(وَرُكْنُهُ: أَهْلٌ، وَقَصْدٌ، وَمَحَلٌّ وَلَفْظٌ) أي: وركن الطلاق -يريد مطلقًا- سنيًّا كان أو غيره بعوض أم لا، وذكر له أربعة أركان، وسنذكرها 6 مبينة؛ والمراد بالأهل هنا 712345
الجزء: 3 - الصفحة: 168
موقع الطلاق زوجًا كان 8 أو غيره، وبالقصد إرادة 9 إيقاع الطلاق، وبالمحل الزوجة، وباللفظ الصيغ الصادرة من الوقع.
قوله: (وَإِنَّمَا يَصِحُّ طَلاقُ المُسْلِمِ المُكَلَّفِ) هذا شروع منه في الكلام على الأهل، وذكر أنه لا يصح طلاقُه إلا إذا اجتمع فيه وصفان: الإسلامُ والتكليفُ؛ فلا ينفذ طلاق الكافر خلافًا للمغيرة 10، ولا طلاق الصبي والمجنون والمعتوه، ولو ناهز 11 الصبي الاحتلام خلافًا لما نقله ابن شعبان، قال: وإن كان المجنون يفيق أحيانًا فأوقع ذلك في حال إفاقته لزمه.
قوله: (وَلَوْ سَكِرَ حَرَامًا) أي: فيصح من السلم الكلف ولو كان سكرانًا سكرًا حرامًا، واحترز بذلك مما إذا أكل طعامًا أو شرب لبنًا فسَكِرَ منه؛ فإن طلاقه في تلك الحال لا يلزمه، وحكى الطحاوي إجماع الفقهاء على ذلك 12، وما ذكر من نفوذ طلاق السكران هو المشهور، وقيل: لا يلزمه، حكاه ابن شاس وغيره عن 13 المازري 14، وظاهره سواء كان عنده تمييز أم لا.
وعند الباجي وابن رشد أن الخلاف مقصور على من عنده بقية من عقله، وأمَّا المطبق فلا يلزمه باتفاق وهو كالجنون 15 وإلى هذين الطريقتين أشار بقوله: (وَهَلْ إِلا أن لا يميز أَوْ مُطْلَقًا؟ ترَدُّدُ).
ولابن بشير طريقة أخرى وهي 16 أن الطلاق يلزمه إن كان عنده ميز بلا خلاف وإلا فإنه 17 يلزمه على المشهور، وهو منقول عن ابن شعبان 18.
الجزء: 3 - الصفحة: 169
قوله: (وَطَلاقُ الْفُضُولِيِّ كَبَيْعِهِ) أي: فإن أجاز الزوج طلاقه الذي أوقعه 19 على زوجته لزمه ذلك، كما لو باع سلعته بغير إذنه فأجاز البيع، فإنه يلزمه، فإن لم يجزه لم يلزمه طلاق ولا بيع.
قوله: (وَلَزِمَ وَلَوْ هَزْلًا) هذا مما يتعلق 20 بالركن الثاني وهو القصد؛ أي: ولزم الطلاق، ولو هزل فيه المطلق، وهذا هو المشهور، وفي السليمانية قول بعدم اللزوم 21، وقيل: إن أقام عليه دليلًا أيلزمه وإلا لزمه، وحجة المشهور قوله عليه السلام: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق والرجعة".
قوله: (لَا إِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ فِي الْفَتْوَى) أي: كما إذا قصد التلفظ بغير الطلاق فزلَّ لسانه فتلفظ به، فإنه يعذر بذلك ولا يلزمه شيء، واحترز بقوله: (في الفتوى 22) مما إذا أسرته 23 البينة، فإنه لا يعذر ويلزمه الطلاق، وأشار بعض الأشياخ إلى أن الشهود إذا فهموا من قرينة الحال صدقه وأنه 24 أراد أن يتكلم بغير الطلاق فزلَّ لسانُه فتكلم بالطلاق فإنه ينفعه ذلك، وهو صحيح في النظر.
