قوله: (وَشَرْطُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ) أي: فلا يجوز بيع النجس؛ سواء كانت نجاسته ذاتية؛ كالزبل 1، والعذرة، والدم، والميتة.
أو غير ذاتية؛ كالزيت النجس، والعسل، والسمن، ونحوه؛ ولهذا قال: (لا كَزِبْلِ وَزيتٍ تَنَجَّسَ) 2 أي: وأما ما نجاسته عارضة، ويمكن زوالها 3؛ فلا خلاف في جواز بيعه.
وقال ابن القاسم في زبل الدواب: لا أرى في بيعه بأسًا 4.
أشهب: والمبتاع أعذر من البائع 5. وقال ابن عبد الحكم: ما أعذر 6 الله واحدًا منهما، وأمرهما في الإثم واحد.
وأما 7 ما ذكره في الزيت النجس 8، هو مذهب الأكثر؛ بناء على أنه لا يطهر 9، وصرح المازري بمشهوريته.
وأما من يرى أنه يطهر 10؛ فإنه يجوز بيعه، وهي رواية 11 مالك، وبها كان يفتي ابن اللباد 12، وقيل: يجوز بيعه لغير مسلم 13.
الجزء: 3 - الصفحة: 464
قوله: (وانتفاع، لا كَمُحَرَّمٍ أَشْرَفَ) أي: ومما يشترط في المبيع: أن يكون منتفعًا به، فلا يباع محرم الأكل إذا أشرف على الموت؛ لعدم النفع به حينئذ.
واحترز بقوله: (أشرف) مما إذا كان مرضه خفيفًا، فإن بيعه جائز.
وبقوله: (محرم) الأكل 14 من المباح، فإنه يجوز بيعه 15 لو أشرف على الموت؛ لأن المنفعة حاصلة في الحال.
وقيل: يجوز بيعه؛ ولو كان مُحَرَّمًا مشرفًا.
قوله: (وَعَدَمُ نَهْيٍ، لا كَكَلْب صَيْدٍ) أي: ومما يشترط في المبيع أيضًا 16: أن يكون غير منهي عنه، فلا يباع الكلب المنهي عن اتخاذه باتفاق، وأما كلب الصيد ونحوه 17 مما يجوز اتخاذه؛ فقد اختلف فيه على خمسة أقوال:
المنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، وهما لمالك 18، وقال سحنون في البيان 19: أبيعه وأحج 20 بثمنه 21، وروى ابن القاسم عن مالك 22 كراهية بيعه 23، وعن ابن القاسم أيضًا 24 يجوز شراؤه ولا يجوز 25 بيعه 26، وعن مالك يجوز 27 بيعه في الميراث والدين 28 والمغانم، ومكروه بيعه ابتداء 29. والأول هو المشهور، ولهذا كان الأحسن
الجزء: 3 - الصفحة: 465
سكوت الشيخ عن التقييد بكلب الصيد، وشهَر بعضهم الثاني، وعلى هذا فكان الأحسن أن يقول: وفيبيع كلب الصيد خلاف، جريًا 30 على عادته.
قوله: (وَجَازَ هِرٌّ، وَسَبُعٌ للجلد 31 أي: وجاز بيع هر وسبع لأخذ جلده، وهكذا ذكر في المدونة مع زيادة، وفي كتاب الضحايا، ويجوز بيع المهر، وبيع الأسد والسباع والفهود والنمر والذئاب 32 إن كان ذلك لتذكى لأخذ جلودها، فإذا ذكيت جاز بيع جلودها ولباسها والصلاة عليها 33.
قوله: (وَحَامِلٌ مُقْرِب) يريد: أن 34 بيع الحامل القرب، أي: التي قاربت الوضع يجوز، وهذا هو الأصح عند ابن الحاجب 35، ومنع ذلك غيره، وظاهر كلامه في توضيحه أن هذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول كما هنا، ويحتمل أن يكون من باب الإضافة إلى الفاعل، والمعنى: أن الحامل المقرب يجوز لها أن تتصرف في مالها بالبيع ونحوه، فتصير كالمريض 36.
