(إِنَّما يُلاعِنُ زَوْجٌ) اللعان لغة: البعد، يقال 1 لعنه الله أي: أبعده الله 2، وفي الاصطلاح ما سيذكره واحترز بالزوج من السيد فإنه لا لعان بينه وبين أمته، أو أم ولده ونحوهما إذا رماها بالزنى.
قوله: (وإِنْ فَسَدَ نِكَاحُهُ) أي: لأنه يلحق فيه الولد كما في الصحيح فاحتيج إلى اللعان لنفيه، قاله في كتاب محمد والنوادر والجواهر 3 وغيرها وزاد في المقدمات: وكذا إن كان حرامًا لا يقران عليه 4، وكذا في العتبية عن ابن القاسم فيمن تزوج أمة، وأختها 5، أو نحوهما، ولم يعلم ثم علم وقد حملت وأنكر الولد أنهما يتلاعنان 6.
قوله: (أَوْ فَسَقَا أَوْ رُقَّا لا كَفَرَا) يريد: أن اللعان يصح، وإن كان الزوجان فاسقين أو رقيقين أو أحدهما لا الكافرين 7، ابن شاس: غير أن 8 الذمية تلاعن لدفع العار
الجزء: 3 - الصفحة: 303
عنها 9، وتلحق بها المجوسية يسلم زوجها دونها، وفي الموازية ولعان 10 الحر المسلم زوجته الأمة أو النصرانية في نفي الولد لا في الرمي، ولا في الرؤية 11 إلا أن يريد نفي الولد في الرؤية 12، فإن لم تلتعن النصرانية لم تحد وبقيت زوجة، وإن التعنت 13 وقعت الفرقة 14، وقوله: (لا كَفَرَا) أي: إذا لم يترافعا إلينا وإلا تلاعنا قاله أبو عمران وهو ظاهر المدونة وضمير التثنية في الأماكن الثلاثة عائد على الزوجين 15.
قوله: (إِنْ قَذَفَهَا بِزِنًى) أي: إنما يلاعن زوج عن 16 زوجته إذا قذفها بزنا يريد أو غيره من الأمور التي يذكرها، وقيده بعضهم بالطوع احترازًا مما إذا رماها بزنا مكرهة، فإنها لا تلاعن إذا ثبت الإكراه، أو صدقته عليه نعم يلاعن هو؛ لنفي الولد، ولا خلاف أنه يلاعن 17 إذا رماها بصريح الزنا وهل كذلك 18 في التعريض، أو لا قولان في المدونة وغيرها 19.
قوله: (فِي نِكَاحِهِ): احترازًا مما إذا رماها بزنا قبل نكاحه فإنه يحد كما نبه عليه بقوله 20: (وإِلا حُدَّ 21). الباجي: ولا خلاف في ذلك في المذهب.
قوله: (تَيَقَّنَهُ أَعْمَى ورَآهُ غَيْرُهُ) أي: فلا يعتمد الملاعن في القذف بالزنا إلا على أمر 22 يقوى عنده فإن كان أعمى اعتمد على يقينه، وإن كان بصيرًا
الجزء: 3 - الصفحة: 304
اعتمد 23 على رؤيته، والمشهور في الأعمئ ما ذكره، وهو مذهب المدونة، وعن مالك: لا يجوز له اللعان إلا أن يقول: مسست الفرجين وهل لابد أن يصف 24 غير الأعمى كالشهود، أو رؤيته كافية، روايتان، وشهر الثانية بعض الأشياخ، وقيل: يحوز له أن يعتمد على يقينه كالأعمى، وذلك بأن يتحقق وقوع الزنا منها وإن لم يرها 25.
قوله: (وانْتَفَى بهِ مَا وُلدَ لِسِتَّةِ) أي لستة أشهر 26. أي: وانتفى بسبب لعانه.