قوله: (أَوْ لُقِّنَ بِلَا فَهْمٍ) يريد كالأعجمي يلقن لفظ الطلاق بالعربية وهو لا يفهم ذلك 25، وعكسه العربي يلقن ذلك بالأعجمية ولا فهم عنده باللفظ الصادر منه، فإنه لا يلزمه ذلك؛ لعروه عن القصد الذي هو أحد أركان الطلاق، أمَّا إذا فهما ما لقنا وأوقعاه 26 بذلك اللسان مع ذلك 27 القصد، فإنه يقع بلا خلاف.
قوله: (أَوْ هَذَى لِمَرَضٍ) أي: وكذلك لا يلزم طلاق المريض إذا أوقعه 28 في حال
الجزء: 3 - الصفحة: 170
هذيانه من شدة مرضه إلحاقًا له بالمجنون، وقاله في الموازية مالك، ويحلف أنه لم يعقل ذلك 29 ولا شيء عليه 30.
قوله: (أَوْ قَالَ لِمَنِ اسْمُهَا طَالِقٌ: يَا طَالِقُ، وَقُبِلَ مِنْهُ فِي طَارِقٍ الْتِفَاتُ لِسَانِهِ) يريد أن من كان له زوجة اسمها طالق، فقال لها: يا طالق لم يلزمه طلاق؛ أي: إذا قصد النداء، وقاله في الجواهر، قال: وإذا كان اسم زوجته طارقًا، فقال: يا طالق، ثم قال: التفتَ لساني، قُبِلَ ذلك منه في الفتيا 31.
قوله: (أَوْ قَالَ: يَا حَفْصَةُ فَأَجَابَتْهُ عَمْرَةُ فَطَلَّقَهَا، فَالمَدْعُوَّةُ وَطُلِّقَتَا مَعَ الْبَيِّنَةِ) أي: فإن كان له زوجتان اسم واحدة حفصة والأخرى عمرة، فقال: يا حفصة، فأجابته عَمْرةُ، فقال لها: أنت طالق 32، يظنها حفصة، فإن لم تكن هناك بينة طلقت حفصة فقط وهو مراده بالمدعوة، وإن كان ثم بينة طلقتا معًا.
ومعنى (فطلقها) أي: أوقع عليها الطلاق لفظًا كما تقدَّم، وحكى ابن الحاجب في هذه المسألة أربعة أقوال 33: قول بطلاقهما معًا، وقول بعدمه فيهما معا 34، والقول الذي ذكره هنا، وقول 35 بطلاق المخاطبة 36، والأقوال هكذا منصوصة فيمن له عبدان اسم أحدهما مرزوق والآخر ناصح، فقال: يا ناصح، فأجابه مرزوق، فقال: أنت حر، وخرجها الأشياخ في مسألة الطلاق على ما قدمناه وبعضها منصوص 37.
قوله: (أَوْ أُكْرِهَ) هذا هو الصحيح، وهو مذهبنا ومذهب 38 الأكثرين، والأصل فيه قوله عليه السلام: "حمل عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وقوله عليه السلام: "لا
الجزء: 3 - الصفحة: 171
طلاق في إغلاق" أي: 39 إكراه؛ ولأن الإكراه يتعذر معه القصد الذي هو أحد أركان الطلاق، وسواء أكره على اليمين أو على 40 الحنث، وعن بعض المتأخرين إلا أن يترك 41 التورية مع العلم بها والاعتراف بأنه لم يدهش بالإكراه عنها.
قوله: (وَلَوْ بِكَتَقْوِيمِ جُزْءِ الْعَبْدِ) أي: إذا حلف: لا باع نصف عبده فأعتق شريكه نصيبه فعتق عليه حنث.
ابن شاس: إلا أن ينوي إلا أن يغلب عليه، وقال المغيرة: لا حنث عليه إذا أراد 42: لا بعته طوعًا 43، والأول مذهب المدونة، وعندي أن قول المغيرة ليس بخلاف، وينبغي أن يقيد كلام الشيخ بذلك، وإلا فهو خلاف المشهور.
