قوله: (وَكُرِهَ لِمَنْ لا يُؤْمَنُ) أي: وكره بيع المغشوش لمن لا يؤمن أن يغش به، قال في البيان: كالصيارفة، قال: ولا يحل له أن يغش بها 2 ولا أن يبيعها لمن يغش بها، ويجوز أن تباع ممن 3 يكسرها أو ممن يعلم أنه لا يغش بها.
ابن رشد: باتفاق، وإن باعها 4 ممن 5 لا يعلم 6 أنه يغش بها فليس عليه إلا الاستغفار، وإن باعها ممن يعلم أنه يغش بها وجب عليه 7 أن يستردها 8.
قوله: (وَفُسِخَ مِمَّنْ يَغِشُ إلَّا أَنْ يَفُوتَ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ أَوْ يَتَصَدَّق بِالجْمِيعِ أَوْ بِالزَّائِدِ عَلَى مَنْ لا يَغِشُّ؟ أَقْوَالٌ)1
الجزء: 3 - الصفحة: 515
أي: وفسخ البيع إذا باع 9 المغشوش 10 ممن يغش الناس، واختلف إذا فات فيما يجب عليه 11 على ثلاثة أقوال.
قيل: يجب عليه أن يتصدق بجميع الثمن، وقيل: لا يجب عليه إلا بالزائد 12 على قيمتها لو باعها ممن لا يغش بها 13، الثالث: ألا يتصدق إلا على جهة الاستحباب مراعاة للخلاف.
قوله: (وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وَأَفْضَلُ صِفَةً) يريد: أنه يجوز لمن عليه دَيْن من قرض أن يقضيه بمساوٍ لما في الذمة 14 والأفضل 15 صفة.
ابن عبد السلام: ولا أعلم خلافًا في هذين القسمين، والأول منهما هو مقتضى ما دخل 16 عليه، والثاني: من حسن 17 القضاء الذي ندب إليه الشرع.
قوله: (وَإِنْ حَلَّ الأَجَلُ بِأَقَلَّ صِفَةً وَقَدْرًا) أي: وكذلك يجوز القضاء بالأقل صفة وقدرًا إذا حل الأجل، أو كان حالًا في الأصل؛ لأنه حسن اقتضاء 18، فإن لم يحل الأجل امتنع لدخول ضع وتعجل، وفي ذلك خلاف سيأتي.
قوله: (لا أَزْيَدَ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا، إِلا كَرُجْحَانِ مِيزَانِ) أي: فإن قضاه بالأقل 19 عددًا أو وزنًا امتنع إلا في الزيادة اليسيرة جدًّا كرجحان الميزان، وهو مذهب ابن القاسم.
الجزء: 3 - الصفحة: 516
المازري: وهو ظاهر المذهب.
وقال أشهب: تجوز 20 الزيادة اليسيرة 21 مطلقًا، أي: من غير تقييد بحدٍّ 22، وعن ابن حبيب وابن دينار 23 الجواز مطلقًا 24، ولو مع كثرة الزيادة 25.
قوله: (أَوْ دَارَ الفَضْلُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ) أي: وكذا يمتنع القضاء مع دوران الفضل من الجانبين، وسواء حل الأجل أم لا 26، كما لو اقتضى عشرة 27 محمدية من 28 عشرة يزيدية، لأنه ترك فضل العدد لفضل المحمدية.
قوله: (وَثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنَ الْعَيْنِ كَذَلِكَ) هذا قول 29 ابن شاس، فإن كان العين 30 في الذمة من بيع فهو كالقرض، إلا في قضاء الأكثر مقدارًا؛ فإنه جائز مطلقًا 31 ونحوه لابن بشير 32، ولهذا قال هنا (وَجَازَ بِأَكْثَرَ) أي مقدارًا، كما إذا باع سلعة بعشرة فإنه يجوز له أن يأخذ في ثمنها خمسة عشر فأكثر؛ لأنه حسن قضاء.
قوله: (وَدَارَ الْفَضْلُ مِنَ الجْانِبَيْنِ بِسِكَّةٍ وَصِيَاغَةٍ وجودةٍ) أي قد سبق أن الجودة يدور معها الفضل، فلا يقتضي عشرة وازنة رديئة عن عشرة ناقصة جيدة، ولا العكس لدوران الفضل، وهكذا يدور الفضل مع السكة والصياغة فلا يقتضي عشرة تبرًا طيبة
الجزء: 3 - الصفحة: 517
عن 33 عشرة ممسكوكة رديئة ولا العكس، ولا عشر رديئة مصوغة عن عشرة طيبة غير مصوغة، ولا العكس، ولا خلاف فيه هنا بخلاف المراطلة، فإنه اختلف فيها هل السكة والصياغة كالجودة أم لا على ما تقدم، وخرج اللخمي الخلاف هنا 34 من المراطلة 35.
