قوله: (وَمُنِعَ الْبَيْعُ) أي: بيع شيء من لحم الأضحية أو جلدها أو شعرها أو غيره، وقاله في المدونة 1؛ لأنها صارت قربة لله تعالى، والقرب 2 لا تقبل المعاوضة.
ابن المواز: ولا يتصدق بلحمها على من يعلم أنه يبيعه 3.
قوله: (وَإنْ ذَبَحَ قَبْلَ الإِمَامِ) أتى بهذا وما بعده على طريق المبالغة، ومراده أن الأضحية لا يجوز بيع شيء منها ولو ذبحت قبل ذبح الإمام، وقاله القابسي لقوله عليه السَّلام لأبي بردة في العَنَاق: "هي خير نسكيك" 4، فسمى ما أجزأه وما لم يجزئه نسكًا، وقال بعض الأشياخ: يجوز البيع وتسمية ما لم يجزئ نسكًا إنما هو باعتبار قصد الذابح، ويدل
الجزء: 2 - الصفحة: 349
عليه قوله عليه السَّلام: "ومن ذبح قبل الإمام فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء" 5.
قوله: (أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَةَ الذَّبْحِ، أَوْ قَبْلَهُ) يريد: كما لو جاءت السكين في عينها ففقأتها أو ضربت برجلها فانكسرت ونحوه، ونص ابن حبيب كما قال هنا على عدم البيع 6، وكذلك نص 7 التونسي على منعه أيضًا في حق من ضحى بمعيبة جهلًا أو وجد بها عيبًا بعد أن ضحى بها 8، وإليه أشار بقوله: (أوْ ذَبَحَ مَعِيبًا جَهْلًا).
قوله: (وَالإِجَارَةُ) أي: وكذلك تمنع إجارة الجلد كما يمنع بيع اللحم وغيره، وهو الصحيح خلافًا لسحنون 9.
قوله: (وَالْبَدَلُ) أي: بدل الجلد، وقد نص محمد على منع بدله بجلد آخر لأنه شبيه بالبيع 10.
قوله: (إِلا المُتَصَدِّقَ عَلَيْهِ) أي: فإنه لا يمنع من ذلك، ونص عليه أصبغ 11، وقال ابن غلاب هو المشهور، ومنعه مالك من البيع 12، لأنه منزل منزلة الأصل، وقياسًا على الوارث.
قوله: (وَفُسِخَتْ) أي: العقدة من بيع أو إجارة أو بدل، يريد: إذا عثر على ذلك مع
الجزء: 2 - الصفحة: 350
قيام اللحم والجلد أو غيرهما ورد الثمن في البيع والمبدل في البدل، فإن لم يعثر على ذلك حتى فات تصدق بالعوض، وهو قول ابن القاسم، وابن حبيب 13، وإليه أشار بقوله: (وتُصُدِّقَ بِالْعِوَضِ فِي الْفَوْتِ)، وقال سحنون: يصرفه فيما يصرف فيه المعوض 14، وقال ابن عبد الحكم: يصنع به ما شاء كسائر أمواله 15، والتصدق عند ابن القاسم مقيد بما إذا لم يتولَّ البيع غيره بغير إذنه، وإليه أشار بقوله: (إِنْ لَمْ يَتَوَلَّ غَيْرٌ بِلا إِذْنٍ) وأما إذا تولاه غيره من أهله أو عياله ولم 16 يعلم بذلك ولا أذن فيه وفات الثمن، فلا شيء عليه، ونص عليه في العتبية، وقيده في البيان بما إذا صرفوه فيما له عنه غنى 17، قال: وأما إن كانوا استنفقوه فيما يلزمه مما 18 لا بد له 19 منه ولا محيص له عنه فعليه أن يخرجه من ماله ويتصدق به؛ إذ لا فرق بين ذلك وبين أن يجد الثمن قائمًا بعينه، لأنه إذا لم يفعل ذلك فكأنه قد أنفقه هو؛ إذ قد وفر به ماله، وإليه أشار بقوله: (وَصَرْفٍ فِيمَا لا يَلْزَمُهُ) وهو منون مجرور عطفًا على قوله: (بلا إذن)؛ إذ عدم التصدق مقيد بهما معًا كما علمت.
