قوله: (وَسَقَطتَا بالإسْلَام) أي: الجزية العنوية والصلحية، وهو وأضح.
قوله: (كَأَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِضَافَةِ الْمُجْتَازِ ثَلَاثًا لِلظُّلْمِ) يريد: أرزاق المسلمين التي جعلها عمر - رضي الله عنه - عليهم وضيافة المجتازين عليهم تسقط عنهم أيضًا، قال مالك: أرى أن يوضع عنهم ذلك لما أحدث عليهم من الجور 3. ابن رشد: ومعنى ذلك أنه لا يسوغ لأحد ممن مر بهم أن يأخذ ضيافتهم، إذا علم أنه لم يوف لهم بالعهد 4.
الباجي: وقول مالك يدل على أن ذلك لازم مع الوفاء بما عوهدوا عليه 5، وهذا مفهوم من قوله هنا (للظلم)؛ أي: إنما سقط ذلك عنهم لأجل الظلم، فإن لم يكن ظلم فلا يسقط عنهم شيء.
ابن شاس -ونحوه للخمي عن مالك-: والذي قدره عليهم عمر 6 مع الدنانير12
الجزء: 2 - الصفحة: 509
أرزاق المسلمين مدين من حنطة على كل نفس في الشهر، وثلاثة أقساط زيتًا ممن بالشام والجزيرة 7، وممن بمصر أردبًا من حنطة في الشهر، قال: ولا أدري كم من الودك والعسل، وعليهم أن يضيفوا من مرَّ بهم من المسلمين ثلاثة أيام، وعلى كل رجل من أهل العراق خمسة عشر صاعًا في الشهر وكسوة معروفة كان عمر يكسوها الناس، قال: ولا أدري ما قدرها، ثم ذكر 8 عن مالك ما تقدم 9.
قوله: (وَالْعَنَوِيُّ حُرٌّ) اختلف في أهل العنوة إذا أُقرت 10 أرضهم بأيديهم، فقيل: هم عبيد للمسلمين، وقيل: أحرار، والأول لابن القاسم 11، والثاني حكاه الباجي وغيره عن ابن حبيب 12، وهو الذي يأتي على المشهور في ماله؛ ولهذا اقتصر عليه هنا.
قوله: (فَإِنْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ، فَالأَرْضُ فَقَطْ لِلْمُسْلِمِينَ) أي: فإن مات العنوي أو أسلم فالأرض للمسلمين؛ يريد: لأنها لم تقر بيده إلا ليعمل فيها وتكون إعانة له على أداء الجزية، وإذا مات أو أسلم ذهب ذلك، وأشار بقوله: (فقط) إلى أن غير الأرض من الرقيق والحيوان والعروض لا يكون للمسلمين بإسلامه أو موته بل له أو لورثته، وشهره ابن الحاجب 13، وقيل: هو للمسلمين، وقيل: إنه يملك ما اكتسبه بعد الفتح لا قبله، قاله محمد 14، ابن رشد: وهو استحسان على غير قياس 15.
قوله: (وَفِي الصُّلْح إِنْ أُجْمِلَتْ، فَلَهُمْ أَرْضُهُمْ، وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ، وَوَرِثُوهَا) أشار بهذا الكلام وما بعده إلى أَن الجزية الصلحية على ثلاثة أوجه: الأول: هو المراد بقوله: (إن أجملت فَلَهُمْ أَرْضُهُمْ، وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ، وَوَرِثُوهَا 16 إلى آخره)، ومعناه أنها إذا وقعت
الجزء: 2 - الصفحة: 510
مجملة" أي: وقع الصلح مجملًا عَلى البلد بما حوت من أرض ورقاب من غير تفصيل بما ينوب كل شخص، ونص ابن القاسم فيه على أن أرضهم كمالِهم يبيعونها ويورثونها ويقسمونها وتكون لهم إن أسلموا عليها، ومن مات منهم من غير وارث فنصيبه من الأرض والمال لأهل مؤدَّاه 17، ولا يمنعون من الوصية ولو أحاطت بجميع مالِهم، وهو مراده بقوله: (وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ) أي: جميعه، وذهب ابن حبيب إلى أن الأرض توقف ولا تقسم ولا تباع ولا تكون لمن أسلم 18، ومن مات فماله لورثته 19 من أهل دينه، إلا أن لا يكون له وارث، الوجه الثاني: أن تكون الجزية مفرقة على الجماجم، ولا خلاف فيه أن لهم أرضهم وما لهم ويبيعون 20 ويورثون وتكون 21 لهم إن أسلموا عليها، ومن مات منهم من غير وارث فماله وأرضه للمسلمين.
ولا تجوز وصيته إلا في الثلث، وإلى هذا الوجه 22 أشار بقوله: (وَإِنْ فرِّقَتْ عَلَى الرِّقَاب فَهِيَ لَهُمْ، إِلا أَنْ يَمُوتَ بلا وَارِثٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ).
قوله: (وَوَصِيَّتُهمْ فِي الثُّلُثِ) أي: لا غير، وأما قوله: (وَإِنْ فُرِّقَتْ عَلَيْهَا أوْ عَلَيْهِما فَلَهُمْ بَيْعُهَا، وَخَرَاجُهَا عَلَى الْبَائِع) إشارة إلى الوجه الثالث وهي أن تكون الجزية مفرقة على الأرض فقط أو عليها وعلى 23 الرقاب معًا، وإليهما يعود ضمير التثنية، ومذهب ابن القاسم في المدونة ما ذكره هنا أن لهم بيع الأرض ويكون الخراج على البائع 24، وروى ابن نافع عن مالك أن بيعها لا يجوز 25، ولأشهب في المدونة: أن لهم البيع
الجزء: 2 - الصفحة: 511
ويكون الخراج على المشتري (1).
(المتن)
وَلِلْعَنَوِيِّ إِحْدَاثُ كَنِيسَةٍ، إِنْ شُرِطَ وَإلَّا فَلَا، كَرَمِّ الْمُنْهَدِمِ.
وَلِلصُّلْحِيّ الإِحْدَاثُ، وَبَيْعُ عَرْصَتِهَا أَوْ حَائِطٍ؛ لَا بِبَلَدِ الإِسْلَامِ إِلَّا لِمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ،