قوله: (وَفي شَقِّ الْوَدَجِ قَوْلانِ) يعني أنه اختلف في شق الودج هل هو مقتل، وإليه ذهب بعضهم، أو ليس بمقتل وإليه ذهب ابن عبد الحكم 7. الباجي 8: واختلف في اندقاق العنق من غير انقطاع نخاعه، فروى مطرف وعبد الملك 9 عن مالك 10 أنه من المقاتل، وروى عنه ابن القاسم أنه ليس بمقتل حتى يقترن به انقطاع النخاع 11، وإليه أشار بقوله: (وَفيهَا أَكْلُ مَا دُقَّ عُنُقُهُ، أوْ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لا يَعِيشُ إِنْ يَنْخَعْهَا).123456
الجزء: 2 - الصفحة: 322
قوله: (وَذَكَاةُ الجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِنْ تَمَّ بِشَعْرٍ) يريد أن البهيمة المأكولة إذا ذكيت فخرج من بطنها جنين ميت، فإنه يؤكل عملًا بقوله عليه الصلاة والسلام: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" 12، يروى برفع 13 ذكاة الثاني وهو الأصح، والمعنى يحصل بذكاة أمه، ويروى بالنصب 14 على معنى ذكاة الجنين أن يذكى مثل ذكاة أمه، ثم حذف مثل وما قبله وأقيم المضاف مقام المضاف إليه، فيفتقر الجنين إلى الذكاة في هذا دون الأول، وأشار بقوله: (إِنْ تَمَّ بِشَعْرٍ) إلى أن الحكم الذي ذكره مشروط بكمال خلقته 15 ونبات شعره.
اللخمي: وإن لم تجر فيه حياة 16 لم تنفع فيه ذكاة أمه ولا يؤكل، وإذا جرت فيه الحياة فإن ذكيت أمه فخرج ميتًا أكل.
قوله: (وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا ذُكِّيَ، إِلا أَنْ يُبَادِرَ فَيَفُوتُ) إنما يذكى في هذه الحالة؛ لأنه استقل بحكم نفسه، قاله اللخمي، إلا أن يسبقهم بنفسه من غير تفريط فلا بأس به وهو ظاهر 17.
قوله: (وَذُكِّيَ المُزْلَقُ إِن حَيِيَ مِثْلُهُ) هذه مسألة العتبية قال فيها: من رواية أبي زيد بن [أبي] الغمر 18 عن ابن القاسم في بقرة أزلقت ولدها أنه ينظر فإن كان مثل ذلك يحيا
الجزء: 2 - الصفحة: 323
ويعيش لم يكن بأكله بأس إذا ذكي (1)، وإن كان مثله لا يعيش لا يؤكل وإن ذكي، وإن شك في أمره فكان مثله يعيش ومثله لا يعيش لم يؤكل (2)، وإن ذكي فقوله هنا (إن حيي مثله) يدل على الوجهين الآخرين وهو أنه إن لم يحيَ مثله أو شك في أمره لا يذكى ولا يؤكل، وهو واضح.
ابن رشد: ولا أعلم (3) في هذه المسألة نص خلاف (4).
قوله: (وَافْتَقَرَ نَحْوُ الجَرَادِ لَهَا بِما يَمُوتُ بهِ) نحو الجراد ما لا نفس له سائلة، والمشهور افتقار الجراد لها؛ أي: للذكاة خلافًا لمطرف (5)، والمشهور أنه لا يكفي أخذه، خلافًا لابن وهب، فإنه قال: إذا أخذت حية فماتت أكلت، وعلى المشهور إذا فعل بها ما تزهق به روحها بسرعة كقطع رأسها (6) أو إلقائها في النار أو الماء الحار فإنه ذكاة بلا خلاف، وكذلك على مذهب المدونة (7) إن لم تزهق به بسرعة كقطع أرجلها أو أجنحتها أو إلقائها في الماء البارد، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ لَمْ يُعَجِّلْ كَقَطْعِ جَنَاحٍ) وقال سحنون: لا يكفي ذلك فيها (8).
