قوله: (وَحَرُمَ نَبْلٌ سُمَّ) الذي نقله غيره عن مالك الكراهة، فقال: وكره مالك ان يقاتل العدو بالنبل المسموم 3؛ لأنه لم يكن فيما مضى، ولأنه قد يعاد إلينا، وهكذا حكي في التوضيح 4. قوله: (وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ إِلا لِخِدْمَةٍ) يريد: أن الاستعانة بالمشرك تحرم أيضًا إلا إذا كان خادمًا للمسلمين، قال في المدونة 5: ولا يستعان بهم في القتال إلا أن يكونوا نواتية أو خدامًا؛ فلا بأس به 6. قوله: (وَإِرْسَالُ مُصْحَفٍ لَهُمْ) أي: ومما يحرم أيضًا إرسال المصحف للمشركين؛12
الجزء: 2 - الصفحة: 459
خشية الإهانة، ولأنهم لا يتوقون النجاسة فينال الصحف ما يُنزه عنه.
قوله: (وَسَفَرٌ بِهِ لأَرْضِهِمْ) أي: وكذا يحرم السفر بالمصحف لأرض المشركين لنهيه عليه السلام عن ذلك.
مالك: وذلك مخافة أن يناله العدو 7، ولا فرق بين أن يسافر به مع جيش كثير آمن أم لا؛ بخلاف المرأة فإنه لا يحرم السفر بها إلى أرضهم في الجيش الكبير 8 الآمن، ولهذا قال: (كَمَرْأَةٍ إِلا فِي جَيْشٍ آمِنٍ) والفرق أن المصحف قد يسقط ولا يشعر به، والمرأة تنبّه على نفسها، ولأن النهي في المصحف عام، وقد صحَّ "أنه عليه السلام كان إذا أراد غزوًا 9 أقرع بين نسائه"، ولا إشكال أن الأمن معه عليه السلام موجود.
قوله: (وَفِرَارٌ إِنْ بَلَغَ المُسْلِمُونَ النِّصْفَ) أي: ومما يحرم أيضًا الفرار من العدو بالشروط التي يذكرها، ولا يجوز ذلك ولو فرَّ الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 16]، وهذا وإن كان ظاهره حرمة الفرار مطلقًا سواء 10 قلوا أو كثروا فقد نسخه قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66]، فأباح الله تعالى الفرار إذا زاد عدد الكفار على الضعف 11، ولهذا قيد تحريم الفرار بكون المسلمين نصف عددهم فصاعدًا، فلو قصر عدد المسلمين عن النصف جاز الفرار، وهو قول الجمهور، وقال عبد الملك: إنما يرجع ذلك إلى القوة والجلد فيلزم أن يثبتوا لأكثر من النصف 12 إذا كانوا أشد من الكفار سلاحًا وأكثر قوة وجلدًا، ولا يلزمهم أن يثبتوا لهم وإن كانوا أكثر من النصف إذا كان الكفار أشد منهم سلاحًا وأكثر قوة
الجزء: 2 - الصفحة: 460
وجلدًا وخافوا أن يغلبوهم، ورواه عن مالك 13. قوله: (وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) يريد أن ما تقدم من أن الكفار 14 إذا زاد عددهم على نصف 15 عدد 16 المسلمين لا يحرم الفرار مشروط بما إذا لم يكن المسلمون قد بلغ عددهم اثني عشر ألفًا، فأما إذا بلغوا ذلك فلا يجوز الفرار وإن زاد العدد 17 على الضعف 18، لقوله عليه السلام: "لن يُغْلَبَ اثنا عشر ألفًا من قِلَّة" 19، ونحوه عن مالك، وفي النوادر: قال أهل العراق: لا يفر اثنا عشر ألفًا من العدو وإن كثروا، ثم ذكر الحديث، قال: وقال 20 سحنون: لا أعرف هذا، ولم يقل عليه السلام: لا تفروا، وقد كان المسلمون يوم اليرموك ثلاثين ألفًا والعدومائة ألف، فرأى أبو عبيدة وخالد القتال، وقال غيرهما من الصحابة ننحاز إلى فئة ونشاور 21 أمير المؤمنين، ثم عزم أبو عبيدة على القتال 22. قوله: (إِلا تَحَرُّفًا وَتَحَيُّزًا إلى فِئَةٍ إِنْ خِيفَ) يريد أن الفرار لا يجوز إذا كان عدد المسلمين نصف عدد العدو أو بلغوا اثني عشر ألفًا إلا متحرفًا لقتال 23 أو متحيزًا؛ والمتحرف: هو الذي يظهر من نفسه الانهزام للعدو وليس قصده ذلك حتى يتبعه العدو فيرجع عليه فيقتله، وهو من مكائد الحرب، والمتحيز: هو الذي يرجع إلى
الجزء: 2 - الصفحة: 461
أمير 24 الجيش أو جماعة بشرط القرب، وأما إن بعد من 25 الأمير أو الجيش فلا يجوز، وقاله مالك، وقوله: (إن خيف) هو كذلك في النوادر؛ أي: فلا يجوز الانحياز إلا عن خوف بيِّن.