قوله: (وَقُدْرَهٌ عَلَيْهِ، لا كَآبِقٍ) أي: ومما يشترط في المبيع 37 أن يكون مقدورًا عليه، فلا يجوز لأجل ذلك بيع الآبق؛ لعدم القدرة على تسليمه حينئذ.
مالك: وبيعه 38 حينئذ فاسد، وضمانه من بائعه، ويفسخ وإن قبضر.
وفي معنى الآبق في عدم القدرة على تسليمه 39: الطيرفي الهواء، والسمك في البحر 40، والبعير الشارد 41.
الجزء: 3 - الصفحة: 466
قوله: (وَإِبِلٍ أُهْمِلَتْ) يريد: أنه لا يجوز بيعها حينئذ لاستصعاب تحصيلها، وعدم معرفة ما فيها من العيوب، ونحوه لابن القاسم 42.
قوله: (وَمَغْصُوبٍ إِلَّا مِنْ غَاصِبِهِ) أي: فلا يجوز بيعه إلَّا من غاصبه؛ لأن غير غاصبه لا يمكنه تخليصه 43، فليس مقدورًا على تسليمه.
وقال ابن رشد وغيره: يجوز بيعه من غير غاصبه إن كان الغاصب مقرًا بالغصب، مقدورًا عليه بلا خلاف، ولا يجوز إن كان ممتنعًا من دفعه، وهو ممن لا تأخذه الإحكام، مقرًا أو منكرًا بلا خلاف، ويختلف إن كان منكرًا، وهو ممن تأخذه الإحكام، وعليه بالغصب البينة على قولين، جاريين على القولين في شراء ما فيه خصومة 44.
ابن رشد: والمشهور فيهما المنع 45؛ لأنه غرر، وظاهر المدونة الجواز لغير الغاصب 46، وتأولها أبو الحسن الصغير على معنى أن ربها باعها بعد أن تمكن من أخذها 47، وظاهر قوله 48 هنا: (إلَّا من غاصبه) أن ذلك يجوز؛ سواء علم أنه عازم على ردها أم لا، وليس كذلك؛ لأنه إن علم أنه غير عازم على ردها له؛ وإن طلبها منه لَمْ يدفعها له؛ لَمْ يجز بلا خلاف.
نعم، إن علم أنه عازم على ذلك فإنه يجوز بلا خلاف.
واختلف 49 إن أشكل أمره هل يجوز؟ وهو ظاهر قول مالك في العتبية، ورواية 50 عيسى عن ابن القاسم، أو يمنع؟ وهو قول مطرف، ورواه على 51 عن مالك.
ابن عبد السلام: وأكثر نصوصهم أنه لا يجوز حتى يقبضه ربه، ويبقى بيده مدة طويلة، حدها بعضهم بستة أشهر فأكثر؛ ولكن الذي في المدونة وغيرها 52 جواز
الجزء: 3 - الصفحة: 467
ذلك 53، وإلى هذا أشار بقوله: (وهل إن رده 54 لربه مدة تردد) يريد: مدة ستة أشهر ونحوها 55.
قوله: (وَللْغَاصِبِ نَقْضُ مَا بَاعَهُ إِنْ وَرِثَهُ، لا اشْتَرَاهُ) يريد: أن الغاصب إذا باع ما غصبه لشخص، ثم ورثه من ربه؟ فإن له نقض البيع بخلاف ما إذا اشتراه من ربه؛ لأنه 56 تسبب في الشراء بخلاف الميراث، وعلى ذلك نص في المدونة 57، قال في مسألة الشراء: لأنه يحلل 58 صنيعه 59. وقال أصبغ: بل يفسخ - أي: البيع الأول - مطلقًا 60.