بالرؤية، ونحوها ما ولدته المَلاعنة 27 لستة (أَشْهُرٍ) أي: فصاعدًا
قَوله: (وإِلا لَحِقَ) أي: وإن لم تأت به لستة أشهر 28 بل لما دون ذلك فإنه يلحق به؛ لأن لعانه إنما كان لرؤية الزنا لا لنفي الولد؛ ثم نبه بقوله: (إِلا أَنْ يَدَّعِيَ الاسْتِبْرَاءَ) على أن ذلك مقيد بما إذا لم يدع الاستبراء، وأما إذا ادعاه فإن الولد لا يلحق به، ولو ولدته 29 لدون ستة أشهر من يوم الرؤية، ابن رشد: بإجماع، وذكر فيما إذا لم يدع الاستبراء، هل ينتفي باللعان السابق أو لا على ثلاثة أقوال: الأول 30: أنه ينتفي على كل حال، وإن ولد 31 لأقل من ستة أشهر، وهو أحد قولي مالك في المدونة 32، والثاني: لا ينتفي بحال وإن ولد 33 لأكثر من ستة أشهر، وهو قول عبد الملك وأشهب، والثالث: التفرقة أي: فإن ولدته لستة أشهر فصاعدًا انتفى وإلا فلا، وهو قول مالك.
الثاني في المدونة وهو الذي اقتصر 34 عليه هنا 35.
الجزء: 3 - الصفحة: 305
قوله: (وبِنَفْيِ حَمْلٍ): هو معطوف على قوله: (بزنا) أي: وكذلك يلاعن بسبب نفي الولد 36، قال في المقدمات: ومذهبنا أنه يلاعن بمجرد نفي الحمل دون قذف 37.
قوله: (وِإنْ مَاتَ) أي: الولد، أو الحمل، قال في المدونة: وإن ولدت 38 ولدًا ميتًا، أو مات بعد الولادة، ولم يعلم به الزوج لغيبة، أو غيرها، ثم نفاه إذا علم به فإنه يلاعن؛ لأنه قاذف 39.
قوله: (أَوْ تَعَدَّدَ الْوَضْعُ) أي: فإن ذلك المتعدد ينتفي بلعان واحد كما إذا ولدت واحدًا بعد واحد، والزوج غائب، ثم قدم 40 فنفى الجميع.
قوله: (أَوِ التَّوْأَمُ) أي: وهكذا حكم التوأمين ينتفي الثاني منهما بلعان أولهما 41 خروجًا.
قوله 42: (بِلِعَانٍ مُعَجَّلٍ): هو متعلق بقوله: (بنفي حمل) أي: إذا نفى حمل امراته عجل لعانه، ولا يؤخر للوضع وهو المشهور، ومنعه عبد المك قبله 43 خشية أن ينفش، ورواه عن مالك 44.
قوله: (كَالزِّنَا والْوَلَدِ) أي: فإنه يكفي فيهما لعان واحد؛ لأن قوله: ما هذا الحمل مني، ولقد زنت قبل الحمل، أو بعده بمنزلة ما لو قذفها بالزنا مرات.
قوله: (إِنْ لَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ وَضْعِ أَوْ لِمُدَّةٍ لا يَلْحَقُ الْوَلَدُ لِقِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ أَوِ اسْتِبْرَاءٍ بِحَيْضَةٍ) يريد: أنه لابد مع نفي الحمل من الاعتماد على أحد أمور ثلاثة: إما إن لم يطأها بعد أن وضعت الحمل الذي هو 45 قبل هذا الولد، أو الحمل المنفي، أي: وقد طال ما بين
الجزء: 3 - الصفحة: 306
الوضعين بحيث لا يكون الثاني من بقية الحمل الأول، وإما أنه 46 أصابها 47 من مدة لا يلحقه فيها الولد؛ إما لقلة؛ مثل: أن يكون بين وضع هذا الحمل، والإصابة خمسة أشهر، ونحوها، أو لكثرة مثل: أن يكون بينهما أكثر من خمس سنين، وإما أن يعتمد 48 على الاستبراء يريد: مع رؤية الزنا، وهو المشهور.
وعن السيوري: ليس له نفيه بذلك، وعن المغيرة مثله.
وإذا فرعنا على المشهور فتكفي فيه حيضة واحدة كما قال، وشهره الباجي، وغيره، وقال عبد الملك: ثلاث حيض.
