(طَلَاقُ السُّنةِ وَاحِدَةٌ بِطُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بِلا عِدَّةٍ) المراد بطلاق السُّنة؛ أي الطلاق 1: الذي أذن فيه الشرع، وإنما اختصت السنة بإضافة ذلك إليها، وإن كان الإذن قد وقع في القرآن، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] لأنَّ الآية لم يعلم منها القيود التي ذكرها، وإنما علمت من السنة، وذكر أن القيود المعتبرة في ذلك أربعة:
الأول: أن يكون الطلاق واحدة، فإن زاد عليها فهو بدعي، قال في المقدمات 2: ويكره ذلك.
وقال اللخمي: وقوع الاثنين مكروه، ووقوع 3 الثلاث ممنوع، ويلزم إن وقع 4.
الثاني: أن يكون في الطهر، فإن وقع في الحيض فهو يدعي.
عبد الوهاب: وهو حرام بإجماع 5، ويلزم إن وقع فيه؛ لما 6 في الصحيحين 7 من حديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة، فأمره عليه الصلاة والسلام أن يراجعها ثم يمسكها حتى
الجزء: 3 - الصفحة: 161
تطهر، ثم تحيض عنده حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها، ثم إن شاء طلقها قبل أن يمسها، وفي مسلم: "فراجعها وحسبت لها تطليقة"، وفي البخاري: "وحسبت على تطليقة" والنفاس كالحيض في ذلك.
الثالث: ألا يمسها في ذلك الطهر، كما في الحديث وإلا فهو بدعي، واختلف في حكم ذلك الطلاق في طهر مس فيه هل هو حرام وحكاه صاحب الاستلحاق 8 أو مكروه وهو مذهب المدونة 9 وغيرها؟
الرابع: ألا يطلقها في العدة، مثل أن يطلقها في كل طهر مرة؛ فإن فعل فهو طلاق بدعي على المشهور وهو 10 - مذهب المدونة 11. وقال أشهب: له أن يطلقها في كل طهر مرة ما لم يرتجعها في خلال ذلك، وهو يريد أن يطلقها ثانية، فلا يسعه 12 ذلك؛ لأنه تطويل للعدة ويضرها 13.
عياض: ولا خلاف أنه إذا ارتجع بنية البقاء ثم بدا له فطلقها 14 في كل طهر مرة، لما كره له الرجعة ولا الطلاق.
قوله: (وَإِلا فَبِدْعِيٌّ) أي: وإن عري الطلاق عن بعض القيود المذكورة فهو بدعي كما سبق.
قوله: (وَكُرِهَ فِي غَيْرِ الحيْضِ) أي: وكره الطلاق في غير الحيض 15. يريد: إذا وقع بدعيًّا كمن طلق في طهرٍ مسَّ فيه ونحوه.
قوله: (وَلَا 16 يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ) يريد لأن ذلك إنما ورد فيمن طلق في الحيض،
الجزء: 3 - الصفحة: 162
وقيل: يؤمر من غير جبر، وقيل: يجبر كمن طلق في الحيض.
قوله: (كَقَبْلَ الْغُسْلِ مِنْهُ أَوِ التَّيَمُّمِ الجَائِزِ) أي: وكذا يكره الطلاق قبل أن تغتسل المرأة من الحيض 17 أو قبل أن تتيمم بشرطه، وهو مراده بالجائز، فإن طلق لم يجبر على الرجعة 18 وهو مذهب المدونة 19، وقيل: يجوز له أن يطلق التي رأت القصة البيضاء، وهو الظاهر.
قوله: (وَمُنِعَ فِيهِ وَوَقَعَ وأُجْبِرَ) أي: ومنع الطلاق في الحيض.
عبد الوهاب: بإجماع 20، ويلزم إن وقع فيه، ويجبر (على الرجعة)، وقد تقدَّم بيانُه في حديث ابن عمر -رضي الله عنه-.
قوله: (وَلَوْ لِمُعْتَادَةِ الدَّمِ لِمَا يُضَافُ فِيهِ لِلأَوَّلِ عَلَى الأَرْجَحِ) يريد أن المراة إذا انقطع عنها الدم فطلقت 21، ثم عاودها الدم بالقرب فأن الزوج يجبر على الرجعة؛ لأن الدم الثاني مضاف للأول، وحكمه حكم حيضة واحدة، وقاله أبو عمران 22 وأبو بكر بن عبد الرحمن 23.
ابن يونس: وهو أصوب، وإليه أشار بقوله: (على الأرجحِ)، وقيل: لا يجبر على الرجعة؛ لأنه طلق طاهرًا ولم يتعد.
الباجي: وهو الأظهر عندي؛ لأنه طلق في وقت طهر 24 يجوز له فيه الوطء ويجوز صومه 25. عياض: وقد رأيت ذلك لبعض الصقليين 26، وإليه أشار بقوله: (وَالأَحْسَنُ عَدَمُهُ) 27؛ أي: عدم الجبر.
الجزء: 3 - الصفحة: 163
قوله: (لآخِرِ الْعِدَّةِ) أي: أنه يجبر على الرجعة لآخر العدة، فإن انقضت فلا رجعة.
وقال أشهب: يجبر على ذلك ما لم تطهر ثم تحيض، والأول المشهور، وهذا إذا كان الطلاق رجعيًّا، وأما في الطلاق البائن فلا يجبر على الصحيح، وحكي في المقدمات عن أبي المطرف أنه كان يفتي بالجبر في طلاق الخلع، قال: وكان شيوخ عصره يخطئونه في ذلك (1).
قوله: (وَإِنْ أَبَى هُدِّدَ، ثُمَّ سُجِنَ، ثُمَّ ضُرِبَ بِمَجْلِسٍ) أي: فإن أَبَى المطلق في الحيض أن يرتجع أجبر بالتهديد أولًا ثم بالسجن، فإن أَبَى ضُرِب.
ابن المواز: ويكون ذلك قريبًا بعضه من بعض في مجلسٍ؛ لأنه على معصيةٍ، فإن تمادى ألزمته الرجعة، وقاله ابن القاسم وأشهب (2). وقال أصبغ عن ابن القاسم: إذا أَبَى حكم عليه بالرجعة وألزم إياها (3)، وإليه أشار بقوله: (وَإلا ارْتَجَعَ الحَاكِمُ).
قوله: (وَجَازَ الْوَطْءُ بِهِ وَالتَّوَارُثُ) أي: وجاز للمطلق وطء المطلقة بارتجاع الحاكم، وقاله أبو عمران وهو الصحيح عند الأشياخ، ولما كان ذلك منزلًا منزلة ارتجاع (4) الزوج رتب عليه التوارث، وقال بعض البغداديين: ليس له وطء ولا استمتاع إذا لم يكن نوى الارتجاع (5)، ولا يبعد (6) أن يخالف في الميراث أيضًا؛ لأنه جعل ارتجاع الحاكم غير مؤثر، فهي عنده كالأجنبية إلا أن يموت قبل انقضاء العدة.
قوله: (وَالأَحَبُّ أَنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ) أي: إذا أجبر على الارتجاع فالمستحب له أن يفعل ذلك، وقد سبق هذا في حديث ابن عمر.
(المتن)
وَفِي مَنْعِهِ فِي الْحَيْضِ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ؛ لِأَن فِيهَا جَوَازَ طَلاقِ الْحَامِلِ وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فِيهِ، أَوْ كَوْنِهِ 34 تَعَبُّدًا لِمَنْعِ الْخُلْعِ وَعَدَمِ الْجَوَازِ وَإِنْ رَضِيَتْ،282930313233
الجزء: 3 - الصفحة: 164
وَجَبْرِهِ عَلَى الرَّجْعَةِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ خِلافٌ.