قوله: (وَقُبِلَ تَفْسِيرُ: قَبِلْتُ أَوْ قَبِلْتِ أَمْرِي، أَوْ مَا مَلَّكْتَنِي بِرَدٍّ أَوْ طَلاقٍ أَوْ بَقَاءٍ) يريد: أن الجواب إذا كان محتملًا نحو: قبلتُ أو قبلتُ أمري أو ما ملكتني أي ويقبل 2 تفسيرها عنه بأحد أمور ثلاثة؛ إمَّا أن تقول: قصدتُ به رد ما جعله بيدي واستمراري زوجة، أو تقول 3: قصدت به الطلاق، أو تقول: قصدت به البقاء على الارتياد 4 والنظر في الأمر، وهذا هو المشهور، وقيل: لا بدَّ من الطلاق إذا قالت 5: قبلت أمري، وهل 6 قبلت نفسي كقبلت أمري، أو لا بدَّ من 7 الطلاق في ذلك؟ قولان.
قوله: (وَنَاكَرَ مُخَيَّرَةً لَمْ تَدْخُلْ، وَمُمَلَّكَةً مُطْلَقًا إِنْ زَادَتَا 8 عَلَى طَلْقَةٍ) يريد أن المخيرة غير المدخول بها له أن يناكرها فيما زاد له على الواحدة، أي وليس له مناكرة المدخول بها، وأما المملكة فله مناكرتها في ذلك مطلقًا مدخولًا بها أم لا، فإن أوقع أكثر من واحدة فله المناكرة، بأن يقول: إنما قصدت واحدة، ثم أشار إلى أن ذلك مقيد1
الجزء: 3 - الصفحة: 210
بخمس 9 قيود 10، فقال: (إِنْ نَوَاهَا وَبَادَرَ وَحَلَفَ إِنْ دَخَلَ 11) أي: فلا يتم له ذلك حتى ينوي الطلقة.
يريد: عند التفويض، فلو نواها بعده أولم ينو شيئًا وقع ما قضت عليه، وإن تبادر إلى مناكرتها على الفور، وأن يحلف فإن لم يحلف ففي المبسوط يلزمه الثلاث.
قوله: (إِنْ دَخَلَ) قيد في حلفه؛ أي: فيحلف إن كانت المرأة مدخولًا بها مكانه 12؛ إذ له الرجعة.
قوله: (وَإِلا فَعِنْدَ الارْتِجَاعِ) أي: فإن لم يدخل حلف عند إرادة التزويج ولا يحلف قبله إذ لعله لا يتزوجها، قاله محمد 13، واختار الباجي عدم لزوم اليمين في المدخول بها أيضًا، إلا إذا أراد أن يرتجعها 14.
قوله: (وَلَمْ يُكَرِّرْ: أَمْرُهَا بِيَدِهَا، إِلا أَنْ يَنْوِيَ التَّأْكِيدَ) أي: فإن كرره ولم ينوِ التأكيد فلا مناكرة له، قال 15 في المدونة: وإن قال: أمرُك بيدك، أمرُك بيدك، أمرُك بيدك 16، فطلقت نفسها ثلاثًا، سئل الزوج عما أراد؛ فإن نوى واحدة حلف وكانت واحدة 17، وإن نوى الثلاث وقعت، وإن لم ينو شيئًا فالقضاء ما 18 قضت به من واحدة فأكثر ولا مناكرة له 19.
قوله: (كَنَسْقِهَا هِيَ) يشير به أيضًا 20 إلى قوله في المدونة: وإن ملكها قبل البناء،
الجزء: 3 - الصفحة: 211
ولا نية له فطلقت نفسها واحدة ثم واحدة ثم واحدة 21، فإن نسقتهن 22 لزمه الثلاث إلا أن تنوي هي واحدة، كطلاقه إيَّاها إذا كان نسقًا 23 قبل البناء 24.
قوله: (وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْعَقْدِ) أي: إنما يكون 25 له المناكرة إذا لم يكن التمليك مشترطًا في عقد النكاح، وأما إن كان كذلك فليس له مناكرتها، وقاله في المدونة، فإن ملكها في أصل 26 العقد طوعًا فله مناكرتها، قاله غير واحد، فإن لم ينص لا على طوعٍ ولا على اشتراط بل أطلق فهل يحمل على الطوع، وهو قول ابن القصار 27 أو على الاشتراط وهو قول أبي الوليد، وابن فتحون 28، وإليه أشار بقوله: (وَفِي حَمْلِهِ عَلَى الشَّرْطِ إِنْ أَطلَقَ قَوْلانِ).
قوله: (وقُبِلَ إِرَادَةُ الْوَاحِدَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ لَمْ أُرِدْ طَلاقًا) أي: فإن قضت بأكثر من واحدة، فقال: لم أرد بالتمليك الطلاق، فقيل له: إذا لم ترد به 29 ذلك يلزمكه 30 ما أوقعت فرجع، وقال: إنما أردت تطليقة 31 فإنه يقبل قوله 32. ابن القاسم عن مالك: بعد أن يحلف، وقال أصبغ: لا يقبل منه؛ لأنه ندم منه 33، قال: والأول وهم من قائله، واختاره غير واحد من الأشياخ 34، وإليه أشار بقوله: (والأَصَحُّ خِلافُهُ) ثم قال 35:
الجزء: 3 - الصفحة: 212
(وَلَا نُكْرَةَ لَهُ إِنْ دَخَلَ فِي تَخْيِيرٍ مُطْلَقٍ) قد تقدم أن حكم المخيرة قبل الدخول حكم المملكة (1) في المناكرة، ولهذا قيد كلامه هنا بالمدخول بها، ولو سكت عن ذكر الدخول (2) لفهم مما قدمه، واحترز بالمطلق مما لو قال: اختاري (3) في (4) طلقة أو طلقتين أو نحو ذلك، فإذا حصل الأمران، وهما الدخول والتخيير المطلق فلا مناكرة له، وهو مذهب المدونة، واختيارها ثلاث وإن لم ينوها (5)، وإن قضت بدونها فلا حكم له (6)، وعن مالك أن اختيارها واحدة بائنة، واختاره اللخمي.
وقال ابن الجهم: له المناكرة في الثلاث، والطلقة بائنة (7). عياض: وهو الظاهر عندي، وظاهر قول سحنون أن له المناكرة، والطلقة رجعية (8).
(المتن)
وَإِنْ قَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي سُئِلَتْ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ، فَإِنْ أَرَادَتِ الثَّلَاثَ لَزِمَتْ فِي التَّخْييرِ وَنَاكَرَ فِي التَّمْلِيكِ، وَإنْ قَالَتْ وَاحِدَةً بَطَلَتْ فِي التَّخْيِيرِ.
وَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ أَوِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ؟ تَأْوِيلَانِ.
وَالظَّاهِرُ سُؤَالُهَا إِنْ قَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي أَيْضًا، وَفِي جَوَازِ التَّخْيِيرِ قَوْلَانِ.
وَحَلَفَ فِي اخْتَارِي فِي وَاحِدَةٍ، أَوْ فِي أَنْ تُطَلِّقِي نَفْسَكِ طَلْقَةً وَاحِدَةً، لَا اخْتَارِي طَلْقَةً.
وَبَطَلَ إِنْ قَضَتْ بِوَاحِدَةٍ فِي اخْتَارِي تَطْلِيقَتَيْنِ أَوْ فِي تَطْلِيقَتَيْنِ وَمِنْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَلا تَقْضِي إِلَّا بِوَاحِدَةٍ.