قوله: (وَإِنْ حُلِّيَ بِهِما لَمْ يَجُزْ بِأَحَدِهِمَا، إِلا إِنْ تَبِعَا الجْوْهَرَ) أي: وإن حلي بالذهب والفضة معًا لم يجز بيعه بأحدهما إلا إن كان تبيعًا 6 للجواهر 7. قال في الواضحة: وسواء كان أحدهما تبعًا للآخر أم لا إذا كان نقدًا وأتبع 8 في 9 الثلث فأقل، ولا خلاف في ذلك، فإن لم يكونا تبعًا للجوهر لم يجز بيعه بأحد النقدين، إذا لم يكن أحدهما تبعًا للآخر؛ لأنه إذا امتنع بيع سلعة وذهب بذهب، فأحرى بيع فضة وذهب بذهب، وكذا في الفضة، وإن كان أحدهما تبعًا لم يجز بيعه بصنف الأكثر، واختلف في بيعه بصنف التابع 10؛ فمذهب المدونة عدم الجواز أيضًا، وعن مالك في المدونة 11 جوازه12345
الجزء: 3 - الصفحة: 509
نقدًا 12.
قال 13: وإن تقاربا بيع بعرض أو فلوس، ثم رجع مالك فقال: لا يباع بذهب ولا فضة على حال، وبه أخذ ابن القاسم، وبالجواز أخذ ابن زياد وأشهب وابن عبد الحكم 14.
قوله: (وَجَازَتْ مُبَادَلَةُ الْقَلِيلِ الْمَعْدُودِ دُونَ سَبْعَةٍ بِأَوْزَنَ مِنْهَا بِسُدُسِ سُدُسٍ) المبادلة: عبارة عن بيع المسكوك عددًا بمثله دون وزن، لأنه إذا دخله الوزن صار مراطلة، ولهذا قال (الْمَعْدُودِ) 15 ومقتضى النظر منعه إلا أنه 16 لما كان التعامل بالعدد صار النقص 17 اليسير في ذلك غير منتفع به، وهو يجري مجرى الرداءة، والوزن يجري مجرى الجودة، فقد رآه معروفًا، والمعروف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، و (دون سبعة) بدل أو عطف بيان، يريد: أن القليل الذي تجوز مبادلته بأوزن أو أنقص منه 18 ما كان دون سبعة دراهم أو دنانير، وأما السبعة فما فوقها فلا تجوز.
قال في المدونة: ويجوز له 19 أن يبدل ستة، تنقص سدسًا سدسًا بستة وازنة 20، ومنع في الموازية 21 مبادلة ما زاد على الثلاثة 22، وأصلح سحنون المدونة على ما في الموازية، وجعل موضع ستة ثلاثة 23، وإنما قيدوا الزيادة 24 بأن تكون 25 سدسًا
الجزء: 3 - الصفحة: 510
سدسًا 26 فأقل في كل درهم؛ لأنه الذي تسمح به النفوس في الغالب، وقيل: يجوز أن يبدل الدينار أو الدرهم بأزيد منه بثلث.
قوله: (وَالأَجْوَدُ أَنْقَصَ أو أَجْوَدُ سِكَّةً مُمْتَنِعٌ) لا خلاف في منع إبدال الأجود الناقص بالأردأ الكامل، لدوران الفضل من الجانبين 27؛ لأن الأجود يقابله من الجانب الآخر الأردأ، والأنقص يقابله الأكمل، وانظر قوله: أو أجود سكة.
هل معناه أنه أجود جوهرية أيضًا وهو ظاهر كلامه؛ لأن قوله: أو أجود.
معطوف على قوله: أنقص.
أي: وأجود 28 مع أن 29 جودة الجوهرية كافٍ في منع المبادلة، وفيه نظر؛ لأن الجودتين إذا كانا 30 في طرف، ويقابلهما من الطرف الآخر الرداءة 31 فيهما- جاز؛ لتمحض 32 الفضل من جانب واحد، ويحتمل أن يريد بقوله (وأَجْوَدُ سِكَّةً) أي: مع زيادة الوزن إلا أنه بعيد؛ إذ هو حذف لا دليل عليه.
