قوله: (وَالشَّأْنُ الْقَسْمُ بِبَلَدِهِمْ) أي: والسنة التي مضى عليها السلف أن تقسم الغنائم ببلد العدو؛ لأن ذلك أحفظ للغنيمة إذ يبالغ كل شخص في حفظ نصيبه أكثر مما لو كان مشتركًا، وفيه تطييب نفوس أهل الجيش وتعجيل السرور لهم وتغييظ الكفار وإدخال النكاية عليهم، وغير ذلك من الفوائد في تعجيل القسم.
قوله: (وَهَلْ يَبيعُ لِيَقْسِمَ؟ قَوْلانِ) يريد أنه اختلف في بيع 1 الغنيمة هل تباع ليقسم الإمام أو أمير الجيَش أثمانها؛ لأن ذلك أقرب إلى المساواة من قسمها نفسها لما يدخل في التقويم من الخطأ، ابن عبد السلام: وهو ظاهر قوله: (وَهُمْ أَحَقُّ بِرُخْصِهَا) 2. أو تقسم السلع نفسها 3 فيعطى للفيء الخمس والباقي للغانمين، ونحوه لابن المواز، وقال سحنون: تقسم الأثمان إن وجد من يشتري وإلا قسمت هي 4.
قوله: (وَأُفْرِدَ كُلُّ صِنْفٍ إِنْ أَمْكَنَ عَلَى الأَرْجَحِ) هو تفريع على القول بقسم السلع.
ابن المواز: يقسم كل صنف خمسة 5 أسهم، ويقسم الرقيق كذلك وصيف وصيف 6 يعدون خمسة، فإذا فرغ الوصفاء 7 فعلوا بالنساء المسبيات 8 بعضها ببعض كذلك، ثم الرجال كذلك ثم يكتب على أحدها 9: لله ولرسوله أو للخمس 10، فحيث ما وقع سهم 11 الخمس كان له.
الجزء: 2 - الصفحة: 494
اللخمي: وهو أحسن 12 مع كثرة الغنيمة واتساعها، فإن ضاق الأمر 13 جمع العبيد الذكران والإناث والصغار والكبار وقسموا قسمًا واحدًا، واختلف في المتاع فقيل: يجمع في 14 القسم ابتداء، وقيل: إن حمل كلُّ صنف القسمَ بانفراده لم يُجمع وإلا جُمع، وهو أحسن وأقل غررًا 15 إن كان متسعًا وقدر على أن يجمع كل صنف بانفراده 16، واستحسنه ابن يونس أيضًا 17، ولهذا قال على الأرجح.
قوله: (وَأَخَذَ مُعَيَّنٌ وَإِنْ ذِمِّيًّا مَا عُرِفَ لَهُ قبلُ 18 مَجَّانًا، وَحَلَفَ أَنَّهُ على مِلْكِهُ 19) أي: إذا وجد في الغنيمة مال لمسلم أو ذمي بعينه وعرف بطريقه الشرعي 20 أنه له وكان ذلك قبل القسم أخذ بغير عوض 21، وهو معنى قوله: (مجانًا).
المازري: ويحلف أنه ما باع ولا وهب 22، كما قال هنا، وهذا إذا كان ربه حاضرًا فإن كان غائبًا فقال محمد: إن كان حمله إلى ربه خيرًا له فعل ذلك وأخذ منه الكراء، وإن لم يكن حمله أرفق لربه بيع 23 ونفذ فيه الإمام البيع، وليس لربه حينئذٍ غير الثمن 24، وإك ذلك أشار بقوله: (وَحُمِلَ لَهُ إِنْ كَانَ خَيْرًا وإِلا بِيعَ لَهُ) فالضمير المجرور باللام في الموضعين راجع إلى رب المتاع.
قوله: (وَلَمْ يُمْضَ قَسْمُهُ إِلا لِتَأَوَّلٍ عَلَى الأَحْسَنِ) يريد: أنا إذا فرعنا على المشهور أنه
الجزء: 2 - الصفحة: 495
لا يقسم مال المعين من مسلم أو ذمي فقسمه الإمام، فإن قسمه لا يمضي إلا إذا كان متأولًا في الأخذ بقول بعض 25 أهل العلم، فإن كان جاهلًا لم يمضَ.
ابن عبد السلام: وهذا هو اختيار الأشياخ 26، وهو الأصل، ولهذا قال: (على الأحسن)، وقيل: يمضي قسمه مطلقًا ولا يأخذه ربه إلا بالثمن، وهو قول سحنون، وقيل: لا يمضي مطلقًا، وهو قول ابن القاسم وابن حبيب، ويأخذه ربه بلا ثمن 27.