قوله: (ووقف مرهون 61 على رضا مرتهنه) يريد: أن الراهن إذا باع الرهن بعد أن قبله 62 المرتهن؛ فإن جواز بيعه موقوف على رضا المرتهن، فإن أجازه جاز.
قال في المدونة: وعجل للمرتهن حقه، شاء الراهن حقه 63 أو أبى 64. محمد: وهذا إذا باعه بمثل الحق 65. وقال 66 مالك: وإن باعه بثمن مخالف فله نقض البيع، فإن باعه قبل أن يقبضه المرتهن فبيعه نافذ، فات أو لَمْ يفت.
وقاله محمد 67.
قوله: (وملك غيره على رضاه) أي: ووقف بيع ملك الغير على رضاه، ومعنى ذلك: أن من باع ملك غيره بغير إذنه فإن البيع موقوف على إجازة المالك، فإن أجازه
الجزء: 3 - الصفحة: 468
جاز، وإلا رده (1). وقيل: يفسخ وإن أجازه.
وهذه المسألة تعرف ببيع الفضولي.
ولا فرق (2) على ظاهر المذهب بين أن يكون المشتري عالمًا بالتعدي أم لا؟ وإليه أشار بقوله: (ولو علم المشتري) (3) وقال أشهب: إذا علم بتعدي البائع لَمْ يصح البيع (4). وقيد بعضهم الخلاف بما إذا لَمْ يكن عالمًا (5)، وإلا لَمْ يصح البيع، ومنهم من يرى أنه لا فرق، ومنهم من يقول: إنما يلزم ذلك مع حضور المالك، أو قرب مكانه، وإن كان بعيد المكان لَمْ يلزم البيع (6).
قوله: (والعبد الجاني على رضا (7) مستحقها) أي: مستحق الجناية، فإن أجازه (8) البيع جاز، وإن رده فسخ إن لَمْ يدفع له السيد المشتري الأرش - كما سيذكره -.
قوله: (وَحُلِّفَ إِد ادّعِيَ عَلَيْهِ الرِّضَا بِالْبَيعِ) أي: وحلف السيد إن ادعى عليه المجني عليه أنه إنما (9) باع العبد رضًا منه بتحمل الجناية، فإن لَمْ يحلف غرم الأرش، ونحوه في المدونة (10).
(المتن)
ثُمَّ لِلْمُسْتَحِقِّ رَدُّهُ إِنْ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ السَّيِّدُ أَوِ الْمُبْتَاعُ الأَرْشَ.
وَلَهُ أَخْذُ ثَمَنِهِ وَرَجَعَ الْمُبْتَاعُ بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ إِنْ كَانَ أَقَلَّ.
وَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ، إِنْ تَعَمَّدَهَا.
وَرُدَّ الْبَيْعُ فِي لأَضْرِبَنَّهُ مَا يَجُوزُ، وَرُدَّ لِمَالِكِهِ، وَجَازَ بَيْعُ عَمُودٍ عَلَيْهِ بِنَاءٌ لِلْبَائِع، إِنِ انْتَفَتِ الإِضَاعَةُ وَأُمِنَ كَسْرُهُ وَنَقَضَهُ الْبَائِعُ، وَهَوَاءٍ فَوْقَ هَوَاءٍ، إِنْ وُصِفَ البِنَاءُ.
وَغَرْزُ جِذْعٍ فِي حَائِطٍ، وَهُوَ مَضْمُونٌ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ مُدَّةً، فَإِجَارَةٌ تَنْفَسِخُ بِانْهِدَامِهِ.
وَعَدَمُ حُرْمَةٍ وَلَوْ لِبَعْضِهِ، وَجَهْلٍ بِمَثْمُونٍ أَوْ ثَمَنٍ، وَلَوْ تَفْصِيلًا، كَعَبْدَيْن رَجُلَيْنِ بِكَذَا.