قوله: (ولِزَوْجِهَا الْعَزْلُ إِنْ أَذِنَتْ، وسَيِّدُهَا كَالْحُرَّةِ إِنْ أَذِنَتْ) المشهور من مذهبنا جواز العزل على الصفة التي ذكرها، وهي أن يكون ذلك بإذن الزوجة الحرة، وإذن الزوجة الأمة مع إذن سيدها، وروي عن مالك كراهته 8، وظاهر كلام غير واحد من الأشياخ أن إذن سيد الأمة المتزوجة كاف، وإن لم تأذن الأمة، ورأى الباجي أنه لا يعزل عنها إلا بإذنها، وإذن مواليها، ولا يكتفى بإذن سيدها؛ لأن لها حقًّا في الوطء 9، وحكى الشيخ أنه تقييد، واستظهره، ولهذا قال: إن أذنت وسيدها، وكان الأولى أن يأتي بفاصل بعد الضمير المرفوع؛ لأن العطف عليه من غير فاصل ضعيف1234567
الجزء: 2 - الصفحة: 633
كما علمت، فكان حقه أن 10 يقول: إذا أذنت هي وسيدها.
قوله: (والْكَافِرَةُ هو معطوف على قوله: (حَرُمَ أُصُولُهُ) 11 أي 12: من موانع النكاح الكفر من غير أهل الكتاب، فلا يجوز للمسلم 13 أن يتزوج كافرة من غيرهم، والمعروف أنه لا ينكح المجوسية، وحكى ابن القصار وغيره قولًا بالجواز؛ بناء على أن لهم كتابًا، وفقد اللخمي، واختلف 14 في الصابئة والسامرية، فقيل: الصابئون صنف من النصارى، والسامرية صنف من اليهود 15. وقيل: ليسوا منهم، فعلى الأول تجوز مناكحتهم لا على الثاني 16.
قوله: (إِلا الْحُرَّةَ الْكِتَابِيَّةَ بِكُره) إنما أخرج هذا من حكم ما تقدم؛ خشية توهم مانعية الكفر على الإطلاق، وظَاهر كلام ابن القاسم، وغيره أن نكاح الكتابية الحرة لا كراهة 17 فيه 18 خلافًا لمالك، واختلف في علة الكراهة 19 ففي المدونة: لما تتغذى به من خمر وخنزير، وتغذي به الولد، وهو يُقبل ويضاجع 20، وقيل: لأنها قد تموت وهي حامل من المسلم فتدفن في مقابر الكفار وهي حفرة من حفر النار، وقال عبد الحميد: لأنه سكون ومودة لها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21] وذلك ممنوع لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الروم: 22] الآية 21. واحترز بالحرة من الأمة الكتابية فإنه 22 لا يجوز للمسلم
الجزء: 2 - الصفحة: 634
نكاحها.
قوله: (وتَأَكَّدَ بِدَارِ الَحْرْبِ) أي: وتأكد الكراهة 23 في تزويج الحربية 24 بدار الحرب، قال في المدونة: لتركه ولده بدار الحرب 25، عياض: والكراهة عند مالك هنا أشد منها عنده ببلد 26 الإسلام 27.
قوله: (ولَوْ يَهُودِيَّةَ تَنَصَّرَتْ وبِالْعَكْسِ) يريد: أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون النصرانية باقية على دينها أواليهودية باقية على دينها 28، أو انتقلت من اليهودية إلى النصرانية أو من النصرانية إلى اليهودية؛ بناء على أن الكفر ملة واحدة.
قوله: (وأمَتَهُمْ بِالْمِلْكِ) الأحسن أن يكون معطوفًا على المنصوب في 29 قوله: (إِلا الَحْرَّةَ الْكِتَابِيَّةَ) والمعنى: ولا يجوز وطء الكافرة إلا الحرة الكتابية بالنكاح، والأمة الكتابية بالملك، ويجوز أن يُقرأ بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف، أي: وأمتهم كذلك.
