قوله: (وَعَلَى الصَّرُورَةِ جَعْلُهُ فِي عُمْرَةٍ ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ عَلى الْفَوْرِ) يريد: أن من نذر مشيًا إلى مكة أو حلف فحنث به وكان صرورة -أي: لم يحج حجة الإسلام- فإن عليه أن يجعل مشيه إلى مكة في عمرة، ثم يحج من عامه من مكة حجة الإسلام، ولا يؤخره إلى العام القابل.
قوله: (وَعَجَّلَ الإِحْرَامَ فِي أَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ إِنْ قَيَّدَ بِيَوْمِ كَذَا) يعني: أنه يتعين عليه الإحرام على الفور في قوله: أنا محرم أو أحرم يوم أفعل كذا إذا فعله؛ لأن النذور المطلقة محملها 1 على الفور أو عقيب السبب الذي عُلِّقت عليه، وحمله الباجي على الاستحباب 2، وقيل: لا يلزمه ذلك على الفور.
قوله: (كَالْعُمْرَةِ مُطْلَقًا، إِنْ لم يَعْدَمْ صَحَابَةً) أي: إذا قال: أنا محرم بعمرة، فإنه يتعين عليه أن يحرم بها على الفور إن لم يعدم الرفقة، قال في المدونة: ويخاف على نفسه؛ أي: إن خرج وحده، ثم قال: وليؤخر حتى يجد فيخرج حينئذٍ 3، وقال سحنون: يحرم فإن لم يجد صحابة أقام على إحرامه 4.
قوله: (لا الْحَجِّ وَالْمَشْيِ فَلأَشْهُرِهِ) أبو محمد: ولما كانت العمرة لا وقت لها لزم الإحرام لها حين الحنث، وأما الحج فإن له زمانًا وهي الأشهر 5، فمتى حنث قبلها لم ينبغِ له أن يحرم له حتى تدخل أشهره 6.
الجزء: 2 - الصفحة: 438
قلت: ولهذا قال 7 هنا: (لا الحج فلأشهره)، وأما قوله: (والمشي) فيريد به أن ناذر المشي لا يلزمه أن يخرج على الفور، وشهره ابن الحاجب، وخرج المشي على الفور من القول في المسألة السابقة بأن الإحرام على الفور 8.
قوله: (إِنْ وَصَلَ، وَإِلا فَمِنْ حَيْثُ يَصِلُ) هكذا قيده الشيخ أبو محمد، فقال عقيب كلامه: وهذا إذا كان يصل من بلده إلى مكة في أشهر الحج، فأما إن كان لا يصل إلى مكة حتى تخرج أشهر الحج فإنه يلزمه الإحرام من وقت حنث.
ابن يونس: يريد من وقت يصل فيه إلى مكة ويدرك الحج، قال: وحكي لنا عن أبي الحسن 9 القابسي أنه قال: بل يخرج من بلده غير محرم فأينما أدركته أشهر الحج أحرم.
وقول أبي محمد أولى 10؛ لأن معنى قوله: أنا محرم بحجة؛ أي: إذا جاء وقت خروج الناس خرجت أنا محرمًا، على ذلك يحمل قوله وعليه يدل لفظه، وفي الموازية 11: يُحرِم في أشهر الحج، وفي موضع آخر في أوان الحج 12، وهو يدل على صحة تأويل أبي محمد، وإليه أشار بقوله: (عَلَى الأَظْهَرِ).
قوله: (وَلا يَلْزَمُ فِي مَالِي فِي الْكَعْبَةِ، أَوْ بَابِهَا) أي: لا يلزم القائل بذلك شيء من كفارة يمين أو غيرها، وقاله في المدونة فيمن قال: مالي في رتاج الكعبة؛ أي: بابها.
ابن القاسم: وكذا إن قال: مالي في الكعبة أو الحطيم 13، فلا شيء عليه؛ لأن الكعبة لا تنتقض 14 فتبنى 15، والحطيم ما بين الباب إلى المقام، وقال ابن حبيب 16: ما بين
الجزء: 2 - الصفحة: 439
الركن الأسود إلى الباب إلى المقام؛ إذ 17 عليه ينحطم الناس 18.
قوله: (أَوْ كُلُّ مَا أَكتَسِبُهُ) أي: وكذا لا يلزم القائل: "كل ما اكتسبه في الكعبة أو بابها أو نحو ذلك" شيء 19؛ لأنه من باب الحرج والمشقة، أما لو عين مدة يكتسب إليها أو مكانًا لزمه التصدق بثلث 20 ما يكتسب إلى المدة أوفي المكان عند ابن القاسم وابن عبد الحكم، ولم يلزمه عند ابن الماجشون، وعن أصبغ القولان 21.
قوله: (أَوْ هَدْيٌ لِغَيْرِ مَكَّةَ) يريد: لأن سَوْقه إلى غيرها من البلدان بدعة 22 ضلال، وقاله في المدونة 23، وقد جاء: "لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم" 24.