أبو محمد: ولا يكون لأمير الجيش ما يكون للسرايا من الانحراف والتولي عنهم 26.
قوله: (وَالمُثْلَةُ) أي: وكذا تحرم المثلة؛ لنهيه عليه السلام عن ذلك، فقد روي: أنه عليه السلام كان إذا بعث جيشًا يوصيهم أن يقاتلوا في سبيل الله ولا يعتدوا 27 ولا يجبنوا عند اللقاء، ولا يمثلوا عند القدرة، ولا يسترقوا 28 عند الظهور، ولا يقتلوا هرمًا ولا امرأة ولا وليدًا، ولا يَغُلُّوا عند المغانم 29 وأن ينزهوا الجهاد عن عرض الدنيا 30.
قوله: (وَحَمْلُ رَأْسٍ لِبَلَدٍ أَوْ وَالٍ) أي: وكذا يحرم 31 حمل رأس القتيل من بلدٍ إلى بلدٍ وحملها إلى الوالي، وذكره في النوادر عن سحنون 32، وقد روي "أن الصديق -رضي الله عنه- أنكر حمل رأس الكافر وقال: إنه من فعل فارس والروم، ومن فعله فقد تأسى بهم".
وأشار إلى أن ذلك لم يرد في كتاب ولا خبر.
قوله: (وَخِيَانَةُ أَسِيرٍ ائْتُمِنَ طَائِعًا وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ) أي: وكذلك تحرم خيانة الأسير
الجزء: 2 - الصفحة: 462
الذي ائتمن طوعًا على مال أو على نفسه 33؛ لقوله عليه السلام: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك" 34 وعن عبد الملك: له الهروب والأخذ من أموالهم وإن ائتمنوه ولا حنث عليه إن أحلفوه، فلو لم يؤتمن 35 أو ائتمن مكرهًا فلا يحرم ذلك 36، وإنما قال: (ولو على نفسه) تنبيهًا على أنه لا فرق في ذلك بين المال والنفس، وعليه جمهور الأصحاب، وفي الكافي وغيره: عن مالك أن له الهروب بنفسه 37، لا بماله 38. قوله: (وَالْغُلُولُ) هو في الاصطلاح مقصورٌ على الخيانةِ من الغنيمةِ، وإليه ذهب من أهل اللغة أبو عبيدة 39، وقال الأكثر منهم: هو عام في كل خيانة، ولا خلاف في تحريمه في غير الطعام وآلات الحرب وما ذكره معهما 40 في المسألة الآتية؛ لقوله عليه السلام: "لا تغلوا؛ فإن الغلول عار ونار وشنار يوم القيامة" 41. ابن حبيب: وأطلق الوعيد في شراك أو شراكين، وفي عقال من الغلول 42. قال
الجزء: 2 - الصفحة: 463
بعضهم: وهو من الكبائر.