قوله: (وقُرِّرَ عَلَيْهَا إِنْ أَسْلَمَ) يشير إلى أن الكافر إذا نكح كتابية ثم أسلم فإنه يقر على نكاحها، ولا يفسخ؛ لأن أنكحتهم وإن كانت فاسدة فالإسلام يصححها، يريد: ما لم تكن من ذوات محارمه، ولما كان كلامه يوهم أن أنكحتهم صحيحة؛ إذ لا يقر على فاسد 30، دفع 31 ذلك بقوله: (وأَنْكِحَتُهُمْ فَاسِدَةٌ) يريد: لأن صحة العقد مفتقرة إلى شروط هي 32 معدومة في أنكحتهم: كالولي 33، ورضى 34 الزوجة، وأن لا تكون في
الجزء: 2 - الصفحة: 635
عدة، وبصداق، وحكى صاحب الاستلحاق 35 عن بعض مذاكريه: أن أنكحتهم غير فاسدة، وحكي ابن عبد السلام الخلاف مع الشروط ولابن رشد 36، واختاره القرافي إن حصلت الشروط فهي صحيحة، وإلا فلا 37.
قوله: (وعَلَى الأَمَةِ، والَمْجُوسِيَّةِ إِنْ عَتَقَتْ، وأَسْلَمَتْ) أي: وكذلك يقر من أسلم على نكاح الأمة الكتابية، والمجوسية إذا عتقت الأمة وأسلمت المجوسية.
قوله: (ولَمْ يَبْعُدْ) أي: إسلامها من إسلام الزوج، وقاله في المدونة، قال: وإن أسلمت بقيت زوجة ما لم يبعد ما بين إسلاميهما 38، ولم 39 يحد 40 مالك البعد، وأرى الشهر، وأكثر من ذلك قليلًا ليس بكثير 41، وفي بعض روايات التهذيب: وأرى 42 الشهرين 43، وإلى الأول أشار بقوله: (كَالشَّهْرِ) وتأول ابن لبابة وغيره من القروين المدونة: على أنها لا توقف هذه المدة 44، وأن معناها غفل عن إيقافها، وجعلوا قول ابن القاسم موافقًا لقول مالك أنه إن عرض عليها الإسلام فلم تسلم فرق بينهما، ولم توقف، وقال ابن أبي زمنين: المعروف اأنها إذا وقفت إلى شهر وبعده فأسلمت أنها امرأته، عياض: وظاهر كلامه أنه 45 خلاف ما تأول 46 القرويون 47، وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وهَلْ إِنْ غُفِلَ أو مُطْلَفًا؟ تأويلان)، وعن أشهب: أنه لا يفرق
الجزء: 2 - الصفحة: 636
بينهما إن دخل بها حتى تخرج من العدة، وعنه: أنه يعرض عليها الإسلام بعد البناء اليومين والثلاثة، فإن أبت استبرئت بحيضة (1)، وعن ابن القاسم: بثلاث حيض (2).
(المتن)
وَلا نَفَقَةَ أَوْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا وَلَوْ طَلَّقَهَا، وَلا نَفَقَةَ عَلَى الْمُخْتَارِ وَالأَحْسَنِ، وَقَبْلَ الْبِنَاءِ بَانَتْ مَكَانَهَا أَوْ أَسْلَمَا، إِلَّا الْمَحْرَمَ، وَقَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالأَجَلِ وَتَمَادَيَا لَهُ، وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلاثًا، وَعَقَدَ إِنْ أَبَانَهَا بِلا مُحَلِّل، وَفُسِخَ لإِسْلامِ أَحَدِهِمَا بِلا طَلاقٍ، لا رِدَّتِهِ فَبَائِنَةٌ وَلَوْ لِدِينِ زَوْجَتِهِ.
وَفِي لُزُومِ الثَّلاثِ لِذِمِّيٍّ طَلَّقَهَا وَتَرَافَعَا إِلَيْنَا، أَوْ إِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي الإِسْلامِ، أَوْ بِالْفِرَاقِ مُجْمَلًا، أَوْ لا؟ تَأْوِيلاتٌ.