(النَّذْرُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ كُلِّفَ) هو عبارة عن الالتزام والإيجاب، وأركانه ثلاثة: الملتزم والصيغة وما يلتزم 10، فالملتزم كل مسلم مكلف، فلا يلزم الكافر ولا الصبي ولا 11 المجنون.123456789
الجزء: 2 - الصفحة: 421
قوله: (وَلَوْ غَضْبَانَ) أي: أنه يلزم المسلم المكلف ولو صدر منه في حال غضبه، وهو المعروف نص عليه ابن بشير، وعن ابن القاسم قوله: إن فيه كفارة يمين 12.
قوله: (وَإِنْ قَالَ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ أرَى خَيْرًا مِنْهُ، بِخِلافِ إِلا أَنْ يَشَاءَ فُلانٌ فَبِمَشِيئَتِهِ) يريد أن النذر لازم له، وإن قال: إلا أن يبدو لي أو أرى خيرًا منه، بخلاف ما إذا قال: إلا أن يشاء فلان فلا يلزم إلا 13 بمشيئته 14، وقاله في المدونة فيمن قال: على المشي إلى مكة 15.
قوله: (وَإِنّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ كَلِلَّهِ عَلَيَّ، أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ) هذا الكلام فيه إشارة إلى صيغة الالتزام وما يلزم بذلك، فأما صيغته فنحو: لله عليَّ كذا من حج أو صدقة أو صلاة أو صيام أو اعتكاف أو أضحية أو غيرها من القُرَب، وأما ما يلزم به، فأشار إليه بقوله: (ما ندب)، فأخرج به الواجب الأصلي كصوم رمضان ونحوه من الواجبات؛ إذ هو لازم بغير النذر، والمحرم كالزنى والقتل وشرب الخمر ونحوها، فلا يلزمه ما نذر من ذلك.
قوله: (وَنُدِبَ الْمُطْلَقُ) أي: الذي يوجبه الإنسان على نفسه ابتداء شكرًا لله تعالى.
ابن رشد: وهو مذهب مالك 16، وحكاه في الجواهر 17.
قوله: (وَكُرِهَ الْمُكَرَّرُ) أي: كما إذا نذر صوم كل خميس أو كل اثنين أو نحو ذلك، قاله 18 في المدونة 19؛ مخافة التفريط في الوفاء به، واختلف في النذر المعلق على شرط كقوله: إن شفى الله تعالى مريضي أو نجاني من كذا أو رزقني كذا فعليَّ المشي إلى مكة أو صدقة كذا أو نحو ذلك، هل هو مكروه، وإليه ذهب الباجي 20 وابن
الجزء: 2 - الصفحة: 422
شاس 21 وغيرهما، أو لا؟ وإليه ذهب صاحب البيان 22، وإلى هذا أشار بقوله: (وَفِي كُرْهِ الْمُعَلِّقِ ترَدُّدٌ).
قوله: (وَلَزِمَ الْبَدَنَةُ بِنَذْرِهَا) يريد أن من نذر هدي بدنة؛ أي: سواء كان نذرًا معلقًا أم لا، فإنه يلزمه إخراجها لله تعالى.
قوله: (فَإِنْ عَجَزَ فَبَقَرَةٌ) أي: فإن لم تكن عنده بدنة ولا مقدار 23 ثمنها فإنه يخرج بقرة، وهو المشهور، وقال ابن نافع: لا يجزئه إلا ما نذر 24.
قوله: (ثُمَّ سَبْعُ شِيَاهٍ) أي: فإن عجز عن البقرة أخرج سبع شياه من الغنم، وهو المشهور، وفي كتاب محمد: عشرًا 25.
قوله: (لا غَيْرُ) أي: فإن عجز عن الغنم لم يجزئه الصيام بوجهٍ، وهو مذهب المدونة 26، وفي الواضحة: إذا أعسر صام سبعين يومًا، وقال أشهب: إن أحب صام سبعين يومًا 27 أو أطعم سبعين مسكينًا 28.
قوله: (وَصِيَامٌ بِثَغْرٍ) أي: ولزمه 29 صيام بثغر من الثغور كعسقلان والإسكندرية إذا نذره، قال في المدونة: وإن كان -أي: الناذر- من مكة أو المدينة 30.
قوله: (وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ) أي: ولزمه 31 إخراج ثلث ماله في قوله: مالي في سبيل الله ونحوه مما سيأتي، وهذا هو المشهور، ولسحنون: إنما يلزمه ما لا يضرُّ به 32، ولابن
الجزء: 2 - الصفحة: 423
وهب قولان، أحدهما: أنه إن كان ذا يسار فثلث ماله (1)، وإن كان قليل المال فالربع (2)، وإن كان عديمًا فكفارة يمين، والثاني: أنه يلزمه إخراج جميع المال (3)، وعلى المشهور: لو حلف وماله ألف دينار (4) ثم حنث وهو ألفان فلا يلزمه إلا ثلث الألف، وإليه أشار بقوله: (حين يمينه).
قوله: (إِلا أَنْ يَنْقُصَ فَما بَقِيَ) أي: إلا أن ينقص ماله بين اليمين والحنث فلا يلزمه إلا ثلث ما بقي من ذلك وهو متفق عليه إذا كانت يمينه على بر، وإن كانت على حنث فكذلك على المشهور.
قوله: (بِمَالِي) أي: في قوله: (5) مالي (6)، أو بسبب قوله: مالي في كذا.
قوله: (فِي كَسَبِيلِ اللهِ) إنما أدخل الكاف على ذلك تنبيهًا على عدم اختصاص هذا النوع (7) بالحكم المذكور بل يشاركه في ذلك قوله "مالي صدقة للفقراء أو هبة لهم أو هدي لله"، أو "هو في جنب الله"، أو حلف بذلك فحنث.
(المتن)
وَهُوَ الْجِهَادُ، وَالرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خِيفَ وَأُنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا لِتَصَدَّقٍ بِه عَلَى معَيَّنٍ فَالْجَمِيعُ وَكَرَّرَ إِنْ أَخْرَجَ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، وَمَا سَمَّى وَإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلى الْجَمِيعِ وَبَعْثُ فَرَسٍ وَسِلاحِ لِمَحَلِّهِ إِنْ وَصَلَ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِيعَ وَعُوِّضَ كَهَدْيٍ وَلَوْ مَعِيبًا عَلَى الأَصَحِّ، وَلَهُ فِيهِ إِذَا بِيعَ الإِبْدَالُ بالأَفْضَلِ، وَإِنْ كَانَ كَثَوْبٍ بِيعَ، وَكُرِهَ بَعْثُهُ وَأُهْدِيَ بِهِ، وَهَلِ اخْتُلِفَ هَلْ يُقَوِّمُهُ؟ أوْ لَا، أَوْ لَا نَدْبًا، أَوِ التَّقْوِيمُ إِذَا كَانَ بِيَمِينٍ؟ تَأْوِيلَاتٌ،