قوله: (وَأُدِّبَ إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ) هو قول ابن القاسم وسحنون وابن حبيب 43، قالوا: ولا يحرق رحله ولا يمنع سهمه، وإن جاء تائبًا أخذ منه ولم يُنكَّل؛ لأن التعزير 44 يسقط بالتوبة.
قوله: (وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ نَعْلًا وَحِزَامًا وإِبْرَةً وَطَعَامًا وَإِنْ نَعَمًا، وَعَلَفًا كَثَوْبٍ وَسِلاحٍ وَدَابَّةٍ لِيَرُدَّ) يريد أن ما يأخذه المجاهد المحتاج من نعل أو حزام أو نحوهما أو طعام ونحوه مما ذكر معه لا يسمى غلولًا، ولهذا يجوز له الأخذ ظاهرًا وخفية، قال في المدونة: ولا بأس بأخذ الطعام والعلف من الغنيمة والغنم والبقر ليأكله 45. يعني 46: بغير إذن الإمام، أو جلودًا يعملونها نعالًا أو خفافًا لأكفهم 47 أو غيرها 48 من حوائجهم، وإن حاز 49 ذلك الإمام فلهم أخذه بغير إذنه، وللرجل أن يأخذ من المغنم سلاحًا يقاتل به ويرده، أو دابة للقتال أو ليركبها لبلده إن احتاجها ثم يردها إلى الغنيمة، فإن كانت الغنيمة قد قسمت باعها وتصدق بالثمن والسلاح كذلك وما يحتاج إلى لبسه من الثياب، وروي عن ابن وهب 50 أن مالكًا قال: لا ينتفع بدابة ولا بسلاح ولا بثوب، ولو جاز ذلك لجاز أن يأخذ العين فيشتري به هذا 51، واختار اللخمي جواز أخذ السلاح والخيل دون الثياب 52.
وإنما قيد الشيخ جواز أخذ الثوب والسلاح والدابة بنية الرد كما في المدونة 53؛
الجزء: 2 - الصفحة: 464
لأنه لا يجوز أخذ ذلك بنية التملك، ولأنها ينتفع بها مع بقاء عينها، بخلاف غيرها من الطعام والحيوان للذبح، وكذلك ما يطعم الدواب من العلف.
قوله: (وَرَدَّ الْفَضْلَ إِنْ كَثُرَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ) يريد أن ما أبيح له أخذه من طعام أو غيره فإنه يرد ما فضل منه إن كان كثيرًا وأمكن، واحترز به (1) من اليسير فإنه لا يُلزَم برده بل يجوز له أكله، فإن تعذر رد الكثير تصدق به على المشهور كما ذكر؛ لأنه كمال جُهلت أربابه، ولابن المواز: يتصدق به حتى يبقى منه اليسير فيجوز له أكله (2).
(المتن)
وَمَضَتِ الْمُبَادَلَةُ بَيْنَهُمْ، وَبِبَلَدِهِمْ إِقَامَةُ الْحَدِّ، وَتَخْرِيبٌ وَقَطعُ نَخْلٍ وَحَرْقٌ؛ إِنْ أَنْكَى، أَوْ لَمْ تُزجَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ كَعَكْسِهِ، وَوَطْءُ أسِيرٍ زَوْجَةً، أَوْ أَمَةً سَلِمَتَا، وَذَبْحُ حَيَوَانٍ، وَعَرْقَبَتُهُ وَأُجْهِزَ عَلَيهِ، وَفِي النَّحْلِ إِنْ كَثُرَتْ وَلَمْ يُقْصَدْ عَسَلُهَا رِوَايتَانِ.
وَحُرِقَ إِنْ أَكَلُوا الْمَيتَةَ، كَمَتَاعٍ عُجِزَ عَنْ حَمْلِهِ، وَجَعْلُ الدِّيوَانِ، وَجُعْلٌ مِنْ قَاعِدٍ لِمَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ، أَنْ كَانَا بِدِيوَانٍ وَرَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ.