قوله: (وَجَمْعُ خَمْسٍ) أي: وحرم جمع خمس من النساء في عصمة واحدة أو عقد واحد، ولو سمى لكل واحدة صداقًا، ويفسخ النكاح أبدًا لما علمت من 1 أن الزيادة على أربع ممنوعة للحر والعبد، واتفق على ذلك أهل السنة وبعض المبتدعة؛ "لحديث غيلان الثقفي"، وأشار بقوله: (وَلِلْعَبْدِ الرَّابِعَةُ 2) إلى أنه يجوز 3 له نكاح ثالثة ورابعة، وهو 4 المشهور لعموم قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، وقال ابن وهب: لا يجوز له الزيادة على اثنتين 5.
قوله: (أَوِ اثْنَتَيْنِ لَوْ قُدِّرَتْ أَيَّةٌ ذَكَرًا حَرُمَ) أي: وكذا يحرم الجمع بين المرأتين إذا قدرت إحداهما أنها لو كانت ذكرًا حرم عليه نكاح الأخرى، فلا تنكح امرأة على عمتها أو على خالتها أو بالعكس.
ابن شاس: والضابط لذلك أن كل امرأتين بينهما من القرابة أو الرضاع ما يمنع تناكحهما 6 لو قدرت إحداهما ذكرًا فلا يجوز الجمع بينهما في العقد ولا في الحل، قال: واحترزنا بذكر القرابة والرضاع من المرأة مع أم زوجها أو ابنته؛ أي: فإن الجمع بينهما يجوز بخلاف غيرهما، ولهذا قال: فإن جمع بينهما في العقد بطل
الجزء: 2 - الصفحة: 607
النكاحان وفسخ أبدًا، وإن جمع بينهما في الحل 7 -أي: أفرد كل واحدة منهما 8 بعاقد- ثبت نكاح الأولى وفسخ نكاح الثانية قبل الدخول وبعده إن كان هناك بينة، فإن لم تكن قبل قول الرجل في ذلك، رواه محمد عن أشهب 9.
قوله: (كَوَطْئِهِمَا بِالْمِلْكِ) أي: فلا يجوز أيضًا الجمع بين المرأة وعمتها ولا بينها وبين خالتها، ونحو ذلك في الوطء بالملك، بل 10 إذا وطئ إحداهما حرمت الأخرى، أما لو جمعهما في الملك للخدمة أو واحدة للخدمة والأخرى للوطء جاز.
قوله: (وَفُسِخَ نِكَاحُ ثَانِيَةٍ صَدَّقَتْ وإلا حلف للمهر بلا طلاق 11) أي: فإن جمع بين من لا يجوز له جمعهما، وأفرد 12 كل واحدة منهما 13 بعقد، فإن نكاح الأولى يثبت ويفسخ نكاح الثانية مع البينة أو تصديق المرأة أنها الثانية، وسواء دخل بها أم لا، والفسخ كما قال بلا طلاق؛ لأنه مجمع على فساده، وأشار بقوله: (وَإِلا حَلَفَ لِلْمَهْرِ) أي: وإن لم تصدقه 14 أنها 15 الثانية، يريد: ولم يقم على ذلك بينة فإنه يحلف؛ لأنه 16 مدعِ لسقوط نصف الصداق.
ابن شاس: ويكون فسخه حينئذٍ بطلاق 17.
ونحوه لمحمد والباجي، وليس 18 في كلام الشيخ ما يدل عليه إلا ما يفهم من الشرط؛ لأن قوله: (وفسخ 19 بِلا طَلاقٍ إن صدقته) يدل على أنها إن لم تصدقه فإن
الجزء: 2 - الصفحة: 608
الأمر يكون بخلاف ذلك وهو واضح.
قوله: (كَأمٍّ وَابْنَتِهَا بِعَقْدٍ) أي: وهكذا يفسخ نكاح الأم وابنتها بلا طلاق إن جمعتا 20 في عقد، وسواء كان 21 قبل الدخول أو بعده، ولا خلاف في ذلك.
