قوله: (ثُمَّ تَمْلِيكُ سِتِّينَ مِسْكِينًا أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ لِكُلٍّ مُدٌّ وثُلُثَانِ بُرًّا) هذا هو النوع الثالث من أنواع كفارة الظهار، وهو: إطعام ستين مسكينًا لكل واحد منهم مد وثلثان بمده عليه الصلاة والسلام، وهو 6 المشهور ومن شرط صحة هذا النوع العجز عن الصيام؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4]، وقال تمليك، ولم يقل إطعام تبعًا لابن شاس 7، ونحوه في الذخيرة 8، ولا خلاف عندنا أن12345
الجزء: 3 - الصفحة: 296
العدد 9 المذكور معتبر فلا يجزئ ما دونه، ولو دفع إليهم مقدار إطعام 10 ستين مسكينًا 11 واشترط فيهم الحرية، احترازًا من العبيد، فإنهم أغنياء بساداتهم.
وقوله: (لكل مد وثلثان) أي: لكل مسكين مد وثلثان 12 يريد بمده عليه الصلاة والسلام، وهو مذهب المدونة 13، وقيل: لكل مسكين مدان، وقيل: مد 14، وقيل: مد وثلث، وقيل: مد ونصف.
وقوله: (برًا) هو تمييز 15 الجنس 16 المخرج من غيره، وقد أخذ 17 في بيان بقية الأجناس المخرجة 18، فقال: (وإِنِ اقْتَاتُوا تَمْرًا 19 أَوْ مُخْرَجًا فِي الْفِطْرِ فَعَدْلُهُ 20) أي: فإن اقتاتوا تمرًا 21 أي 22: كانت مؤنتهم 23 التمر 24 أو شيئًا من الأجناس المخرجة في زكاة الفطر فإنه يخرج منه عدل الحنطة، وهذا نحو قوله في المدونة: وإن كان عيشهم تمرًا 25 أو شعيرًا أطعم منه في الظهار عدل شبع مد هشام من الحنطة 26، ومد هشام
الجزء: 3 - الصفحة: 297
مد وثلثان بمده عليه الصلاة والسلام، عياض: ومعناه أن يقال إذا شبع الرجل من مد حنطة كم يشبعه من غيرها 27 أي: فيخرج ذلك القدر.
بعض الأشياخ ويراعي الشبع ولو زاد على مد هشام.
قوله 28: (ولا أُحِبُّ الْغَدَاءَ ولا الْعَشَاءَ كَفِدْيَةِ الأَذَى 29) يشير إلى قوله في المدونة: ولا أحب أن يغدي ويعشي في الظهار؛ لأن الغداء والعشاء لا أظنه 30 يبلغ مدًا بالهشامي 31، ولا ينبغي ذلك في فدية الأذى 32 أيضًا 33.
قوله 34: (وهَلْ لا يَنتقِلُ إِلا إِنْ أَيِسَ مِنْ قُدْرَتهِ عَلَى الصِّيَامِ أَوْ إِنْ شَكَّ قَوْلانِ فِيهَا) يريد: أنه 35 اختلف هل من شرط الانتقال عن الصيام أن يكون المظاهر قد آيس منه كما إذا كان حين العودة مريضًا وغلب عليه ظنه أنه لا يبرأ، ولا يقدر على الصيام في المستقبل، أو يكتفي في ذلك بالشك، والقولان في المدونة كما قال، ففيها 36 أن المظاهر إذا مرض بعد أن صام شهرًا لم يكن له أن يطعم وينتظر إفاقته، فإذا صح صام إلا أن يعلم أن ذلك المرض لا يقوى صاحبه على الصوم بعده فيصير حينئذ من أهل الإطعام، وفيها أيضًا، وكل مرض يطول بصاحبه ولا يدري أيبرأ منه أم لا فليطعم، ويجزئه ذلك إن صح؛ لأن مرضه كان إياسًا فظاهر الأولى أَنَّ ظن 37 القدرة في المستقبل، أو 38 التردد في ذلك يمنع من الإطعام، وظاهر الثانية أن التردد لا يمنع منه 39، واختلف هل
الجزء: 3 - الصفحة: 298
ذلك اختلاف وإليه ذهب ابن شبلون وغيره 40، أو ترد إحدى المسألتين إلى الأخرى؟ وإليه ذهب جماعة من القرويين قالوا: ومعنى ذلك أن المكفر في المسألة الأولى دخل في الصوم وتشبث 41 به، وفي الثانية لم يدخل وإلى هذا أشار بقوله: (وتُؤُوِّلَتْ 42 أَيْضًا عَلَى أَنَّ الأَوَّلَ قَدْ دَخَلَ فِي الْكَفَّارَةِ)، وإذا قلنا: إن كل مسألة على ظاهرها فيتحصل 43 في ذلك أربعة أقوال: الأول: لأشهب في المسألة الأولى أنه ينتقل إذا أخذه المرض، والثاني: لابن القاسم في الأولى أيضًا لا ينتقل حتى يعلم أنه لا يقدر على الصوم إن أفاق، والثالث: لأشهب في الثانية أنه ينتقل إن طال مرضه، والرابع: لابن القاسم في الثانية لا ينتقل حتى يشك هل هو يبرأ 44 أم لا 45.