قوله: (لا إِنْ لَمْ يَتَعَيَّن) أي: فإن عرف أن المتاع لمسلم أو ذمي، لكن لم يعرف عينه فإنه يقسم وهو المشهور، وقال محمد وعبد الوهاب: يوقف 28. (بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ)؛ أي: فإنها توقف.
ابن رشد 29: بلا خلاف 30.
قوله: (وَبِيعَتْ خِدْمَةُ مُعْتَقِ لأَجَلِ وَمُدَبَّرِ وَكِتَابَةٌ) أي: فلو وجد في المغانم معتق لأجل أو مدبر أو مكاتب لمسلم غير معين فإن الإمام أو غيره ممن يتولى قسم المغانم يبيع خدمة المعتق إلى أجل 31، وكذلك خدمة المدبر؛ لأن خدمتهما مال من الأموال، وفي كلامه إشارة إلى أن 32 المكاتب لا تباع خدمته وإنما يباع منه ما بقي فيه 33 لسيده، وهو الكتابة، أو ما بقي منها؛ لأنه أحرز نفسه وماله، ثم إن 34 أدى ما عليه من الكتابة 35 للمشتري عتق وولاؤه للمسلمين، وإن عجز رَقَّ لمشتريه.
قوله: (لا أُمِّ وَلَدِ) أي: فلا تباع خدمتها؛ إذ ليس فيها لسيدها إلا الاستمتاع.
قوله: (وَلَهُ بَعْدَهُ أَخْذُهُ بِثمَنِهِ) أي: وللمعين أخذ متاعه بثمنه؛ يريد: وإن شاء أخذه
الجزء: 2 - الصفحة: 496
بالقدر الذي قُوِّم به في الغنيمة إذا وجده بعد القسم، قال في المدونة: وليس لمن هو في يده (1) أن يأبى ذلك (2)، والقيمة في ذلك يوم القسم، واختلف (3) إن بيع مرارًا وتفاوت الثمن فقال سحنون مرة: يأخذه ربه بأي ثمن شاء، ثم رجع فقال: يأخذه بما وقع في المقاسم (4). ابن عبد السلام: والمشهور إنما يأخذه بالثمن الأول (5)، ولهذا قال هنا: (وَبِالأَوَّلِ إِنْ تَعَدَّدَ) أي: ولربه أخذه بالثمن الأول إن تعدد البيع.
قوله: (وَأُجْبِرَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى الثَّمَنِ) يريد أن أم الولد إذا وقعت في المغانم وقسمت جهلًا فإن ربها يجبر على أن يفديها بالثمن؛ أي: الذي وقعت به في المقاسم وإن كان أضعاف قيمتها، وقال أشهب و (6) المغيرة: يفديها (7) بالأقل من القيمة والثمن (8).
(المتن)
وَاتُّبعَ بِهِ إِنْ أَعْدَمَ، إلَّا أَنْ تَمُوتَ هِيَ أَوْ سَيِّدُهَا، وَلَهُ فِدَاءُ مُعْتَقٍ لأِجَلٍ، وَمُدَبَّرٍ لِحَالِهِمَا، وَتَرْكُهُمَا مُسَلِّمًا لِخِدْمَتِهِمَا، فَإِنْ مَاتَ سَيدُ الْمُدَبَّرِ قَبْلَ الاسْتِيفَاءِ، فَحُرٌّ إِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَاتُّبعَ بِمَا بَقِيَ، كَمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّي قُسِمَا وَلَمْ يُعْذَرَا فِي سُكُوتِهِمَا بِأمْرٍ، وَإنْ حَمَلَ بَعْضَهُ رُقَّ بَاقِيهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ، بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ ثَمَنَهُ فَعَلَى حَالِهِ، وَإِلَّا فَقِنٌّ أُسْلِمَ أَوْ فُدِيَ، وَعَلَى الآخِذِ إِنْ عَلِمَ بِمِلْكِ مُعَيَّنٍ، تَرْكُ تَصَرُّفٍ لِيُخَيّرَهُ، وَإنْ تَصَرَّفَ مَضَى كَالْمُشْتَرِي مِنْ حَرْبِق بِاسْتِيلَادٍ، إِنْ لَمْ يَأخُذْهُ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ، وَإلَّا فَقَوْلَانِ.
وَفِي الْمُؤَجَّلِ تَرَدُّدٌ.