قوله: (أَوْ مَالُ غيرٍ، إِنْ لَمْ يُرِدْ إِنْ مَلَكَهُ) أي: وكذا لا شيء عليه فيما التزمه من مال غيره، وسواء كان مما يهدى 25 أم لا، قاله في المدونة، وحجته الحديث السابق 26، أما إن التزمه ونوى إن ملكه 27 فإنه يلزمه إذا ملكه على المشهور، وقيل: لا يلزمه.
قوله: (أَوْ عَلَيَّ نَحْرُ فُلانٍ وَلَوْ قَرِيبًا، إنْ لَمْ يَلْفِظْ بالْهَدْيِ، أَوْ يَنْوِهِ أَوْ يَذْكُرْ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ) أي: وكذا لا يلزمه شيء 28 إذا قال: لله عليَّ 29 نحر فلان، إلا أنه إن كان
الجزء: 2 - الصفحة: 440
أجنبيًّا فلا يلزمه شيء مطلقًا على المشهور؛ لأنه ظاهر في المعصية 30، وإن كان قريبًا ولم يذكر الهدي ولا نواه ولا ذكر المقام فلا شيء عليه أيضًا.
ابن بشير: أولم يذكر موضعًا من مواضع مكة أو منى فلا شيء عليه 31، أما إن قال: لله عليَّ هدي فلان فإنه يلزمه هدي على المشهور، وقيل: لا شيء عليه لأنه نذر في معصية، واحترز بقوله: (أو ينوه) مما إذا نوى الهدي فإنه يلزمه بلا خلاف، وبقوله: (أو يذكر مقام إبراهيم) مما إذا ذكره؛ يريد: أو ذكر شيئًا من مواضع مكة أو منى فإنه يلزمه الهدي مثل أن يقول: لله عليَّ أن أنحر ولدي في مقام إبراهيم أوفي مكة أو منى، أو إن فعلت كذا فعلي نحر ولدي في بعض هذه الأماكن 32 وهو المشهور، وقيل: عليه كفارة يمين فقط، وسواء ذكر هذه المواضع 33 أم لا.
اللخمي: وسواء نوى الهدي أم لا 34.
قال عبد الحق: عليه كفارة يمين إلا أن ينوي وجه الهدي، وجعله مذهب المدونة 35، ثم رجع مالك 36 فقال: لا شيء عليه إلا أن ينوي وجه الهدي فيلزمه.
ابن القاسم: وهو أحب إليَّ من الذي سمعت منه، والذي سمعت منه: إذا لم يقل عند مقام إبراهيم فعليه الكفارة 37، وإن قال عند المقام فليهدِ 38. وذهب بعض القرويين إلى أنه لا يلزمه شيء في غير المعلق، كقوله: لله عليَّ كذا؛ لأنه لا نذر 39 في معصية 40، ويلزمه في
المعلق، كقوله: إن فعلت كذا فعلي نحر ولدي في مكة أو مقام إبراهيم ونحوهما 41،
الجزء: 2 - الصفحة: 441
وهو كقوله (1) في كتاب الأبهري (2)، وهو ظاهر المدونة.
ابن عبد السلام: وحيث أمرناه بالهدي فقيل: إنه من الإبل، فإن لم يجد فمن البقر، فإن لم يجد فمن الغنم، وقيل: يكتفى بكبش، واختاره ابن شعبان (3)، وإلى الأول أشار بقوله: (وَالأَحَبُّ حِينَئِذٍ كَنَذْرِ الْهَدْيِ بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ) أي: فإن لم يجد بدنة فبقرة، وقد مر بيانه، لكن ظاهره أنه لا يكون من الغنم عند عدم وجدان غيرها، وليس كذلك.
قوله: (كَنَذْرِ الْحَفَاءِ) أي: وكذا لا يلزم من نذر المشي حافيًا شيء؛ لأنه لا قربة فيه والأحب له الهدي، وقاله ابن الجلاب (4) ونحوه في المدونة (5)، وعلى هذا فالتشبيه في عدم اللزوم واستحباب الهدي، ويحتمل في عدم اللزوم فقط، ويصير المعنى: ولا يلزم في قوله: ما لي في الكعبة شيء، كنذر الحفاء وهو ظاهر.
(المتن)
أَوْ حَمْلَ فُلَانٍ إِنْ نَوَى التَّعَبَ، وَإِلَّا رَكِبَ وَحَجَّ بِهِ بِلَا هَدْي.
وَلَغَا عَلَيَّ الْمَسِيرُ، وَالذَّهَابُ، وَالرُّكُوبُ لِمَكَّةَ، وَمُطْلَقُ الْمَشْيِ، وَمَشْيٌ لِمَسْجِدٍ، وَإِنْ لاِعْتِكَافٍ، إِلَّا الْقَرِيبِ جِدًّا فَقَوْلانِ تَحْتَمِلُهُمَا.
وَمَشْيٌ لِلْمَدِينَةِ، أَوْ إِيلِيَاءَ إِنْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةً بِمَسْجِدَيْهِمَا، أَوْ يُسَمِّهِمَا، فَيَرْكَبُ، وَهَلْ إِنْ كَانَ بِبَعْضِهَا، أَوْ إِلَّا لِكَوْنِهِ بِأَفْضَلَ؟ خِلَافٌ، وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكَّةُ.