قوله: (فأجبتُ سؤالهم بعد الاستخارة، مشيرًا بـ "فيها" للمدونة).
لا شك أن الخيرة له في ذلك؛ إذ ذلك نفعٌ متعمَّد مقصودٌ به وجهُ الله تعالى، فجزاه الله تعالى خيرًا.
وأشار (بفيها) لأنها تغني عن غيرها، ولا يغني غيرُها عنها عند أهل المذهب، فهي مستحضرة ذهنًا.
ولما التزم وضع هذا على القول المفتى به، وحصل الخلاف في تأويلها تارة، وتارة حصل الخلاف في التشهير، والترجيح انتخَبَ اصطلاحًا معينًا له على الاختصار؛ فقال بعد ذلك: (وبـ "أُوِّلَ" إلى اختلاف شارحيها في فهمها).
أي ومشيرًا (بأُوِّلَ) إذ التأويل لا يتبادر إلى ذهن 1 المالكي إلا إلى تأويلها؛ لا سيما وقد حصل التنبيه على ذلك.
ثم قال: (وبـ "الاختيار" للخمي، لكن إن كان بصيغة الفعل فذلك لاختياره هو في نفسه، وبالاسم فذلك لاختياره مِنَ الخلافِ).
أي: ومشيرًا باللفظ المؤدي إلى معنى الاختيار للشيخ أبي الحسن اللخمي 2، فلهذا
الجزء: 1 - الصفحة: 70
قال: (لكن) إلى آخره.
والصيغة هي الفعل الماضي واسم المفعول.
ثم قال: (وبـ "الترجيح" لابن يونس كذلك).
أي: ومشيرًا باللفظ المؤدي إلى معنى 3 الترجيح لابن يونس 4، لكن إن كان بصيغة الفعل فلاختياره في نفسه، أو بالاسم فلاختياره من الخلاف.
وقوله: (وبـ "الظهور" لابن رشد 5، كذلك، وبـ "القول" للمازري 6، كذلك) وصيغة الفعل في الترجيح (رَجح)، وصيغة الاسم (الأرجح)، = عن قواعد المذهب.
اهـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 8/ 109، والديباج، لابن فرحون: 2/ 104 و 105، وشجرة النور، لمخلوف، ص: 117، ومقدمة الحطاب على خليل: 1/ 35، ومعالم الإيمان: 3/ 200.
الجزء: 1 - الصفحة: 71
وصيغة الاسم في الظهور (الأظهر)، وفي القول (المقول)، ولما قرر هذا وبقيت مسائل اختلف الشيوخ في التشهير فيها، وبعضها لم يطلع فيه على أرجحية منصوصة.
قال: (وحيث قلت: "خلافٌ"، فذلك للاختلاف في التشهير، وحيث ذكرت "قولين" أو "أقوالًا"، فذلك لعدم اطلاعي في الفرع على أرجحيةٍ منصوصةٍ).
لأنَّ الشيوخ إن اتفقوا على تشهير شيء 7 أو اختلفوا، وكان المشهِّر 8 الواحد أعلم وأكثر تحقيقًا من الآخر اقتصر عليه ليعتمد عليه المفتي؛ لكن يشير إلى الخلاف بالمبالغة، وإن تساوى المشهِّران 9 في الرتبة ذكر الخلاف.
فابن رشد تشهيرُه مقدم على تشهير ابن بزيزة 10، وأمَّا ابن رشد والمازري وعبد الوهاب 11 فمتساوون 12 في الرتبة - رحمهم الله تعالى أجمعين ونفعنا بهم بفضله المزيد - وقس على ذلك.
وإن لم يُشَهّر شيء، ولم يُرَجّح، ولم يستحسن، ولم يصوّب، وحصل التساوي ذكر قولين أو أقوالًا على حسب المسائل الواقعة في هذا الكتاب، ويصير للمفتي - إن شاء
الجزء: 1 - الصفحة: 72
الله - ذكر ما شاء منها، أو ذكر القولين، أو أقوالًا للمستفتي ليختار أيَّها أحبَّ على ما نبه عليه اللخمي في القصرِ في الصلاة من التبصرة، وسيأتي نصُّه إن شاء الله تعالى؛ لكن جرى عمل الشيوخ على أن المفتي يحكي القولين أو الأقوال عند المالكية، فلذلك اقتصر المصنف عليه.
تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه فسيح جنته بمنه وكرمه.
قوله: (وأعتبر من المفاهيم مفهوم الشرط فقط).
