قوله: (وَإِقْرَارُ الأَبَوَيْنِ مَقْبُولٌ قَبْلَ النِّكَاحِ لَا بَعْدَهُ) يريد أن أبوي الزوجين 3 إذا أقرا قبل عقد نكاح الولدين 4 أن الزوجين أخوان من الرضاعة، فإن قولهما مقبولٌ ويفسخ النِّكَاح 5، وإن أقرا بذلك بعد عقد 6 النِّكَاح لَمْ يقبل قولهما، قال في النوادر عن مالك: ولو كانا عدلين 7. قوله: (كَقَوْلِ أَبِي أَحَدِهِمَا ولا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ الاعْتِذَارَ؛ بِخِلافِ أُمِّ أَحَدِهِمَا فَالتَّنَزُّهُ) أي: فيفرق بينهما إذا أقر الأب بذلك بخلاف إقرار الأم، قال في المدونة: وإذا قال الأب: رضع12
الجزء: 3 - الصفحة: 398
فلان أو فلانة مع ابني الصغير أو مع ابنتي 8، ثم قال: أردت الاعتذار لَمْ يقبل منه، وإن تناكحا فرق السلطان بينهما.
وفيها أيضًا: وإن قالت الأم لرجل: أرضعتك مع ابنتي، ثم قالت: كنت كاذبة أو معتذرة لَمْ يقبل قولها الثاني، ولا أحب له 9 تزويجها 10. أبو محمد: فإن تزوجها فلا يفرق القاضي بينهما، ففرق بين إقرا ر الأب، وإقرار الأم.
وحكى اللخمي التسوية بين إقرارها عن مالك في وجوب الفرقة 11. أبو إسحاق: والأقيس ما في المدونة؛ إلَّا أن تكون الأم وصية 12. وقيل: ولو كانت وصية.
وقوله: (فالتنزه) يحتمل أن يكون 13 محذوف الخبر أي: فالتنزه مستحب، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: فيستحب التنزه بقولها.
قوله: (وَيَثْبُتُ بِرَجُلٍ وامْرَأَةٍ أَو بِامْرَأَتَيْنِ 14 إِنْ فَشَا قَبْلَ الْعَقْدِ) اختلف الأشياخ في ثبوت الرضاع بامرأتين؛ فمنهم من قال: يثبت بهما بلا خلاف، ومنهم من حكى فيه 15 قولين.
المذهب أنه يثبت بهما.
وقال ابن الجهم: لا بدَّ فيه من أربع نسوة، ولا يقبل فيه ما 16 دون ذلك من النساء 17. وعلى الأول فلا بدَّ 18 من كونه فاشيًا من قولهما قبل العقد، فإن لَمْ يكن فاشيًا من قولهما، فالمشهور وهو مذهب المدونة 19 أنه لا يثبت.
وقال مطرف وعبد الملك وغيرهما: إنه يثبت إذا كانتا عدلتين 20.
الجزء: 3 - الصفحة: 399
اللخمي: وهو أبين إلا أن يعقد 21 النِّكَاح بحضورهما ولا ينكرا 22، وأما الرجل والمرأة، فقال بعضهم: كالمرأتين، فإن فشا من قولهما قبل النِّكَاح قُبل، وإلا فلا على المشهور، ويأتي قول مطرف وعبد الملك، بل 23 هنا أولي، وكذلك اختيار اللخمي 24، فقوله: (إن فشا قبل العقد) قيد في المسألتين، وكذا قوله: (وَهَلْ تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ مَعَ الْفُشُوِّ؟ ترَدُّدٌ) أي: وإذا قلنا بأن ذلك يثبت في المسألتين إذا كان فاشيًا، فهل يشترط مع ذلك أمر آخر وهو ثبوت عدالة الرجل والمرأة، وعدالة 25 المرأتين، تردد الأشياخُ في ذلك، ومقتضى ما نقله اللخمي الاشتراط 26.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر إطلاقاتهم 27. وقال في البيان: لا يشترط العدالة إلَّا مع عدم الفشو، فأما مع الفشو فلا 28.
قوله: (وَبِرَجُلَيْنِ) نقل غير واحد 29 أنه لا خلاف في ثبوته بشهادتهما.
قوله: (لا بِمَرْأَةٍ وَلَوْ فَشَا) هذا هو المشهور، ولمالك: إن الفشو يقوم مقام امرأة أخرى.
وقد تقدم الكلام على شهادة أم أحد الزوجين فكلامه هنا في شهادة الأجنبية، ولو اكتفى بتلك عن هذه 30 لكان أحسن؛ إذ قوله: (لا بامرأة) أعم من أم أحدهما والأجنبية وقد علمت أن الحكم فيهما على المذهب سواء، والتنزه 31 فيها مستحب كما ذكر، ولهذا قال: (وَنُدِبَ التَّنَزُّهُ مُطْلَقًا) أي: (في كلّ شهادة لا توجب الفراق كالمرأة
الجزء: 3 - الصفحة: 400
الواحدة أو الرجل الواحد أو المرأتين، إذا لَمْ يفش من قولهما قبل العقد.
قوله: (وَرَضَاعُ الْكُفْرِ مُعْتَبَرٌ) أي: فلا يرتفع حكمه بالإسلام كما لا يرتفع حكم النسب به، قال في المدونة: وحرمة الرضاع بين الأحرار والعبيد 32 وفي الشرك والإسلام واحد.
قوله: (وَالْغِيلَةُ وَطْءُ المُرْضِعِ) 33 الغِيلة بكسر الغين المعجمة، وقيل: بالفتح أيضًا 34 اسم من 35 الغيل، وهو إرضاع المرأة ولدها وزوجها يطأها، وأصله من الضرر، وقيل من الزيادة، وقد ورد في الموطأ وغيره عنه - عَلَيْهِ السَّلَام - أنه قال: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلة حتى سمعت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم، 36 فاختلف في مراده - عَلَيْهِ السَّلَام - بالغيلة، فقيل: وطء المرضع، وهو مذهب المدونة 37، وهو الظاهر، فقيل: هو عام 38 سواء أنزل أم لا، وإليه ذهب ابن حبيب أو حتى ينزل، وإليه ذهب أبو عمران 39، وقيل: الغيلة إرضاع الحامل، وهو أيضًا في المدونة 40، وإنما كان الأول هو الظاهر؛ لأن المشاهدة تدل على ذلك 41 أن إرضاع الحامل مضرٌّ، وهو - عَلَيْهِ السَّلَام - قد نهى عن الغيلة للضرر كما في الحديث، وقد قال مالك: لا ينهى عنها للحديث 42، ولهذا
الجزء: 3 - الصفحة: 401
قال هنا: (وَتَجُوزُ) أي: الغيلة التي هي وطء المرضع؛ لا إرضاع الحامل فإنه مضر، والله أعلم.