ورواه 49 يحيى عنه 50 وحكى عنه ابن عبد السلام: أنه 51 إن كانت أمة فحيضة، وإن كانت حرة فثلاث حيض 52.
قوله: (ولَوْ تَصَادَقَا عَلَى نَفْيِهِ) أي: صدقت المرأة الرجل 53 على أن الولد ليس منه فلا يفيد 54 ذلك في نفيه، ولابد من لعانه، وقيل: ينتفي بغير لعان، وهما روايتان عن مالك ذكرهما في المدونة 55 وغيرها، لكن الأكثر من الأشياخ على الرواية الأولى، وعلى كلا الروايتين تحد المرأة، لإقرارها بالزنا على نفسها.
قوله: (إِلا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) أي: فإنه حينئذ ينتفي بلا لعان؛ لأن الشرع نفاه عنه بل ولا يمكن استلحاقه لكونها أتت بالولد لأقل من ستة أشهر 56 من العقد، ومثل ذلك: ما إذا كان الزوج صغيرًا حين الحمل، أو مجبوبًا، وإليه أشار بقوله: (أَو هُوَ
الجزء: 3 - الصفحة: 307
صَبِيٌّ حِينَ الْحمْلِ أَوْ مَجْبُوبٌ)، وأشار بقوله: (أَوِ ادَّعَتْهُ مَغْرِبِيَّةٌ عَلَى مَشْرِقِيٍّ) إلى ان الرجل إذا كان حين العقد على المرأة في المشرق، وهي يومئذ في المغرب، وتولى عقد نكاحها أبوها، وهي بكر، أو وليها، وهي ثيب وعلم بقاء كل واحد من الزوجين إلى حين ظهور الحمل، ونفاه الزوج فإنه ينتفي بدون لعانه (1). قوله: (وفِي حَدِّهِ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ، أَوْ لِعَانِهِ خِلافٌ) يريد: أنه اختلف في الزوج إذا قذف زوجته قذفًا مجردًا عن التقييد برؤية، أو نفي حمل، فقيل: يحد ولا يلاعن، وهو قول ابن القاسم، والمخزومي وابن دينار وأكثر الرواه قال في المقدمات (2): وهو الأصح، وقال ابن نافع: وهو قول ابن القاسم أيضًا أنه يلاعن واختاره بعض (3) كبار المتأخرين وشهره في الإرشاد والقولان في المدونة (4).
(المتن)
وَإِنْ لَاعَنَ لِرُؤْيَةٍ وَادَّعَى الْوَطْءَ قَبْلَهَا، وَعَدَمِ الاِسْتِبْرَاءِ، فَلِمَالِكٍ فِي إِلْزَامِهِ بِهِ وَعَدَمِهِ وَنَفْيِهِ أَقْوَالٌ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيُلْحَقُ إِنْ ظَهَرَ يَوْمَهَا، وَلَا يُعْتَمَدُ فِيهِ عَلَى عَزْلٍ وَلَا مُشَابَهَةٍ لِغَيْرِهِ وَانْ بِسَوَادٍ، وَلَا وَطْأ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ إِنْ أَنْزَلَ، وَلَا وَطْءٍ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ إِنْ أَنْزَلَ قَبْلَهُ وَلَمْ يَبُلْ.
وَلَاعَنَ فِي الْحَمْلِ مُطْلَقًا، وَفِي الرُّؤيةِ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ مِنْ بَائِنٍ، وَحُدَّ بَعْدَهَا كَاسْتِلْحَاقِ الْوَلَدِ، إِلَّا أَنْ تَزْنِيَ بَعْدَ اللِّعَانِ، وَتَسْمِيَةِ الزَّانِي بِهَا، وَأُعْلِمَ لِحَدِّهِ، لَا إِنْ كَرَّرَ قَذْفَهَا بِهِ، وَوَرِثَ الْمُسْتَلْحَقُ الْمَيِّتَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ولد وَقَلَّ الْمَالُ، وَإِنْ وَطِئَ أَوْ أَخَّرَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِوَضْعِ أَوْ حَمْلٍ بِلا عُذْرٍ امْتَنَعَ.