قوله: (وَلا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ) أي: من نوعين فأكثر وهو متفق عليه بالنسبة إلى العتق، وأما بالنسبة إلى الإطعام والكسوة فكذلك على المشهور، وهو قول ابن القاسم في المدونة 2 وقول أشهب 3، ولابن القاسم في الموازية 4 الإجزاء 5، فإذا أعتق رقبة وأطعم عشرة مساكين وكسا عشرة عن ثلاث كفارات، فإن نوى كل خصلة 6 منها عن كفارة أجزأه، وإن شرَّك 7 لم يُجزِه عن العتق 8 اتفاقًا، ولا عن غيره على المشهور، ومعنى التشريك بين الأيمان هو التشريك 9 في كل كفارة من حيث هي كفارة لا فيما يأخذ كل 10 مسكين؛ إذ لو نوى ذلك لم يجزِه عن شيء إلا أن يعلم أعيان المساكين الذين دفع إليهم الطعام، فيزيد كل واحد منهم تمام المد، نص عليه غير واحد.
قوله: (وَمُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ) يريد أن العدد و 11 هو العشرة معتبر كما في الآية، فلو1
الجزء: 2 - الصفحة: 370
أعطى خمسة مدين مدين 12 لم يجز، وهو المراد بالتكرير، وكذلك لو أعطى كسوة العشرة لخمسة ونحوهم مما هو دون العشرة.
قوله: (وَنَاقِصٌ كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ) أي: ولا يجزئ 13 ناقص عن المد لكل مسكين 14 كأن يدفع العشرة أمداد لعشرين مسكينًا لكل واحد نصف مد لعدم حصول العدد 15 الخاص مع سد خلتهم 16، ثم قال: (إِلا أَنْ يُكَمِّلَ) أي: يكمل لعشرة منهم على ما أخذوا عشرة أمداد لكي يحصل 17 لِكلِّ مد، واختلف شراح المدونة هل من شرط 18 التكميل أن يكون ما دفعه إليهم أولًا باقيًا بأيديهم أم 19 لا؟ كما نبه عليه بقوله: (وَهَلْ إِنْ بَقِيَ؟ تَأْوِيلانِ) قال القاضي عياض: وتأمل 20 ههنا تفرقته في الكتاب 21 في الكفارات في الغداء والعشاء، فإنه بين 22 في 23 مراعاة حصول 24 قدر المد إلى المسكين الواحد وإن تفرقت عليهم 25 في أوقات، وأن من أعطى لكل مسكين نصف مد أو ربعه في الكفارات أن عليه أن يكمل على 26 ذلك تمام المد سواء كانت بيد المسكين أو أكلها 27،
الجزء: 2 - الصفحة: 371
وهو 28 ظاهر المدونة 29 خلاف ما ذهب إليه أحمد بن خالد 30 أنه إنما يتم 31 عليها إذا كانت قائمة بأيدي المساكين حتى يكمل عليه بيد كل مسكين مد في وقت واحد، وأنه لا يجزئ تفرقة المد في أوقات على مسكين، وزعم أنه ظاهر المدونة، وليس كذلك.
قوله: (وَلَهُ نَزْعُهُ إِنْ بَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ) يريد أنه إذا دفع الكفارة الواحدة لعشرين مسكينًا مثلًا لكلٍّ نصف مد فإن له نزع ذلك النصف من عشرة منهم بالقرعة؛ ومعنى قوله: (إن بين) 32 أي: إن أعلمهم أنها كفارة وكانت قائمة بأيديهم، فإن أفاتوه أكمل لعشرة 33. اللخمي: ولا يغرم من أفات، وإن غابوا استأنف الكفارة 34.
قوله: (وَجَازَ لِثَانِيَةٍ إِنْ أَخْرَجَ، وَإلا كُرِهَ) لما ذكر أن ما تكرر لمسكين لا يجزئ خشي أن يتوهم ذلك ولو مع كفارة ثانية، فأشار إلى جواز الإعطاء ثانيًا من كفارة ثانية، وهو متفق عليه إن وجبت الثانية بعد إعطاء الأولى، وهو معنى قوله: (إن أخرج)، فأما إن وجبت قبل الإخراج، فإنه يكره.
ابن أبي زيد: لئلا تختلط النية في الكفارتين، وأما إن حصلت النية في كل كفارة فجائز، وصوبه أبو عمران 35.
قوله: (وَإنْ كَيَمِينٍ وَظِهَارٍ) إنما ذكر هذا مبالغة لينبه به على حصول الكراهة 36، وإن اختلفت الكفارتان.
قوله: (وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ) يريد أن من كفر قبل حنثه -أي: وبعد يمينه- فإنه يجزئه؛ لأن سبب الحكم إذا تقدم على شرطه جاز ترتبه 37 عليه، كالعفو عن القصاص
الجزء: 2 - الصفحة: 372
قبل الموت؛ لتقدم السبب الذي هو الجرح، وتقديم الزكاة قبل الحول؛ لتقدم ملك 38 النصاب، واليمين ههنا سبب والحنث شرطه، فجاز تقديم الكفارة قبل الشرط وبعد السبب، ولا يجزئ قبل السبب اتفاقًا، وما ذكره هنا هو المشهور، وروى أشهب عن مالك عدم الإجزاء 39، وحمله بعضهم على الاستحباب، ومنهم من يحكي الجواز وعدمه، ويفرق في الثالث بين أن يكون على حنث فيجوز تقديمها، أو على بر فلا يجوز، وفي الكافي: رابع بعدم جواز تقديم الصوم دون غيره 40.
قوله: (وَوَجَبَتْ بِهِ) أي: بالحنث وهو مما لا أعلم فيه خلافًا، وأشار بقوله: (إِنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ) إلى أن 41 الحكم المذكور فيمن حنث طوعًا أو أكره وكان على حنث كمن 42 حلف ليأكلن طعامًا بعينه فمنع منه حتى انعدم وما أشبه ذلك، وأما إن أكره وكان على بر فإنه لا يحنث ولا تجب عليه الكفارة، كمن حلف: لا أدخلن 43 دار زيد فأكره على دخولها، أو لا يأكل طعامًا معينًا فأكره على أكله.
ابن عبد السلام: وهو المشهور 44، وظاهر ما في العتبية لزوم الكفارة؛ أي: كانت يمينه على حنث أو على بر، وقيل: لا تلزمه كفارة.
قوله: (وَفي عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ وَعِتْقُهُ، وَصَدَقَةٌ بِثُلُثِهِ، وَمَشْيٌ بِحَجٍّ، وَكَفَّارَةٌ) أي: اختلف فيمن قال: عليَّ 45 أشد ما أخذ أحد على أحد، فقال ابن وهب: عليه كفارة يمين 46، وقال ابن القاسم: إن لم تكن له نية لزمه طلاق نسائه وعتق جميع رقيقه والصدقة بثلث ماله والمشي إلى بيت الله تعالى 47، فلما كان من جملة
الجزء: 2 - الصفحة: 373
ما يترتب على قائل ذلك عنده الطلاق الثلاث الذي هو قطع العصمة وعتق (1) جميع رقيقه (2) أشار إليه (3) بقوله: (بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ وَعِتْقُهُ) أي: بت طلاق من يملك عصمتها من الزوجات، وعتق من يملك رقبته من الأرقاء، وقوله: (بحج) أي: في حج، يريد: أو عمرة، وأراد بقوله: (وكفارة) أي: كفارة يمين.
(المتن)
وَزِيدَ في الأَيْمَانِ تَلْزَمُنِي: صَوْمُ سَنَةٍ إِنِ اعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ وَفِي لُزُومِ شَهْرَيْ ظِهَارٍ تَرَدُّدٌ.
وَتَحْرِيمُ الْحَلالِ في غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالأَمَةِ لَغْوٌ، وَتَكَرَّرَتْ إِنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ، أَوْ كَانَ الْعُرْفَ، كَعَدَمِ تَرْكِ الْوِتْرِ، أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ، أَوْ قَالَ: لا وَلا، أَوْ حَلَفَ أَلَّا يَحْنَثَ، أَوْ بِالْقُرْآنِ، وَالْمُصْحَفِ، وَالْكِتَابِ، أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أَوْ بِكُلَّمَا، أَوْ مَهْمَا، لا مَتَى مَا، وَوَاللهِ، ثُمَّ وَاللهِ وَإنْ قَصَدَهُ.
أَوِ الْقُرْآنِ، وَالتَّوْرَاةِ، وَالإِنْجِيلِ، وَلا كَلَّمَهُ غَدًا وَبَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا.