قوله: (أَوْ كَزَوِّجْنِي أُخْتَكَ بِمائَةٍ عَلى أَنْ أُزَوِّجَكَ أُخْتِي بِمائَةٍ، وهُوَ وَجْهُ الشِّغَارِ) أي: ومما هو فاسد أيضًا نكاح الشغار لقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيح: "لا شغار في الإسلام" 2، وفيه أيضًا: أنه نهى عن الشغار، والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته 3، واختلف أهل 4 التفسير من كلام نافع 5، وهو الصحيح، أو1
الجزء: 3 - الصفحة: 31
من الحديث، وحكى القاضي الإجماع على تحريمه 6، قال: واختلف مشايخنا في علة ذلك هل لفساد عقده، أو لفساد صداقه، أو لفسادهما معًا، أو لعِرْوه 7 عن الصداق، وانظر كلامه 8 في الشرح الكبير 9، وجعل أهل المذهب الشغار على ثلاثة أقسام: وجه الشغار، وصريحه، ومركب منهما؛ فالأول أن يقول الرجل للآخر: زوجني أختك 10 أو أمتك 11 بمائة دينار على أن أزوجك أختي أو أمتي 12 بمائة دينار، وهو مراده بما ذكر 13، والثاني أن يقول: زوجني بغير شيء على أن أزوجك بغير شيء، وإليه أشار بقوله: (وإِنْ لَمْ يُسَمِّ فَصَرِيحُهُ)، والثالث: أن يسمي لواحدة دون أخرى، وإليه أشار بقوله: (وإنْ في وَاحِدَةٍ).
وأما قوله: (وفُسِخَ فِيهِ) 14 فإشارة إلى أن هذا النكاح يفسخ على كل حال، ولهذا قال: (وإنْ في وَاحِدَةٍ)؛ أي: وإن كان الشغار في واحدة، والأخرى قد سمي لها، وهذا هو المشهور، والفسخ فيه، وإن ولدت الأولاد، وعن مالك: إمضاؤه بالدخول 15، وأخذ السيوري وابن شبلون قولًا بإمضائه بالعقد من قوله في المدونة: أن فيه الميراث، ويفسخ بطلاق 16، وقال ابن أبي حازم: لا يفسخ نكاح من سمي لها 17، وفي البيان: لم
الجزء: 3 - الصفحة: 32
يختلف قول مالك في المسمى لها أنه لا يفسخ بعد البناء 18، واشار بقوله: (وعَلَى حُرِّيَّةِ وَلَدِ الأَمَةِ أَبَدًا) إلى أن الحكم في نكاح الشغار أنه يفسخ أبدًا، وكذلك إذا زوج أمته على أن ولدها يكون حرًّا، قال في المدونة: ولا يقر هذا النكاح 19، وحكي في البيان: الاتفاق على فسخه مطلقًا، قال: ولا يبعد دخول الخلاف في أنه يفسخ قبل البناء فقط، لأنه فسد لشرط فيه، ولعله إنما فسخ، لكونه من بيع الأجنة 20 بما زاد في الصداق، ومثله ما في العتبية: أن من زوج أمته 21 على أن 22 أول ولد تلده حر أنه يفسخ مطلقًا 23، وقال عبد الملك: إن لم يعثر على ذلك حتى ولدته 24 فلا يفسخ لذهاب الشرط 25، فإن زوجها من عبد غيره، وشرط أن يكون الولد بينهما، فروى محمد أنه يفسخ مطلقًا 26، وحكى أبو الفرج أنه يفرق 27 بينهما 28. قوله: (ولها في الْوَجْهِ، ومِائَةٍ وَخَمْرٍ، أو مِائَةٍ نَقْدًا ومِائَةٍ، لموْتٍ أَوْ فِرَاقٍ- الأكثَرُ مِنَ المْسَمَّى، وصَدَاقِ المثْلِ، وَلَوْ زَادَ عَلَى الجْمِيعِ) يريد: أن الواجب لكل واحدة من المرأتين في وجه الشغار، وفيما إذا زوجت 29 بمائة وخمر، أو بمائة نقدًا ومائة 30 إلى موت أو فراق -الأكثر من المسمى، وصداق المثل، والمشهور في وجه الشغار ما ذكر، وقيل: لها صداق المثل، وسواء دخل بها أم لا، وقال ابن لبابة كالأول: إن دخل بهما، وإن دخل
الجزء: 3 - الصفحة: 33
بواحدة فقط فصداق المثل مطلقًا 31، ومراده في مسألة الخمر: إذا دخل بها، وهو ظاهر، ويكون لها الأكثر من المائة الباقية وصداق المثل، وأما من زوجت بمائة نقدًا ومائة لموت أو فراق، فلها مع البناء الأكثر من المائة النقد، ومن 32 صداق المثل، ولا ينقص من المائة النقد؛ لأنها تقول هو قد 33 رضي بأن يدفع المائة النقد، ويكون في ذمته مائة أخرى، فلأن يدفعها نقدًا من غير أن يبقى في ذمته شيء أحرى، ولو كان صداق مثلها يزيد على المائتين أخذتهما 34 معجلًا، ولهذا قال: (وَلَوْ زَادَ عَلى الجْمِيعِ)، وعن مالك: لزوم المائة النقد، وقيمة المؤجلة من المعجلة، فإذا كانت ثلثها أخذت 35 المعجلة، وثلث صداق المثل، وقال ابن القاسم: كما لا ينقص عن المعجلة لا يزاد على المؤجلة، لأن