قوله: (وَحَرُمَ فِي نَقْدٍ وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ وَنَسَاء) 9 ولما انقضى كلامه على أركان البيع12345678
الجزء: 3 - الصفحة: 488
شرع في الكلام على شروط وموانع تختص بأنواع من المبيعات، وبدأ منها بالكلام على ربا الفضل، وهو الزيادة، وربا النَسَاء، وهو التأخير، ممدود ومهموز، فقال: (وَحَرُمَ فِي نَقْدٍ وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ وَنَسَاء)؛ لكن ظاهره أن ربا الفضل يدخل النقدين والطعام مطلقًا، وليس كذلك، وإنما يدخل فيما يتحد جنسه منهما، نعم، ربا النَساء لا يختص بالمتحدين؛ بل يدخل المختلفين أيضًا كالذهب والفضة والبُر مع شيء من القطاني مثلًا.
قوله: (كَدِينَار 10 أَوْ دِرْهَمٍ وَغَيْرِهِ 11 بِمِثْلِهِمَا) أي: فلأجل طلب المماثلة لا يباع دينار ودرهم وغيره بدينار ودرهم 12، وهو مراده بمثلهما.
وحاصله: أنه لا يجوز أن 13 يجمع في البيع مع النقدين، أو مع أحدهما جنس 14 آخر؛ كثوب، أو طعام، أو غيرهما، خشية أن تكون الرغبة في أحدهما 15 أكثر، فيقابله من الجهة الأخرى أكثر من درهم، فيؤدي إلى التفاضل بين الدينارين 16 أو الدرهمين 17 أكثر 18.
قوله: (وَمُؤَخَّرٌ وَلَوْ قَرِيبًا) أي: وحرم التأخير ولو قرب، وهو المشهور، فقد قال مالك في رجل يصرف الدينار من الصرافي فيدخله تابوته، ثم يخرج الدراهم: لا يعجبني ذلك 19. وفي الموازية 20 والعتبية أن مفارقته الحانوت والحانوتين 21 للتغليب لا تضر 22.
الجزء: 3 - الصفحة: 489
وحمله اللخمي 23 على الخلاف، وابن رشد على الوفاق 24.
قوله: (أَوْ غَلَبَةً) يريد: أن المفارقة على سبيل الغلبة تمنع المناجزة؛ كالمفارقة اختيارًا، فيفسد العقد بذلك.
الباجي 25: وهو ظاهر المذهب 26. ولمالك: أن ذلك لا يضر 27. وظاهر قوله: (أَوْ غَلَبَةً) سواء كانت من أحد المتبايعين 28، أو منهما معًا 29، وإليه ذهب اللخمي، فسوى بين الصورتين، وذكر الخلاف فيهما 30، وفي 31 الجواهر: وإذا قلنا بالتصحيح في غلبتهما؛ فأحرى به في غلبة أحدهما، وإن أبطلنا فقولان 32، والتصحيح 33 في الصورتين 34 هو اختيار القاضي أبي بكر 35.
قوله: (أَوْ عَقَدَ، وَوَكَّلَ فِي الْقَبْضِ) يريد: أن من صارف غيره، أو باعه بيعًا يجب 36 فيه التناجز 37؛ فبعد حصول العقد منهما وَكَل أحدهما ثالثًا على قبض ما وجب له قبضه، وقام الموكل منهما 38 قبل قبض وكيله؛ فإن ذلك لا يجوز، وهو المشهور، وحمل اللخمي ما وقع في المذهب من المنع على الكراهة، أما لو قبض ذلك الوكيل قبل قيام
الجزء: 3 - الصفحة: 490
موكله؛ فإن ذلك جائز، نص عليه ابن رشد 39، وابن شاس 40، وقيل: بالمنع مطلقًا.
ابن عبد السلام: وظاهر النصوص الكراهة 41. المازري: وقال ابن القاسم: لا خير فيه، وأمضاه أشهب إن وقع، وقال: يفسخ إذا 42 افترقا قبل قبض الوكيل.
وقال ابن وهب: لا بأس به 43.
قوله: (أَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا وَطَالَ أوْ نَقْدَاهُما) هذا أيضًا مما يمنع فيه الصرف على المشهور، ومعناه: أن عقد الصرف إذا وقع وكان نقد أحد المتصارفين غائبًا في داره مثلًا، أو حانوته 44 لا يجوز ويفسخ، فأحرى غيبة النقدين معًا.
قوله: (أَوْ بِمُوَاعَدَةٍ) هذا معنى قوله في المدونة: ولو قال له المبتاع: اذهب بنا إلى السوق بدراهمك، فإن كانت جيادًا أخذتها منك كذا وكذا درهما بدينار، لم يجز؛ ولكن يسير معه من غير مواعدة، وهذا نص في التحريم، قيل: وهو المشهور 45.