قوله: (وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهُمَا إِنْ دَخَلَ وَلا إِرْثَ) أي: فإن وطئ الأم وابنتها فإنهما يحرمان عليه أبدًا ولا يُحَدُّ 22 إذا كان جاهلًا بالتحريم، وأما العالم فإنه ينظر إلى نكاحه ذلك، هل هو يدرأ الحد عنه أم لا؟ ويكون لكل واحدة صداقها للمسيس 23، وعليها 24 الاستبراء بثلاث حيض، وأما منع الميراث فواضح؛ للاتفاق على فساده.
قوله: (وَإِنْ ترَتَّبَتَا) أي: أنه لا فرق بين أن يعقد عليهما في عقد واحد، أو يعقد لواحدة 25 بعد أخرى في أنه إذا دخل بهما فسخ نكاحهما أبدًا، ولا تحل له واحدة منهما ولا إرث، فالمبالغة راجعة إلى جميع أحكام المسألة.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ حَلَّتِ الأُمُّ) أي: يجوز له أن يتزوجها بعد التفرق؛ وذلك لأن العقد على البنات يحرم الأمهات والدخول على الأمهات يحرم البنات 26 إذا كان صحيحًا، وأما الفاسد فلا، وهذا هو المشهور خلافًا لعبد الملك، فإنه أجراه مجرى الصحيح، ولا خلاف أيضا أن البنت تحل له أيضًا، ولما كان هذا مفهومًا من كلامه سكت عنه، وبيانه أن العقد الصحيح على الأم لا يحرم البنت فأحرى الفاسد 27، وكل من تزوجها بعد التفرق منهما كانت معه بطلقتين 28، فإن دخل بواحدة فقط فإن كانت الأولى ثبت على نكاحها، وفسخ نكاح الأخرى ولا تحل له بعد ذلك، ولا
الجزء: 2 - الصفحة: 609
خلاف فيه 29 إذا كانت الأولى المدخول بها البنت، وإن كانت الأم فالمشهور أن حكمها في ذلك حكم البنت، وقيل: يفارقها وإن كانت المدخول بها هي الثانية وكانت 30 هي البنت؛ فرق بينهما وكان لها صداقها وله تزويجها بعد الاستبراء من الماء 31 الفاسد، وإن كانت الأم حرمتا معًا عليه أبدًا، ولا ميراث ومثل هذا كله إذا لم يعلم المدخول بها أهي الأولى أم الثانية؟ قوله: (وَإِنْ لَمْ تُعْلَمِ السَّابِقَةُ فَالإِرْثُ، وَلِكُلٍّ نِصْفُ صَدَاقِهَا) أي: فإن مات الزوج ولم يدخل بواحدة منهما وجهلت السابقة، فالإرث بينهما؛ لأن نكاح واحدة منهما صحيح، وكذلك 32 يجب عليه لكل واحدة نصف صداقها؛ لأن بالموت يكمل عليه صداق واحدة، وكل منهما تدعيه من غير مصدق 33 فيؤخذ منه نصف الصداقين، فيعطى لكل واحدة نصف صداقها، اتفق الصداقان أو اختلفا في القدر، وقاله في المدونة 34، وفي المقدمات: القياس أن يكون عليه الأقل من الصداقين معا 35 يقسم بينهما على قدر مهورهما 36 بعد أيمانهما 37. قوله: (كَأَنْ لَمْ تُعْلَمِ الْخَامِسَةُ) أي: تزوج خمس نسوة واحدة بعد واحدة، أو جمع أربعًا في عقد وسمى لكل واحدة صداقها وتزوج الأخرى بعدهن 38 أو نحو ذلك، وجهلت الخامسة في الصور كلها، فإن دخل بالجميع فلكل واحدة 39 صداقها بالمسيس، ولهن الميراث يقتسمنه أخماسًا؛ لأن نكاح أربع صحيح، فإن لم يدخل بهن
الجزء: 2 - الصفحة: 610
فلهن أربعة أصدقة يقتسمنها على قدر أصدقتهن، وإن دخل بأربع فلهن أربعة أصدقة، ولمن لم يبنِ بها نصف صداقها؛ لأنها إذا كانت خامسة فلا شيء لها، وإلا فلها الصداق كاملًا فتعطى نصفه، وإن دخل بثلاث فلهن ثلاثة أصدقة وللاثنتين صداق ونصف، يقتسمانه على قدر صداقهما 40، وكذلك على هذا 41.