قوله: (مُمْتَنِعٌ) أي: هو خبر عن المسألتين.
ثم قال: (وَإِلا جَازَ) أي: يريد: وإن لم يكن الأنقص الأجود بل كان مساويًا، وأحرى إذا كان أردأ، فإنه يجوز فيه المبادلة؛ لأن الفضل من جهة واحدة، ونص الباجي على أن الأجود الأوزن يدخله الخلاف 33.
قوله: (وَمُرَاطَلَةُ عَيْنٍ بِمِثْلِهِ) المراطلة عبارة عن بيع عين بمثله وزنًا، ولهذا قال (وَمُرَاطَلَةُ عَيْنٍ) أي: وجاز (مراطلة عين بِمِثْلِهِ) واستغنى بقوله: (بِصَنْجَةٍ أَوْ كَفَّتَيْنِ) عن ذكر الوزن؛ لأنهما مخصوصان بالوزن، وقد نبه بذلك على أن الوزن يكون بوجهين، أحدهما: أن توضع الصنجة في كفة، ويوضع الذهب أو الفضة في الكفة الأخرى، فإذا
الجزء: 3 - الصفحة: 511
اعتدلا أزال الذهب أو الفضة ووضح ذهب الآخر أو الفضة 34.
والثاني: أن يجعل ذهب هذا في كفة، وذهب الآخر في الكفة الأخرى، والأول أظهر 35 عند المتأخرين؛ لأن التساوي بين الذهبين 36 حاصل، سواء كان الميزان معتدلًا أم لا، ولا يحمل ذلك في الوجه الثاني إلا مع الاعتدال، ولكن هو الذي نص عليه بعض المتقدمين 37.
قوله: (وَلَوْ لَمْ يُوزَنَا) هذا راجع إلى قوله: (أَوْ كَفَّتَيْنِ) ومعناه أن المراطلة في كفتين جائزة، ولو لم يوزن الذهبان قبل ذلك، ولا إشكال في ذلك في غير المسكوك، وكذلك في المسكوك على الصحيح، وإليه ذهب أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمن وغيرهما، وحمل عياض المدونة عليه، ومنعه ابن القابسي 38 إلا بعد معرفة 39 وزنه؛ لئلا يؤدي إلى بيع المسكوك جزافًا 40.
ابن يونس: والأول أصوب؛ إذ لا غرر فيه؛ لأنه إنما يأخذ مثل ذهبه أو دراهمه 41، وإليه أشار بقوله (عَلَى الأَرْجَح).
قوله: (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَو بَعْضُهُ أَجْوَدَ) أي: وكذلك تجوز المراطلة، وإن كان أحد الذهبين أو الفضتين 42 أجود أو بعضه أجود، وبعضه مساوٍ 43 كدرهمين مغربيين 44 في مقابلة درهم مصري، ودرهم مغربي، ولا خلاف في جواز الوجه الأول؛ لتمحض 45 الفضل من جانب واحد، واختلف في الثاني، فأجازه ابن القاسم
الجزء: 3 - الصفحة: 512
لعدم 46 ظهور غرض 47 المكايسة وانحصار 48 الفضل في جهة واحدة ومنعه سحنون 49.
ابن عبد السلام: والأول 50 أظهر.
قوله: (لا أَدْنَى وأَجْوَدُ) أي: فإنه لا يجوز، ومثاله أن يكون مع أحدهما درهمان إسكندري ومغربي، ومع الآخر درهمان مصريان، فالإسكندري أدناهما، والمغربي أعلاهما 51، والمصري متوسط بينهما، وإنما منع ذلك لكون صاحب المصريين إنما ترك جودة المصري الواحد بالنسبة إلى دناءة الإسكندري؛ نظرًا إلى جودة درهمه المغربي 52 على جودة 53 المصري، فقد دار الفضل من الجانبين.
