قوله: (أَوْ حَمْلِ فُلانٍ إِنْ نَوَى التَّعَبَ) هكذا نص في المدونة على أن القائل: أنا أحمل فلانًا إلى بيت الله، إن أراد تعب نفسه وحمله على 6 عنقه، يحج ماشيًا ويهدي 7. ابن يونس: والهدي على الاستحباب 8، وقيل: واجب.12345
الجزء: 2 - الصفحة: 442
قوله: (وَإِلا رَكِبَ وَحَجَّ بِهِ بِلا هَدْيِ) أي: وإن لم يرد 9 إتعاب نفسه ولا حمله على عنقه ركب وحج بالرجل معه، ولا هدي 10 عليه، وقاله في المدونة، ثم قال: وإن أبى الرجل أن يحج حج الحالف وحده راكبًا، ولا شيء عليه في الرجل 11.
قوله: (وَلغَا 12 عَلَيَّ الْمَسِيرُ، وَالذَّهَابُ، وَالرُّكُوبُ لِمَكَّةَ) يريد أن من قال: إن كلمت فلانًا فعليَّ المسير أو الذهاب أو الركوب إلى مكة، فلا شيء عليه، وقاله ابن القاسم في المدونة، ثم قال 13 فيها: إلا أن ينوي أن يأتيها حاجًّا أو معتمرًا فليأتها راكبًا إلا أن ينوي ماشيًا 14، وقوله: (لَغَا 15) أي: بطل، وقال أشهب: يلزمه الإتيان إلى مكة بهذه الألفاظ.
ولابن القاسم أيضًا: يلزم في قوله عليَّ الركوب فقط 16. القاضي: يريد سواء نوى أو لم ينوِ 17. ولابن القاسم أيضًا 18: مثل قول أشهب 19.
قوله: (وَمُطْلَقُ الْمَشْيِ) يريد: أن من قال: عليَّ المشي ولم يسمِّ مكانًا فلا شيء عليه؛ لأن المشي على انفراده لَا طاعة فيه، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: يلزمه المشي إلى مكة.
ابن يونس: ويأتي إلى مسجد غير الثلاثة إن كان قريبًا كالأميال اليسيرة ماشيًا 20 ويصلي فيه، وقال ابن حبيب: إن كان بموضعه 21 مسجد جمعة لزمه الإتيان إليه، وقاله مالك 22.
الجزء: 2 - الصفحة: 443
قوله: (وَمَشْيٌ لِمَسْجِدٍ، وَإِنْ لاعْتِكَافٍ) يريد: أن من نذر المشي لمسجد 23 -أي: من غير المساجد الثلاثة- لم يلزمه، وإن نوى اعتكافًا به؛ يريد لقوله عليه السلام: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى" 24، وفي الرسالة: وأما غير هذه الثلاثة 25 فلا يأتيه ماشيًا ولا راكبًا 26، ولا يلحق بالثلاثة مسجد قباء خلافًا لابن مسلمة 27. قوله: (إِلَّا الْقَرِيبَ جِدًّا فقَوْلانِ تَحْتَمِلُهُمَا) أي: المدونة، ومراده أن المسجد الذي نوى الإتيان إليه إن كان قريبًا جدًّا فإن فيه قولين، والمدونة محتملة لهما 28، وظاهرها 29 عند اللخمي 30 وابن يونس: أنه لا شيء عليه؛ لقوله: ولو نذر الصلاة في غيرها من مساجد الأمصار صلى بموضعه، وفي الرسالة 31 نحوه، وقال محمد 32: إن كان قريبًا جدًّا كالأميال اليسيرة أتاه ماشيًا وصلى فيه كما التزم 33، وقاله ابن الجلاب 34، ولابن حبيب ما تقدم، وقاله مالك 35، واستحسنه اللخمي 36 وغيره 37، وانظر ما هنا مع
الجزء: 2 - الصفحة: 444
ما له 38 في المدونة في باب الاعتكاف فيمن نذر جوار مسجد مثل جوار 39 مكة لزمه ذلك فيه 40، ولعلَّ 41 هذا هو السبب في كون المدونة محتملة للقولين.
قوله: (وَمَشْيٌ لِلْمَدِينَةِ، أَوْ إِيلْيَاءَ إِنْ لَمْ يَنْوِ صَلاةً بِمَسْجِدَيْهِمَا 42، أَوْ يُسَمِّهِمَا، فَيَرْكَبُ) يشير إلى قوله في المدونة: ومن قال: لله عليَّ أن آتي المدينة أو بيت المقدس أو أمشي إلى المدينة أو بيت المقدس، فلا يأتيهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما 43 أو يسميهما، فيقول: إلى مسجد الرسول أو مسجد إيلياء، وإن لم ينو الصلاة فيهما فيأتيهما 44 راكبًا، ولا هدي عليه، وكأنه لما سماهما قال: لله عليَّ أن أصلي فيهما 45. انتهى.
ولابن وهب -واستحسنه الأشياخ- لزومُ الإتيان إليهما ماشيًا 46.
قوله.
(وَهَلْ إِنْ كَانَ بِبَعْضِهَا، أَوْ إِلَّا لِكَوْنِهِ بِأَفْضَلَ؟ خِلافٌ) يريد أن الأشياخ اختلفوا إذا كان الناذر في أحد المساجد الثلاثة والتزم الإتيان إلى الآخر، هل يلزمه ذلك مطلقًا، أو إذا كان الذي هو فيه مفضولًا، وأما إن كان فاضلًا فلا؟ وإلى الأول ذهب ابن بشير، قال: والظاهر من المذهب لزوم الإتيان وإن كان موضعه أفضل من الذي التزم المشي إليه 47، وإلى الثاني ذهب اللخمي، فقال: إن كان بمكة أو المدينة صلى بموضعه، وأجزأه إذا نذر الصلاة في بيت المقدس والمقدسي يأتيهما، وإن نذر مكي الصلاة بالمدينة أو بالعكس أتاه، وذلك أحوط؛ ليخرج من الخلاف، وقياس قول مالك: يأتي المكي المدينة بخلاف العكس 48.
الجزء: 2 - الصفحة: 445
قوله: (وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكْةُ) لا خلاف أن بيت المقدس مفضولٌ بالنسبة إليهما، واختلف في مكة والمدينة ما عدا موضع 49 قبر نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ الإجماع على أنه أفضل بقاع الأرض 50 كلها، نقله القاضي عياض في الإكمال، والمشهور أن المدينة أفضل، وقال ابن وهب وابن حبيب: مكة أفضل، وهو مذهب الشافعي 51، ولا يخفى ما في ذلك من الأدلة والحجج لكل من الفريقين، ولولا الإطالة لجلبنا ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 446