(وَلمنْ كَمُلَ عِتْقُهَا فِرَاقُ الْعَبْدِ فَقَطْ) يريد: أن الأمة إذا كانت متزوجة بعبد فعتقت كلها، وهي في عصمته يريد عتقًا ناجزًا احترازًا من العتق إلي أجل، ومن التدبير والكتابة.
واحترز بقوله: (كَمُلَ) مما إذا عتق بعضها، فإنها لا خيار لها في جميع ذلك؛ لأن سبب خيارها عدم اتصافها بالرق؛ لكون العبد غير كفؤ لها، وفي هذه الوجوه لم تزل متصفة بالرق 1، واحترز بالعبد من الحر فإنها لا خيار لها إذا عتقت تحت الحر عند مالك 2، وإليه أشار بقوله: (فَقَطْ) خلافًا لأهل العراق.
قوله: (بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ أَوِ اثْنتَيْنِ) أي: لها أن تفارق 3 بطلقة بائنة؛ لأن مقصودها يحصل بها، ونحوه في المدونة 4، وفي مختصر ما ليس في المختصر: له الرجوع 5 إن عتق 6 في العدة 7، فالطلقة على هذا رجعية، وفي الموازية: تختار نفسها بالبتات، يريد: طلقتين، وكان مالك أولًا 8 يقول: ليس لها أن تختار إلا واحدة بائنة، وهو قول أكثر الرواة، ولما
الجزء: 3 - الصفحة: 3
قوي عند الشيخ القول الثاني لم يقتصر على قول 9 أكثر الرواة بل ذكر ما يدل على جواز العمل بكل من القولين، وعن مالك وابن القاسم في المدونة: لها أن تطلق نفسها ثلاثًا 10.
قوله: . (وسَقَطَ صَدَاقُهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ) أي: فإن اختارت نفسها قبل البناء فلا صداق لها؛ لأنه فراق قبل الدخول جاء من قبلها، ومثله لا صداق فيه.
قوله: (والْفِرَاقُ إِنْ قبَضَهُ السَّيِّدُ وكَانَ عَدِيمًا) أي: وكذلك يسقط الفراق إن 11 قبض السيد الصداق، وكان عديمًا؛ لأنه صار دينًا على السيد، وهو عديم، ومثل هذا يرد عتقه، وإذا رد عتقه سقط اختيارها، وبقيت زوجة على حالها.
المتيطي: وهذا القول هو المختار، وبه الحكم.
وقيل: يثبت لها الخيار 12، وتباع، وقيل: يثبت 13، ولا تباع، ويعد ذلك دينًا طارئًا بعد العتق لا قبله، واحترز بقوله: (وكان عديمًا) بما لو قبضه، وكان مليًّا، فإنه يرده وتبقى على 14 خيارها، ومثل ذلك: ما لو 15 كان عديمًا إلا أن الصداق بيده لم يفت.
قوله: (وبَعْدَهُ لها كَما لَوْ رَضِيَتْ، وهِيَ مُفَوَّضَةٌ بِما فَرَضَهُ بَعْدَ عِتْقِهَا لها) أي: فإن اختارت نفسها 16 فإن الصداق يكون لها؛ لأنها قد استحقته بالبناء، والفراق متأخر عن ذلك، ومثله ما إذا أعتقها السيد قبل فرض الصداق، وهي مفوضة، ثم فرض لها بعد العتق، ورضيت بالمقام معه، وقاله في المدونة 17.
قوله: (إِلا أَنْ يَأْخُذَهُ السَّيِّدُ، أَوْ يَشْتَرِطه) هو راجع إلي قوله: (وَبَعْدَهُ لها) 18، ابن
الجزء: 3 - الصفحة: 4
شاس: ولها المسمى بعد البناء أقامت، أو فارقت، ويتبعها كمالها إلا أن يكون السيد قد قبضه، أو اشترطه 19، ونحوه في المدونة 20، والمتيطية 21.
قوله: (وصُدِّقَتْ 22 إِنْ لم تمُكِّنْهُ أَنَّهَا مَا رَضِيَتْ، وإِنْ بَعْدَ سَنَةٍ) يريد: أن الأمة إذا عتقت تحت العبد، ثم أقامت مدة ساكتة 23 لم تختر إلا أنها 24 لم تمكنه من نفسها فيها، ثم 25 قالت: "لم أسكت رضى" فإنها تصدق، قال في المدونة: ولا يمين عليها 26، وفي العتبية: تحلف 27، ولا يضرها 28 ذلك ولو أقامت سنة ساكتة 29 ثم قامت بعدها، وهو مذهب المدونة 30، وحكى بعضهم قولًا بسقوط خيارها لطول المدة.
قوله: (إِلا أَنْ تُسْقِطَهُ) هذا مخرج من محذوف دل عليه قوله: (وصدقت)، أي: ولا يبطل خيارها إلا أن تسقطه بأن تقول: اخترت المقام مع زوجي، أو لا أفارقه، ونحو ذلك.
قوله: (أَوْ تُمَكِّنَه، وَلَوْ جَهِلَتِ الْحُكْمَ لا الْعِتْقَ) أي من نفسها حتى يستمتع بها، يريد 31 بعد علمها بالعتق والحكم، فلو علمت بالعتق وجهلت الحكم فالمشهور أيضًا:
الجزء: 3 - الصفحة: 5
أن خيارها يسقط.
وقيل: لها 32، وصححه بعض المتأخرين، 33.
قوله: (وَلها الأَكثَرُ مِنَ الْمسَمَّى، وَصَدَاقِ المثْلِ 34) يريد أن الأمة إذا أعتقت قبل الدخول، ولم تعلم بذلك حتى وطئها الزوج فإن لها الأكثر من المسمى، و 35 صداق مثلها على أنها حرة.
قوله: (أَوْ يُبِينَهَا) أي: 36 قبل أن تختار، فإن ذلك يسقط خيارها؛ لأن وقوع 37 الطلاق منها وهي بائن محال لعدم محله، ولهذا لو كان الطلاق رجعيًّا لم يسقط خيارها، وإليه أشار بقوله: (لا بِرَجْعِي).
اللخمي: ولو قيل أنها تمنع من الطلاق إذا قال الزوج: "أنا لا أرتجع لكان حسنًا" 38.
قوله: (أَوْ عَتَقَ قَبْلَ الاخْتيَارِ) أي: وهكذا يسقط اختيارها إذا عتق الزوج 39 قبله 40؛ لزوال السبب الموجب له، وهو: رق الزوج.
قوله: (إِلا لِتَأْخِيرٍ لِحيْضٍ) يريد أنها إذا عتقت وهي حائض، فأمرت بالتأخير حتى تطهر فعتق الزوج، فإن خيارها لا يسقط، وهذا 41 قول ابن القاسم 42، وصوب اللخمي سقوطه 43.
الجزء: 3 - الصفحة: 6
قوله: (وإِنْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ عِلْمِهَا ودُخُولها فَاتَتْ بِدُخُولِ الثَّانِي) يريد: إذا كان الزوج غائبًا فعتقت في غيبته فاختارت، وتزوجت غيره ثم قامت بينة أنه عتق قبل اختيارها هي (1)، ولم تكن قد علمت بذلك إلى أن دخل بها الزوج الثاني، فإنها تفوت على الزوج (2) الأول بذلك كزوجة المفقود، وقد قدمنا (3) نظائرها.
قوله: (وَلها إِنْ وَقَفَهَا تَأْخِيرٌ تَنْظُرُ فِيهِ) يريد: أن الزوج (4) إذا وقفها بحضرة العتق، وقال: إما أن تختاريني، أو الطلاق، فقالت: أنا أنظر وأستشير فلها ذلك (5)، اللخمي: وأرى أن تؤخر ثلاثة أيام (6).
فصل [في الصداق وهو الركن الخامس]
(المتن)
فَصْلٌ الصَّدَاقُ كَالثَّمَنِ، كَعَبْدٍ تَخْتَارُهُ هِيَ، لا هُوَ.
وَضَمَانُهُ وَتَلَفُهُ وَاسْتِحْقَاقُهُ وَتَعْيِيبهُ أَوْ بَعْضِهِ كَالْمَبيعِ، وإِنْ وَقَعَ بِقُلَّةِ خَلٍّ فَإِذَا هِوَ خَمْرٌ فَمِثْلُهُ.
وَجَازَ بِشَوْرَةٍ، وَعَدَدٍ مِنْ كَإِبِلٍ، أَوْ رَقِيقٍ وَصَدَاقِ مِثْلٍ، وَلَهَا الْوَسَطُ حَالًّا.
وَفِي شَرْطِ ذِكْرِ جِنْسِ الرَّقِيقِ قَوْلانِ.
وَالإِنَاثُ مِنْهُ إِنْ أَطْلَقَ وَلا عُهْدَةَ، وإِلَى الدُّخُولِ إِنْ عُلِمَ، أَوِ الْمَيْسَرَةِ إِنْ كَانَ مَلِيًّا، وَعَلَى هِبَةِ الْعَبْدِ لِفُلانٍ، أَو يُعْتِقُ أَبَاهَا عَنْهَا أَوْ عَنْ نَفْسِهِ.