أي يعتبر في هذا المختصر من مفاهيم المخالفة 13 مفهوم الشرط فقط غالبًا 14، فيستغنى بمفهوم الشرط عن 15 التصريح بذلك المفهوم نحو قوله: (وفي الاتفاق على السلب به إن صنع تردُّدٌ): أي على سلب طهورية الماء المتغير بالملح إن صُنِعَ تَردُّدٌ؛ مفهومه أن غير المصنوع لا يتفق على 16 سلب طهوريته، ومثل قوله: (وما لا يتوقى نجسًا من ماء، لا إن عسر الاحتراز منه) أي: ومن المكروه سؤر الذي لا يتوقى نجسًا من الذي استعمل الطعام والشراب من الدواب التي لا يُرى على أفواهها وقت استعمالها نجاسةٌ، ولا إشكال أن الدواب منها ما يعسر الاحتراز منها، ومنها ما لا يعسر الاحتراز منها 17، فقال: (لا إن عسر الاحتراز منه فيُغْتَفَر للمشقة) لأنَّ مفهومه أن الذي لا يعسر الاحتراز منه بقية مَائِهِ الذي يشرب منه مكروه، ومفهوم الشرط الواقع بعد لا النافية يقتضي نفي الكراهة، فاستغنى بهذا المفهوم عن النطق به إرادةً للاختصار.
الجزء: 1 - الصفحة: 73
وسيأتي لهذا مزيد بيان في موضعه إنْ شاء الله تعالى.
ومثال الذي يعسر الاحتراز منه: الهر، والفأرة، ونحوهما.
وما لا يعسر نحو: البغال والحمير.
بخلاف غيره من المفاهيم فلا يُعْتَبَر بل يصرِّح بذكره دون [غيره] 18 من مفاهيم المخالفة؛ لأنَّ مفهوم 19 الموافقة 20: كون المسكوت عنه موافقًا في الحكم، ويسمى لحن الخطاب 21 كتحريم الضرب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]، وكالجزاء بما فوق المثقال من: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]، وهو تنبيه بالأدنى، فلا يحسن تقديم مفهوم الشرط عليه؛ لأنَّ من نفى القياس قال به، وهو قطعيٌّ كالمثالين، وظنيٌّ كقول الشافعي - رضي الله عنه - في كفارة العمد واليمين الغموس.
أمَّا تقديم مفهوم الشرط على مفاهيم المخالفة، وهو كون المسكوت عنه مخالفًا في الحكم، ويسمى دليل الخطاب؛ فلأنه أقوا ها ولا يسمي 22 مفهوم اللقب الذي هو أضعفها، ولم يقل به إلا طائفة منهم الدقاق وبعض الحنابلة.
وقد عُلم أنّ المفهوم ما دلَّت 23 عليه في محل النطق دلالة المنطوق، وهو: صريح، وهو: ما وضع اللفظ له، وغير صريح ما يلزم عنها 24 اللفظ؛ فإن قصدوا توقفَ
الجزء: 1 - الصفحة: 74
الصدقِ عليه، والصحة العقلية أو الشرعية عليه، فدِلالةُ اقتضاءِ مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانُ" 25، وإن لم يتوقف، واقترن بحكم أو 26 لم يكن لتعليله كان بعيدًا، فتنبيهٌ وإيماء.
وإن لم يقصد فدِلالة إشارة مثل: "النسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ" 27 قيل: يا رسول الله، وما نقصان دينهنَّ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي" 28، فليس المقصود بيان أكثر الحيض وأقل الطهر، ولكن لزم من أن 29 المبالغة تقتضي 30 ذلك.
وقد ذكر ابن الحاجب ذلك وغيره في موضعه من أصول الفقه مبيَّنًا.
وقلت: غالبًا؛ لأنَّ المصنف تارة يعتبر مفهوم الشرط، وتارة لا يعتبر مفهوم الشرط، وصرح به في اللفظ لفائدةٍ اقتضت ذلك؛ إمَّا لأنَّ القيودَ التي يذكرها يرتب عليها
الجزء: 1 - الصفحة: 75
فروعًا فيصرح بمفهوم الشرط مثلًا ليذكر ذلك الفرع المرتب عليه أو لغير ذلك كما سيأتي، أو (1) ليعطف على هذا اللفظ المذكور (2) ما سواه في الحكم قصدًا للتسهيل والاختصار، ولغير ذلك من المقاصد الجميلة المعينة على فهمه وسرعة حفظه، وإن لم يحمل على ذلك حصل التكرار في بعض المسائل والإخلال في بعضها، وسيتبين لك هذا (3) إن شاء الله عند شرح لفظه في موضعه، وذكرت ذلك هنا لأستغني به عن ذكره في كل مسألة يحصل فيها ذلك؛ إذ ذلك لا يخفى عن الأيقاظ لا سيما المشتغلين الحفاظ.
(المتن)
وَأُشِيرُ بِـ "صُحِّحَ" أَوِ "اسْتُحْسِنَ" إِلى أَن شَيْخًا غَيرَ الَّذِينَ قَدَّمْتُهُمْ صَحَّحَ هَذَا أَوِ اسْتَظْهَرَهُ، وَبِـ "التَّرَدُّدِ" لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ، أَوْ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَبِـ "لَوْ" إِلَى خِلافٍ مَذْهَبِي.