قوله: (وَالأَكْثَرُ عَلَى تَأوِيلِ السِّكَّةِ وَالصِّيَاغَةِ كَالجْوْدَةِ) لما ذكر أن الفضل يدور مع الجودة، ذكر أن السكة والصياغة يتنزلان منزلة الجودة، فيدور الفضل معهما أو مع أحدهما كالجودة؛ لأن الغرض يتعلق بهما كما يتعلق 54 بالجودة، وهو الظاهر.
وقال ابن القابسي وغيره 55: لا يعتبران، وأجازه 56 ابن يونس.
قال ابن عبد السلام: وهو مذهب 57 المدونة على ما فهمه الأكثرون، ومنهم من تأولها على الأول 58، فجعل الأكثر على غير ما قال الشيخ هنا، وقيل: تعتبر الصياغة
الجزء: 3 - الصفحة: 513
دون السِّكَّة.
ابن عبد السلام: والأقرب عندهم 59 اعتبارهما، ومن الأشياخ من ذهب إلى أن الخلاف المذكور إنما هو مع اتحاد الغرضين 60، وأما إذا اختلفا، أي: اختلاف الأغراض 61 فيتفق على اعتبارهما إلحاقًا لهما بالجودة 62.
قوله: (وَمَغْشُوشٌ بِمِثْلِهِ) أي: وكذا يجوز بيع 63 المغشوش بمثله مراطلة.
ابن عبد السلام: ولعله مع تساوي الغش، وأما مع اختلافه فقرينة الحال تدل على أنهما أراد المزابنة 64، وحكى في البيان عن شيخه 65 ابن رزق 66 منع ذلك 67، ولم يرتضه 68.
قوله: (وَبِخَالِصٍ، وَالأَظْهَرُ خِلافُهُ لِمَنْ يَكْسِرُهُ أَوْ لا يَغِشُّ بِهِ) أي: وكذلك تجوز مراطلة المغشوش لمن يكسره أو لا يغش به أحدًا بالخالص، وحكى في ذلك صاحب البيان 69 قولين، ثم 70 قال: والصحيح عدم الجواز 71، وإليه أشار
الجزء: 3 - الصفحة: 514
بقوله: (وَالأَظْهَرُ خِلافُهُ).
الشيخ: الأول هو الذي يؤخذ من كلام ابن القاسم في المدونة (1)، وكلام غيره.
(المتن)
وَكُرِهَ لِمَنْ لَا يُؤْمَنُ، وَفُسِخَ مِمَّنْ يَغِشُّ، إِلَّا أَنْ يَفُوتَ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ، أَوْ يَتَصَدَّقُ بِالْجَمِيعِ، أَوْ بِالزَّائِدِ عَلَى مَنْ لَا يَغِشُّ؟ أَقْوَالٌ.
وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وَأَفْضَلَ صِفَةً.
وَإِنْ حَلَّ الأَجَلُ بِأَقَلً صِفَةً وَقَدْرًا، لَا أَزَيَدَ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا، إلَّا كَرُجْحَانِ مِيزَانٍ أَوْ دَارَ الْفَضْلُ مِنَ الْجَانِبَينِ، وَثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنَ الْعَيْنِ كَذَلِكَ، وَجَازَ بِأَكْثَرَ، وَدَارَ الْفَضْلُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ بِسِكَّةٍ وَصِيَاغَةٍ وَجَوْدَةٍ وَإِنْ بَطَلَتْ فُلُوسٌ فَالْمِثْلُ.
أَوْ عُدِمَتْ فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الاسْتِحْقَاقِ وَالْعَدَمِ، وَتُصُدِّقَ بِمَا غُشَّ وَلَوْ كَثُرَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاه كَذَلِكَ، إِلَّا الْعَالِمَ بِعَيْبِهِ كَبَلِّ الْخُمُرِ بِالنَّشَاء، وَسَبْكِ ذَهَبٍ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ، وَنَفْخِ اللَّحْمِ.