إِنْ اشترطا نَفْيَ الْمُقَاصَّةِ لِلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ فِي أَكْثَرَ لِأَبْعَدَ إِذَا شَرَطَاهَا، وَالرَّدَاءَة وَالْجَوْدَةُ كَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ.