(تَعْتَدُّ حُرَّةٌ وَإِنْ كِتَابِيَّةً) العدة اسم للأمد الذي لا تحل المطلقة أو المتوفى عنها 1 زوجها قبله، وهي مأخوذة من العَدِّ بفتح العين، وأنواعها 2 الأقراء والأشهر والحمل؛ فالحرة 3 وإن كتابية بثلاثة قروء كما سيذكره هنا، واحترز بقوله: (أطاقت الوطء) من الصغيرة التي لا تطيقه إذ لا عدة عليها.
قوله: (بِخَلْوَةِ بَالِغٍ) أي: خلوة يمكن معها الجماع، وأما لو خلا بها لحظة تقصر عن زمن الوطء فلا، واحترز بالبالغ من الصغير الذي لا يولد لمثله، وإن قوي على الجماع، فإن وطأه لا يوجب عدة.
قوله: (غَيْرِ مَجْبُوبٍ) أي: فلا عدة على امرأة المجبوب وهو المقطوع ذكره وأنثياه بخلاف الخصي القائم الذكر، فإن العدة تجب على زوجته، حكاه اللخمي 4 وغيره وهو ظاهر المذهب، وقال ابن حبيب: لا عدة على امرأته 5.
قوله: (أَمْكَنَ شَغْلُهَا مِنْهُ وَإِنْ نَفَيَاهُ) أي: تجب على المرأة العدة بخلوة أمكن شغلها
الجزء: 3 - الصفحة: 322
من الزوج فيها، وإن تصادقا على نفي الوطء لحق الله تعالى في العدة، واحترز بقوله: (أمكن شغلها منه) مما إذا خك بها خلوة لا يمكن معها الوطء؛ فإن العدة لا تجب كما تقدم، والمراد بالخلوة هنا هي الكائنة نعد الدخول، وهو إرخاء الستر، وسواء كانت 6 خلوة الاهتداء أو الزيارة في ذلك.
قوله: (وأُخِذَا بِإِقْرَارِهِمَا) أي: فإن لم 7 يعلم دخول ولا خلوة أخذ كل واحد من الزوجين بإقراره؛ أي: فإن أقرت المرأة بالدخول وجبت 8 العدة عليها، فإن أقر هو بذلك لزمه تكميل الصداق والكسوة والنفقة.
قوله: (لا بِغَيْرِهَا) أي: لا بغير الخلوة (إِلا أَنْ تُقِرَّ) هي بالوطء كما تقدم.
قوله: (أَوْ يَظْهَرَ حَمْلٌ ولَمْ يَنْفِهِ) أي: فإن العدة 9 تجب أيضًا فيه؛ لأنه يصير كالدخول، فإن نفي الولد فلا ينتفي إلا بلعان.
قوله: (بثَلاثَةِ أَقْرَاءٍ) هو خبر عن قوله (تعتد حرة وإن كتابية).
قوله: (أَطْهَارٍ) هو مذهبنا ومذهب الشافعي 10 وأحمد 11، وقال أبو حنيفة: الأقراء هي الحيض 12، وقال بكل قول جماعة من الصحابة والتابعين، ولكل منهما 13 أدلة 14 واحتجاجات ذكرنا بعضها في الكبير، وحكى بعض الأشياخ أن 15 عندنا قولًا كمذهب أبي حنيفة.
قوله: (وَذِي الرِّقِّ قِرْءَانِ) لا خلاف عندنا في ذلك، وشمل قوله: (ذي الرق) الأمة القِنّ والمدبرة والمكاتبة والمعتق بعضها أو إلى أجل كان الزوج في جميعهن حرًّا أو عبدًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 323
قوله: (والجمِيعُ لِلاسْتِبْرَاءِ لا الأَوَّلُ فَقَطْ عَلَى الأَرْجَحِ 16) اختلف هل الأقراء الثلاثة للاستبراء، وهو قول الأبهري 17، أو الأول منها لاستبراء الرحم والقرءان الآخران للتعبد، وهو قول القاضي أبي بكر.
ابن يونس: وقول الأبهري أبين 18، وإليه أشار بقوله: (على الأرجح).
قوله: (ولَوِ اعْتَادَتْهُ فِي كَالسَّنَةِ) أي: فإن كان 19 من عادتها انها تحيض في السنة مرة أو في كل عشرة أشهر ونحوها مرة؛ فإنها لا تخرج بذلك 20 عن كونها من أهل الأقراء، فتنتظر الأقراء الثلاثة، قاله ابن المواز 21،
ابن راشد 22: وهو الصحيح 23.
قوله: (أَوْ أَرْضَعَتْ) ابن المواز: لم يختلف قول مالك وأصحابه أن المرضع لا تعتد بالسنة، وعليها أن تنتظر 24 الأقراء الثلاثة ما دامت ترضع حتى تفطم ولدها، أو 25 ينقطع رضاعها فتأتنف ثلاث حيض 26.
قوله: (أَوِ اسْتُحِيضَتْ ومَيَّزتْ) أي: وكذلك المستحاضة إذا كانت ممن 27 تميز بين الدمين؛ فإنها تعتد بالأقراء الثلاثة لا بالسنة، وهذا قول ابن القاسم وهو المشهور، وقال ابن وهب: تعتد بالسنة وهما روايتان عن مالك، فإن لم تميز بين الدمين اعتدت بالسنة باتفاق 28.
الجزء: 3 - الصفحة: 324
قوله: (ولِلزَّوْجِ انْتِزَاعُ وَلَدِ المُرْضِعِ فِرَارًا مِنْ أَنْ تَرِثَهُ أَوْ ليَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ رَابِعَةً إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْوَلَدِ) أي: وللزوج أن ينتزع ولده من أمه المرضع خشية أن يموت وهي في العدة فترثه، وقد ورد أن حبان 29 بن منقذ طلق امرأته وهي ترضع فمكثت نحو سنة لا تحيض لأجل الرضاع، ثم مرض فخاف أن ترثه إن مات فخاصمها إلى عثمان 30، وعنده علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم-، فقال لهما 31 ما ترون؟ فقالا: نرى 32 أن ترثه؛ لأنها ليست من القواعد اللاتي يئسن من المحيض، ولا من الأبكار اللاتي 33 لم يحضن فهي عنده 34 على حيضتها وما كان 35 من قليل أو كثير لم يمنعها إلا الرضاع؛ فانتزع حبان 36 ابنه فلما حاضت حيضتين مات حبان 37 فورثته واعتدت عدة الوفاة، ولم ينكر أحد ممن حضر ذلك على عثمان -رضي الله عنه- 38، وإذا كان له انتزاع الولد خوف الميراث، فلأن يكون له ذلك إذا أراد تعجيل حيضها 39 لأجل أن يتزوج 40 أختها، أو لأن يتزوج رابعة من باب الأولى، وذلك 41 لأنه لا فائدة له 42 في منعها إلا 43 الإرث، وإنما ذلك
الجزء: 3 - الصفحة: 325
لورثته، وأما كونه يتزوج من لا تحل له أن يجمعها معها فهي فائدة تختص 44 به لكن بشرط 45 عدم الإضرار بالولد، كما إذا لم يقبل غير أمه وكان من حقه هنا أن يقيد المسألة بكون الطلاق رجعيًّا، كما فعل غيره احترازًا من البائن، فإنه لا يحتاج معها إلى انتزاع 46؛ لأنها لا ترثه فيه، ولا يمنع 47 فيه من تزويج أختها أو 48 رابعة.
قوله: (وإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ أَوْ تَأَخَّرَ بِلا سَبَبٍ أَوْ مَرِضَتْ ترَبَّصَتْ تِسْعَةَ ثُمَّ اعْتَدَّتْ بِثَلاثَةٍ) أي: وإن لم تكن المستحاضة مميزة بين الدمين تربصت تسعة أشهر استبراء، ثم ثلاثة أشهر عدة، وهذا مما لا خلاف فيه كما سبق، ومثل ذلك ما إذا ارتفع حيض المرأة 49 بغير سبب من الأسباب فإنها تمكث تسعة 50 أشهر 51 ثم ثلاثة 52 أشهر 53، وسواء كانت حرة أو أمة، وقال أشهب: تمكث الأمة أحد عشر شهرًا، تسعة 54 استبراء 55 ثم شهرين، عدة 56 واختلف في المريضة هل حكمها كذلك وهو قول ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ 57، وروي مثله عن مالك، وقال أشهب: هي كالمرضع واختاره ابن المواز 58.
قوله: (كعِدَّةِ مَنْ لَمْ تَرَ الْحَيْضَ وَالْيَائِسَةِ) يعني أن الثلاثة الأشهر التي
الجزء: 3 - الصفحة: 326
تمكثها 59 غير المميزة ومن معها بعد التسعة الأشهر هي كعدة الصغيرة التي لم تر الحيض، واليائسة التي قعدت عن الحيض ولا خلاف أن عدة هاتين ثلاثة أشهر لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ 60 إلى قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] وسواء كانت المرأة حرة أو أمة ولهذا قال: (ولَوْ بِرِقٍّ) وهو المشهور، وحكى ابن بشير قولين آخرين أحدهما أن عدتها شهر ونصف والآخر أنها شهران.
قوله: (وتُمِّمَ مِنَ الرَّابعِ فِي الْكَسْرِ) لا إشكال أن ذات الأشهر إذا ابتدأت العدة من أول الشهر أنها تعمل 61 على الأهلة، وأما إن وقع طلاقها في أثناء الشهر وهو الذي أشار إليه هنا؛ فإنها 62 تعمل 63 على الأهلة أيضا في الشهر الثاني والثالث، وتكمل في 64 الشهر الذي وقع الطلاق فيه من الشهر الرا بع، وهذا مذهب المدونة ذكره في كتاب 65 أكرية الدور 66، وصرح بمشهوريته بعض الأشياخ، وفي بعض روايات 67 المدونة أنها تكمل الأشهر الثلاثة ثلاثين ثلاثين 68.
قوله: (وَلَغَى 69 يَوْمَ الطَّلاقِ) أي: فلا يحتسب به 70 من جملة الأيام، وإليه رجع مالك، وكان 71 أولًا يقول يحتسب به إلى مثله من آخر يوم من اعتدادها.
الجزء: 3 - الصفحة: 327
(المتن)
وَإِنْ حَاضَتْ فِي السَّنَةِ انْتَظَرَتِ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ، ثمَّ إِنِ احْتَاجَتْ لِعِدَّةٍ فَالثَّلَاثَةُ.
وَوَجَبَ إِنْ وُطِئَتْ بِزِنًى أَوْ شُبْهَةٍ، وَلَا يَطَأُ الزَّوْجُ وَلَا يَعْقِدُ، أَوْ غَابَ غَاصِبٌ أَوْ سَابٍ أَوْ مُشْتَرٍ، وَلَا يُرْجَعُ لَهَا، قَدْرُهَا، وَفِي إِمْضَاءِ الْوَليِّ أَوْ فَسْخِهِ تَرَدُّدٌ.
وَاعْتَدَّتْ بِطُهْرِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ لَحْظَةً فَتَحِلُّ بِأوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ إِنْ طلِّقَتْ بِكَحَيْضٍ، وَهَلْ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُعَجِّلَ بِرُؤْيَتهِ؟ تَأْوِيلَانِ.