قوله: (وَحَلَّتِ الأُخْتُ بِبَيْنُونَةِ السَّابِقَةِ) قد تقدم أنه لا يجوز الجمع بين الأختين، فإذا تزوج امرأة فلا يحل له العقد على أختها ما دامت هي في عصمته، اللهم إلا أن تبين السابقة كما قال: فتحل له الأخرى، وبينونتها إما بأن يخالعها أو يطلقها ثلاثًا، أو بخروجها 42 من عدة الطلاق الرجعي.
قوله: "أَوْ زَوَالِ مِلْكٍ بِعِتْقٍ وَإِنْ لأَجَلٍ، أوَ كِتَابَةٍ أَوْ إِنْكَاحٍ يُحِلُّ الْمَبْتُوتَةَ) المسألة السابقة 43 مخصوصة بالنكاح، وهذه بما إذا وطئ أمة 44 بالملك وأراد أن يتزوج أختها أو يطأها بالملك، فلا تحل له حتى يحرم فرج الأولى؛ إما 45 بعتق ناجز أو مؤجل، أو كتابة أو إنكاح 46 صحيح لازم وهو الذي 47 يحل المبتوتة، فاحترز بالصحيح من الفاسد كنكاح المتعة، وباللازم من الموقوف كنكاح العبد بغير إذن سيده 48، والصبي بغير إذن وليه 49، ونكاح ذات العيب والمغرورة، أو ذي العيب والمغرور، إلا إذا لزم بإجازة السيد والولي 50 ورضا الزوج والزوجة، وظاهر كلامه أنه لا يكفي العقد؛ لأنه 51 لا
الجزء: 2 - الصفحة: 611
يحل المبتوتة ولا بد من الدخول، وعلى هذا فلا يجوز له وطء الثانية حتى يدخل الزوج بالأولى ويطأها وطئًا مباحًا ليس في حيض (1) ولا إحرام ولا صيام، ولم أرَ من نص على ذلك، بل ظاهر كلامهم أن مجرد العقد كافٍ في حلِّية الأخرى.
قوله: (أَوْ أَسْرٍ أوْ إِبَاقِ إِيَاسٍ) يريد أنها إذا أسرها العدو أو أبقت إباق إياس؛ فإنه يجوز له وطء الأخرى بملك أو نكاح، واشار بقوله: (أَوْ بَيْعٍ (2) دَلَّسَ فِيهِ) إلى أنه إذا باعها بيعًا صحيحًا إلا أنه كان يعلم منها عيبًا فكتمه، أن ذلك كافٍ في حلية الأخرى (3)، وهو المشهور، وقيل: لا يكفي ذلك؛ لأنها بصدد الرد (4).
قوله: (لا فَاسِدٍ (5) لَمْ يَفُتْ) أي: فإنه لا يكون كافيًا في حلية الأخرى (6)؛ إذ لم ينتقل معه (7) الملك، بخلاف ما إذا فاتت المعيبة (8) كما قال اللخمي: وفواتها بحوالة (9) سوق (10) فما فوق (11).
(المتن)
وَحَيْضٍ وَعِدَّةِ شُبْهَةٍ، وَرِدَّةٍ، وَإِحْرَامٍ، وَظِهَارٍ، وَاسْتِبْرَاءٍ، وَخِيَارٍ، وَعُهْدَةِ ثَلَاثٍ، وَإِخْدَامِ سَنَةٍ، وَهِبَةٍ لِمَنْ يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ، وَإِنْ بِبَيْعٍ؛ بِخِلَافِ صَدَقَةٍ إِنْ حِيزَتْ، وَإِخْدَامِ سِنِينَ وَوُقِفَ إِنْ وَطِئَهُمَا لِيُحَرِّمَ؛ فَإِنْ أَبْقَى الثَّانِيَةَ اسْتَبْرَأَهَا، وَإِنْ عَقَدَ فَاشْتَرَى فَالأُولَى، فَإِنْ وَطِئَ أَوْ عَقَدَ بَعْدَ تَلَذُّذِهِ بِأُخْتِهَا بِمِلْكٍ فَكَالأَوَّلِ.