قوله: (كأَرْشِ عَيْبٍ يَمْنَعُ 20 الإِجْزَاءَ) أي: من الأضحية، ومذهب ابن القاسم وأصبغ أنه يصنع بالأرش ما شاء.
أصبغ: وله أيضًا أن يصنع بالشاة ما شاء؛ لأنها لم تجزئه 21. ولمالك في الواضحة: لا يجوز له بيعها لأنها خرجت مخرج القرب، أما لو كان العيب لا يمنع من الإجزاء فإنه إن 22 شاء تصدق به، وإن شاء أكله كما يفعل بلحم الأضحية وهذا إذا أوجبها 23 وإلا فهل يؤمر بالتصدق أو الأكل، أو يصنع بالثمن ما
الجزء: 2 - الصفحة: 351
شاء؟ قولان، وأما الشاة فتبقى أضحية.
قوله: (وَإنَّما تَجِبُ بِالنَّذْرِ وَالذَّبْحِ) لتعيين الأضحية خمسة أسباب: النذر، والذبح، والإيجاب، والتسمية، والشراء، قال في الذخيرة: والمشهور أنها لا تتعين إلا بالأولين 24 كما أشار إليه هنا، وفي الجواهر 25: إذا قال جعلت هذه أضحية تعينت 26، قال 27: وعن مالك في العتبية: إذا سمى أضحيته فلا يجزها؛ لأنه ينقصها 28، وقال ابن رشد: لا تجب عند مالك بالتسمية، وحكى في المقدمات عن العتبية: إنها تجب بالتسمية إذا قال هذه أضحيتي، قال في البيان: وقال إسماعيل القاضي: إذا قال أوجبتها أضحية تعينت، قال: وهو بعيد، ولا تتعين عند مالك إلا بالذبح، وليس مراده هنا بالنذر والذبح أنهما معًا شرط في الوجوب، وإنما المراد أن كل واحد من الأمرين كافٍ في ذلك، ولهذا لو عطفه بـ (أو) لكان أحسن 29.
قوله: (فَلا تُجْزِئُ إِنْ تَعَيَّنَتْ قَبْلَهُ، وَصَنَعَ مَا شَاءَ) أي: فبسبب كونها لا تجب إلا بالنذر أو الذبح إذا حصل فيها عيب قبل ذلك فإنها لا تجزئه، ويصنع بها ما شاء، ونحوه في الموازية 30.
قوله: (كَحَبْسِهَا حَتى فَاتَ الْوَقْتُ إِلا أَنَّ هَذَا آثِمٌ) أي: وكذا من حبس أضحيته حتى انقضت أيام النحر فإنه يصنع بها ما شاء إلا أن هذا يكون آثمًا، لكونه حبسها حتى خرج الوقت، وما ذكره من التأثيم هو قول ابن القاسم في المدونة 31.
قوله: (وَلِلْوَارِثِ الْقَسْمُ، وَلَوْ ذُبِحَتْ) أي: وإن ذبحها الميت قبل موته، وهو قول مالك وابن القاسم، وفي الموازية: يمنعون منه 32، بناء على أن القسمة تمييز حق أو بيع.
الجزء: 2 - الصفحة: 352
قوله: (لا بَيْعٌ بَعْدَهُ في دَيْنٍ) أي: فلو مات المضحي بعد الذبح وعليه دين فإن الورثة لا يبيعوا الأضحية في الدين المذكور، وقاله مالك وابن القاسم (1)، واحترز بقوله: (بعده) مما إذا مات قبل الذبح فإنها تباع في الدين.
التونسي: وإذا كان للغرماء بيعها قبل ذبحها فلِمَ لا يبيعون اللحم؛ أي: لأن الميت يكون متعديًا بالذبح وقد أحاط الدين بماله فأشبه من أعتق، كذلك فإن للغرماء رد عتقه (2).
[العقيقة]
(المتن)
وَنُدِبَ ذَبْحُ وَاحِدَةٍ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً فِي سَابعِ الْوِلادَةِ نَهَارًا، وَأُلْغِيَ يَوْمُهَا إِنْ سُبِقَ بِالْفَجْرِ، وَالتَّصَدُّقُ بِزِنَةِ شَعَرِهِ، وَجَازَ كَسْرُ عَظْمِهَا، وَكُرِهَ عَمَلُهَا وَلِيمَةً، وَلَطْخُهُ بِدَمِهَا، وَخِتَانُهُ يَوْمَهَا.