الزوج يقول: أنت 36 قد رضيتي بمائة معجلة ومائة مؤجلة فلأن ترضى بهما 37 معجلتين أحرى، وظاهر قول أصبغ عند ابن رشد: أن 38 لها صداق المثل زاد على المائتين، أو نقص عن المائة النقد 39، وأشار بقوله: (وقُدِّرَ بِالتَّأْجِيلِ المعْلُومِ إِنْ كَانَ فِيهِ) إلى أن المائتين إذا كان معهما مائة مؤجلة بأجل معلوم كسنة أو شهر، ونحو ذلك؛ فإن صداق المثل يقدر على أن فيه المائة المعلومة إلى أجلها، فإذا كان صداق مثلها أكثر من مائتي النقد والمعلومة الأجل أخذته 40، ولا ينقص عنهما كما تقدم، ولم يذكر هنا ما الواجب في صريح الشغار، ولا خلاف فيه 41 عندنا أن فيه صداق المثل مع الدخول، وأما المركب من الوجه والصريح 42، فإن دخل بالتي لم يسم لها
الجزء: 3 - الصفحة: 34
فليس لها 43 إلا صداق المثل، وإن دخل بالتي سمى لها فتأول أبو محمد المدونة: على أن لها الأكثر 44، وتأولها ابن لبابة على أن لها صداق المثل مطلقًا 45، وإليه أشار بقوله: (وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا فِيما إِذَا سَمَّى لإحْدَاهُمَا وَدَخَلَ بالمْسَمَّى لَهَا بِصَدَاقِ المثْلِ)، ونبه 46 بقوله (أَيضًا) على أنه 47 في المسألتين تأويلين، الأول أن لها الأكثر، ودل 48 عليه ما تقدم والثاني هذا، والباء في (بالمسمى) متعلق بـ (دخل)، وفي (بصداق المثل) بـ (تؤولت)، وتقديره: تؤولت المدونة أيضًا بصداق المثل فيما إذا سمى لإحداهما ودخل بالمسمى لها 49. قوله: (وفي مَنْعِهِ بِمَنَافِعَ أَوْ تَعْلِيمِهَا قُرْآنًا أَوْ إِحْجَاجِهَا ويرْجِعُ بِقِيمَةِ عَمَلِهِ لِلْفَسْخِ وكَرَاهَتِهِ كَالْمغَالاةِ فيهِ والأَجَلِ، قَوْلانِ) يريد: أنه اختلف هل يمنع النكاح بالمنافع كالخدمة والإسكان ونحو ذلك، أو بتعليم الزوجة قرآنًا أو إحجاجها عامًا ونحوه، ويرجع الزوج بقيمة عمله لأجل فسخ النكاح أو يكره ذلك كما يكره في الصداق المغالاة، والتأجيل فيه قولان، والمنع مع 50 الخدمة والتعليم لمالك، والكراهة لابن القاسم، قاله ابن شاس، وزاد عن أصبغ الجواز 51، وفي البيان عنه الكراهة 52، ونسب اللخمي المنع في جميع ذلك لابن القاسم، والكراهة لمالك، والجواز لأصبغ 53، ولعل 54 لكل واحد قولين، ولابن القاسم أيضًا: إن لم يكن مع المنافع صداق فسخ
الجزء: 3 - الصفحة: 35
قبل البناء، ويثبت بعده بصداق المثل، وتسقط الخدمة إلا أن يكون خدم؛ فيرجع بقيمة ذلك وعنه في الإحجاج الفسخ قبل البناء، والإمضاء بعده بصداق المثل؛ إلا أن يكون مع الحجة (1) غيرها فيجوز، وقال غيره من أصحاب مالك: إن ذلك جائز؛ لأنه يرجع (2) إلى حجة مثلها في النفقة، والكراء، والمصلحة كالتزويج على شورة مثلها، أو صداق مثلها، أو يكون لها الوسط، وانعقد الإجماع على كراهة المغالاة في الصداق، وقد تقدم ما نقلناه (3) عن مالك من (4) كرا هة تأجيله، وأنه مخالف لأنكحة السلف.
(المتن)
وإنْ أَمَرَهُ بِأَلْفٍ عَيَّنَهَا أَوَّلًا فَزَوَّجَهُ بِأَلْفَيْنِ؛ فَإِنْ دَخَلَ فَعَلَى الزَّوْجِ أَلْفٌ وَغَرِمَ الْوَكِيلُ أَلْفًا إِنْ تَعَدَّى بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، وَإِلَّا فَتَحْلِفُ هِيَ إِنْ حَلَفَ الزَّوْجُ، وَفِي تَحْلِيفِ الزَّوْجِ لَهُ إِنْ نكلَ وَغَرِمَ الأَلْفَ الثَّانِيَةَ قَوْلانِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَرَضِيَ أحَدُهُمَا: لَزِمَ الآخَرَ؛ لا إِنِ الْتَزَمَ الْوَكِيلُ الأَلْفَ، وَلكُلٍّ تَحْلِيفُ الآخَرِ فِيمَا يُفِيدُ إِقْرَارُهُ، إِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ، وَلا تُرَدُّ إِنِ اتَّهَمَهُ، وَرُجِّحَ بُدَاءَةُ حَلِفِ الزَّوْجِ مَا أَمَرَهُ إِلَّا بِألْفٍ، ثُمَّ لِلْمَرْأَةِ الْفَسْخُ إِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى التَّزْوِيجِ بِالْأَلْفَيْنِ، وَإِلَّا فكَالاِخْتِلافِ فِي الصَّدَاقِ.