قوله: (أَوْ فِي فِعْلٍ) أي أن الإكراه في الفعل كالإكراه في القول، كما لو حلف: لا أدخل دار فلان، فأكره على دخولها، وهو أكثر نصوص أهل المذهب، وعن عبد الملك وسحنون أنه مقصور على القول 44، ما لم يخف القتل.
قوله: (إِلا أَنْ يَتْرُكَ التَّوْرِيةَ مَعَ مَعْرِفَتِهَا) قد تقدَّم هذا من كلام بعضهم، وظاهره أنه تقييد 45 وهو ظاهر كلام اللخمي، وكلام ابن شاس يقتضي أنه خلاف، وكذا قال ابن بشير 46.
قوله: (بِخَوْفٍ مُؤْلِمٍ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ قَيْدٍ أَوْ صَفْعٍ لِذِي مُرُوءَةٍ بملأ) أي: أكره بخوف مؤلم إلى آخره، ومراده بذلك أن الإكراه الذي لا 47 يثبت معه حكم يكون بخوف مؤلم من الضرب أو القتل أو السجن أو نحو ذلك؛ لا بحصوله لذهاب النفس المكرهة بالقتل 48،
الجزء: 3 - الصفحة: 172
ونصوصهم متواترة (1) على عدم اشتراط وقوع (2) ما يتخوف به، وأن التهديد (3) بوقوعه كاف في رفع الحكم.
قوله: (أَوْ صَفْعٍ لِذِي مُرُوءَةٍ) احترازًا عن غيره، فإن الصفع لا يكون إكراهًا في حقه.
قوله: (بمَلأٍ) احترازًا مما لو فعل به ذلك في الخلوة، فإنه لا يكون إكراهًا.
قوله: (أَوْ قَتْلِ وَلَدِهِ) أي: وهكذا يحصل الإكراه بخوف قتل الولد ونحوه في الجواهر (4)، ولم يحك (5) فيه خلافًا.
قوله: (أَوْ لمَالِهِ) أي: وكذا يحصل الإكراه بأخذ المال، كقوله: احلف على كذا وإلا أخذت مالك، فحلف له خوفًا، فإنه لا يحنث بذلك، ويكون معذورًا، كالخوف على نفسه، وهو قول مالك وأكثر أصحابه، وقال أصبغ: لا يعذر ويكون حانثًا، وروي مثله عن مالك وابن القاسم وعبد الملك ومطرف (6) وابن عبد الحكم، واختاره ابن حبيب، وفصل أيضًا عبد الملك بين المال الكثير فيعذر به ولا يحنث، وبين القليل (7) فلا يعذر به ويحنث.
ابن عبد السلام: وهو أقربها عندي وبعضهم يجعله تفسيرًا.
ابن بزيزة: والصحيح أنه إكراه (8) إلا في اليسير الذي لا قدر له (9).
(المتن)
وَهَلْ إِنْ كَثُرَ؟ تَرَدُّدٌ.
لا أَجْنَبِي، وَأُمِرَ بِالْحَلِفِ لِيَسْلَمَ، وَكَذَا الْعِتْقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالإِقْرَارُ، وَالْيَمِينُ، وَنَحْوُهُ.
وَأَمَّا الْكُفْرُ، وَسَبُّهُ عَلَيهِ السَّلامُ، وَقَذْفُ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْقَتْلِ، وَصَبْرُهُ أَجْمَلُ، كَالْمَرْأَةِ لا تَجِدُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهَا إِلَّا لِمَنْ يَزْنِي495051525354555657
الجزء: 3 - الصفحة: 173
بِهَا، لا قَتْلُ الْمُسْلِمِ وَقَطْعُهُ وَأَنْ يَزْنَيَ، وَفِي لُزُومِ طَاعَةٍ أُكْرِهَ عَلَيْهَا قَوْلَانِ.
كَإِجَازَتِهِ كَالطَّلاقِ طَائِعًا، وَالأَحْسَنُ الْمُضِيُّ،