قوله: (وَإِنْ بَطَلَتْ فُلُوسٌ فَالمثْلُ) أي: لو باعه فلوسًا أو أسلفها له ثم انقطع التعامل بها فإنما يجب عليه مثلها، وهو المشهور؛ لأنها من المثليات، وقيل: تلزمه القيمة، أي: قيمة الفلوس وهو قول عبد الحميد.
ابن عبد السلام: ولا أدري كيف يتصور القضاء بالقيمة مع وجودها، إلا أن يريد بقيمتها يوم تعلقت بالذمة لا مع حلول الأجل، وحكى بعضهم عن كتاب ابن سحنون 36 أنه يتبعه بقيمة السلعة 37.
قوله: (أو عُدِمَتْ فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِماعِ الاسْتِحْقَاقِ وَالْعَدَمِ) أي: وإن عدمت الفلوس بالكلية ولم توجد، فإن الواجب قيمتها يوم حلول الأجل إن كان للعدم يومئذ أو قبل ذلك ثم حل الأجل، وهو مراده بقوله: (وقت اجتماع الاستحقاق والعدم)، وحاصله أنهما لا يجمعان 38 إلا بحصول الأخير 39 منهما، فإن كان الاستحقاق أولًا فليس له القيمة إلا يوم العدم، وإن كان العدم أولًا فليس له القيمة إلا يوم الاستحقاق، فإن تأخر طلبها بعد حلول الأجل بشهر مثلًا فعدمت في نصف ذلك 40 الشهر، فإن قيمتها تجب وإنصف ذلك الشهر لا في أوله، ولا 41 حين حلول الأجل، ولا في آخره، وهو يوم التحاكم خلافًا لبعضهم.
قوله: (وَتُصُدِّقَ بِمَا غُشَّ وَلَوْ كَثُرَ، إِلا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاه كَذَلِكَ، إِلا الْعَالم بِعَيْبِهِ كَبَلِّ
الجزء: 3 - الصفحة: 518
الْخُمُرِ بالنَّشَا، وَسَبْكِ ذَهَبٍ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ، وَنَفْخِ اللَّحْمِ) يريد: أن من فعل شيئًا ليغش (1) الناس به كبل الخمر بالنشاء، وسبك الرديء مع الجيد من الذهب والفضة، ونفخ اللحم بعد سلخه، وكذلك (2) جعل الماء في اللبن، فإنه يؤخذ ويتصدق به أدبًا لصاحبه؛ لئلا يعود إلى مثل ذلك، وقد روي عن عمر فت أنه طرح في الأرض لبنًا غش به (3) أدبًا لصاحبه، ولا فرق فيذلك بين القليل والكثير إلا أن يكون صاحبه اشتراه على تلك الحالة، فإنه لا يتلف عليه ولا يتصدق به، ولكن لا يمكن من (4) بيعه، هذا إذا اشتراه غير عالم أو عالمًا ولم يشتره للبيع، وأما من (5) اشتراه لذلك (6) وهو عالم بغشه فكالأول والله أعلم (7).
فصل [الربا في المطعومات]
(المتن)
فَصْلٌ عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا: اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ، وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ؟ تَأوِيلَانِ، كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ، وَسُلْتٍ، وَهِيَ جِنْسٌ، وَعَلَسٍ، وَأُرْزٍ، وَعَلَسٍ وَدُخْنٍ، وَذُرَةٍ، وَهِيَ أَجْنَاسٌ، وَقُطْنِيَّةٍ، وَمِنْهَا كِرْسِنَّةٌ، وَهِيَ أَجْنَاسٌ.
وَتَمْرٍ، وَزَبِيب، وَلَحْمِ طَيْرٍ، وَهُوَ جِنْسٌ.
وَلَوِ اخْتَلَفَتْ مَرَقَتُهُ، كَدَوَابِّ الْمَاءِ، وَذَوَاتِ الأرْبِعِ، وَإنْ وَحْشِيًّا، وَالْجَرَادِ.
وَفِي رِبَوِيَّتهِ خِلَافٌ.
وَفِي جِنْسِيَّةِ الْمَطْبُوخِ مِنْ جِنْسَيْنِ قَوْلَانِ.