المازري: المشهور 46 الكراهة، ونسبه اللخمي لمالك وابن القاسم 47، وعن ابن وهب وابن عبد الحكم جواز ذلك 48، واستحسنه اللخمي 49، وحرف الجر في كلامه متعلق بمحذوف تقديره: وحرم الصرف بمواعدة، ثم عطف عليه.
قوله: (أَوْ بِدَيْنٍ، إِنْ تَأَجَّلَ، وَإِنْ مِنْ أَحَدِهِمَا) 50 أي: وحرم الصرف بدين مؤجل ولو من أحد المتصارفين، ومعنى ذلك: أن يكون لوا حد عند آخر دنانير 51، ويكون
الجزء: 3 - الصفحة: 491
للآخر عنده دراهم، ولا فرق بين أن يكون الدينان معًا مؤجلين أو أحدهما فقط كما قال؛ لأن المعجل لما في الذمة يعد مسلفًا، وإذا حل الأجل يقتضي من نفسه، فلم تحصل المناجزة 52، وقيل: لا يمتنع ذلك، أما إذا كانا حالين معًا فالمعروف من المذهب الجواز؛ خلافًا لأشهب 53.
قوله: (أَوْ غَابَ رَهْنٌ، أَوْ وَدِيعَةٌ، وَلَوْ سُكَّ) يريد: وإن صرف المرهون الغائب يمتنع، وحكى ابن شاس في المصوغ قولين بالجواز والمنع، وقي المسكوك المنع عن ابن القاسم، والجواز في رواية محمد، قال: وفي الكتاب 54 المنع من صرف الوديعة 55، يريد: ولو كانت مسكوكة كما قال هنا الباجي 56، والعارية حكمها حكم الرهن، بعض المتأخرين: وكذلك المستأجر حكمه حكم الوديعة 57. وإليه أشار بقوله: (كَمُسْتَأجَرٍ، وَعَارِيَةٍ) أي: ومعارة.
قوله: (وَمَغْصُوبٍ، إِنْ صِيغَ إِلا أَنْ يَذْهَبَ، فَيَضْمَنُ قِيمَتَه، فكَالدَّيْن).
ابن شاس: وللمغصوب ثلاث صور:
الأولى: أن يكون مصوغًا، غير قائم العين 58، فالمنصوص: أنه لا يجوز صرفه 59 حتى يحضر.
الثانية: أن يكون مصوغًا، غير قائم العين، فإن ذهبت عينه جملة فقد ضمن.
وهل يضمن قيمته أو وزنه 60؟ قولان: فإن قلنا بضمان القيمة صرفت على المشهور.
وإن قلنا بضمان الوزن صرف الوزن، وكان في القيمة أو الوزن صرف ما في الذمة 61. وإليه أشار بقوله: (فكَالدَّيْن)، ثم قال ابن شاس: والنصوص: جواز صرف المسكوك 62.
الجزء: 3 - الصفحة: 492
(المتن)
وَبِتَصْدِيقٍ فِيهِ، كَمُبَادَلَةِ رِبَوِيَّيْنِ، وَمُقْرَضٍ وَمَبِيع لِأَجَلٍ، وَرَأْسِ مَالِ سَلَمٍ، وَمُعَجَّلٍ قَبْلَ أَجَلِهِ، وَبَيعٌ وَصَرْفٌ إلَّا أّنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ دِينَارًا، أَوْ يَجْتَمِعَا فِيهِ، وَسِلْعَةٌ بِدِينَارٍ، إِلَّا دِرْهَمَينِ إِنْ تَأَجَّلَ الْجَمِيعُ، أَوِ السِّلْعَةُ، أَوْ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ، بِخِلَافِ تَعْجِيلِ الْجَمِيعِ: كَدَرَاهِمَ مِنْ دَنَانِيرَ بِالْمُقَاصَّةِ، وَلَمْ يَفْضُلْ شَيءٌ.
وَفِي الدِّرْهَمَيْن كَذَلِكَ.
وَفِي كثَرَ كَالْبَيْعِ وَالصَّرْفِ، وَصَائِغٌ يُعْطَى الزِّنَةَ وَالأُجْرَةَ، كَزَيْتُونٍ وَآجَرَتِهِ لِمُعْصِرِهِ، بِخِلَافِ تِبْرٍ يُعْطِيهِ الْمُسَافِرُ، وَأجْرَتَهُ دَارَ الضَّرْبِ لِيَأخُذَ زِنَتَهُ، وَالأَظْهَرُ خِلَافُهُ، وَبِخِلَافِ دِرْهَمٍ بِنِصْفٍ وَفُلُوسٍ أَوْ غَيرِهِ فِي بَيْعٍ، وَسُكَّا، وَاتَّحَدَتْ، وَعُرِفَ الْوَزْنُ، وَانْتُقِدَ الْجَمِيعُ، كَدِينَارٍ إِلَّا دِرْهَمَيْنِ.