قوله: (وإِنْ أَطْعَمَ مِائَةً وعِشْرِينَ فَكَالْيَمِينِ) مراده: أن من عليه كفارة ظهار فلا يجزئه أن يطعم طعام الستين لمائة 46 وعشرين؛ لأن العدد معتبر وهكذا قال في المدونة 47، وقد تقدم في كفارة اليمين أنه لو أطعم طعام العشرة مساكين لعشرين لم يجزئه 48 إلا أن يكمل لعشرة منهم مدًا مدًا، وكذلك هنا إذا أكمل لستين 49 أجزأه 50 وقد نبه عليه بقوله: (فكاليمين).
قوله: (وللْعَبْدِ إِخْرَاجُهُ إِنْ أَذِنَ سَيِّدُهُ) أي: إخراج الطعام وهو واضح.
قوله: (وفِيهَا أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَصُومَ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الإِطْعَامِ، وهَلْ هُو وَهْمٌ؛ لأَنَّهُ الْوَاجِبُ، أَوْ أَحَبُّ لِلْوُجُوبِ، أَوْ أَحَبُّ لِلسَّيِّدِ عَدَمُ الْمَنْعِ، أَوْ لِمَنْعِ السَّيِّدِ لَهُ الصَّوْمَ، أَوْ عَلَى
الجزء: 3 - الصفحة: 299
الْعَاجِزِ حِينَئِذٍ فَقَطْ؟ تَأْوِيلاتٌ) أي 51: وفي المدونة أحب إلى مالك للعبد أن يصوم، وإن أذن له سيده في الإطعام 52، واختلف الأشياخ هل ذلك وهم منه؛ لأنه 53 الوا جب عليه هو الصيام لا الإطعام، وهو ظاهر كلام ابن القاسم وعليه نص في المبسوط، فقال: لا أدري ما هذا؟ ولا أرى جواب مالك فيها إلا وهمًا 54، ونحوه لسحنون 55، وذهب الأكثرون إلى تأويل قول الإمام إلا أنهم اختلفوا فمنهم من قال 56 وهو أبو عمران وغيره: (إن 57 أحب) للوجوب، وذهب القاضي عياض إلى أنها على بابها من ترجيح أحد الأمرين، قال: وكلامه محمول على ما إذا منعه السيد من الصوم، لأنه يضر به 58 في خدمته والعبد قادر عليه قال: وهو قول محمد، فإنه قال: إذا أذن له سيده في الإطعام ومنعه الصوم أجزأه، وأصوب أن يكفر بالصيام، وإليه أشار بقوله: (أَوْ لِمَنْعِ السَّيِّدِ لَهُ الصَّوْمَ) أي أحب للسيد لمنعه الصوم ينبغي أن الاستحباب متوجه للسيد لأجل منفعة العبد من الصوم فالمنع علة الاستحباب والاستحباب نحصوص بحالة المنع 59، وذهب إسماعيل القاضي إلى (إن أحب) ترجع للسيد أي: إن 60 أذن السيد للعبد في الصيام أحب إليَّ من أذنه له في الإطعام ومال إليه الأكثرون 61، وذهب الأبهري إلى أن قوله: (الصوم أحب إليَّ) محمول على ما إذا كان عاجزًا في الحال قادرًا على الصوم في الاستقبال، فإن أذن 62 له السيد في الإطعام فأحب إليَّ أن يصبر حتى
الجزء: 3 - الصفحة: 300
يكفر بالصيام (1).
(المتن)
وَفِيهَا إِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ فِي الْيَمِينِ أَجْزَأَهُ وَفِي قَلْبِي مِنْهُ شَيءٌ.
وَلَا يُجْزِئُ تَشْرِيكُ كَفَّارَتَيْنِ فِي مِسْكِينٍ، وَلَا تَرْكِيبُ صِنْفَيْنِ.
وَلَوْ نَوَى لِكُلٍّ عَدَدًا، أَوْ عَنِ الْجَمِيعِ كَمَّلَ، وَسَقَطَ حَظُّ مَنْ مَاتَ.
وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلاثًا عَنْ ثَلَاثٍ مِنْ أَرْبَعٍ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً حَتى يُخْرِجَ الرَّابِعَةَ، وَإنْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ أَوْ طَلُقَتْ.