فصلٌ [في المباح من الطعام]
(المتن)
فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ، وَالْبَحْرِيُّ وَإنْ مَيِّتًا، وَطَيْرٌ وَلَوْ جَلَّالةً وَذَا مِخْلَبٍ، وَنَعَمٌ، وَوَحْشٌ لَمْ يَفْتَرِسْ: كَيَرْبُوعٍ، وَخُلْدٍ، وَوَبْرٍ، وَأَرْنَبٍ، وَقُنْفُذٍ، وَضُرْبُوبٍ، وَحَيَّةٍ أُمِنَ سُمُّهَا.
وَخَشَاشُ أَرْضٍ، وَعَصِيرٌ، وَفُقَّاعٌ، وَسُوبِيَاء، وَعَقِيدٌ أُمِنَ سُكْرُهُ، وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ، غَيرَ آدَمِيٍّ، وَخَمْرٍ إِلَّا لِغُصَّةٍ،1920212223242526 = انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 4/ 22، والديباج، لابن فرحون: 1/ 242، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 158.
الجزء: 2 - الصفحة: 324
(المُباحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ) يريد أن المباح من سائر الأطعمة هو الطاهر، فلا يؤكل من ذلك ما هو نجس بنفسه أو بمخالطة نجس له، فيطرح جميعه إن كان مائعًا، أو ما سرت فيه خاصة إن كان جامدًا، وسيأتي بيان ذلك.
قوله: (وَالبَحْرِيُّ وَإنْ مَيْتًا) يريد أن البحري يؤكل جميعه سواء مات حتف أنفه أو بسبب مسلم أو مجوسي طفا أو رسب؛ ولهذا قال: (وإن ميتًا)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" 27، قال في المدونة: يؤكل ولو وجد في بطن طير الماء أو بطن حوت كان له شبه في البر أم لا 28.
قوله: (وَطَيْرٌ وَلَوْ جَلَّالةً) لا إشكال أن الطير جميعه مباح ولو أكل الجيف.
ابن رشد: لا خلاف في المذهب أن أكل لحم الطير الذي يتغذى بالنجاسة حلال جائز 29.
قوله: (وَذَا مِخْلَبٍ) ابن شاس: والطير كله مباح ذو المخلب وغيره.
أبو إسحاق: وعن مالك لا يؤكل كل ذي مخلب، وهو المذهب عندنا 30.
وظاهر قوله: "لا يؤكل" المنع، وعن ابن أبي أويس 31 كراهته 32.
قوله: (وَنَعَمٌ) لا إشكال في إباحتها، والمراد بالنعم الإبل والبقر والغنم، وظاهره جلَّالة كانت أو غيرها وهو المشهور، وقيل: لا تؤكل الجلَّالة.
قوله: (وَوَحْشٌ لَمْ يَفْتَرِسْ) أي: ومما يباح أكل الوحش الذي لا يفترس كالظباء وبقر الوحش وحمره وغيره مما لا يعدو.
واحترز بذلك مما يفترس كالأسد والنمر
الجزء: 2 - الصفحة: 325
والفهد والضبع والهر الوحشي، ومذهب الموطأ تحريم ذلك 33، وقيل: ذلك مكروه، وهو ظاهر المدونة 34. ولابن حبيب: الفرق بين ما يعدو كالأسد والنمر فيحرم، وبين ما لا يعدو كالضبع والثعلب والذئب، فيكره 35.
قوله: (كَيَرْبُوعٍ، وَخُلْدٍ، وَوَبْرٍ، وَأَرْنَبٍ، وَقُنْفُذٍ، وَضُرْبُوبٍ) اليربوع: أكبر من الفأر رجلاه أطول من يديه عكس الزرافة.
والخلد: فأر أعمى.
القاضي: وهو بضم الخاء المعجمة وفتح اللام، وبفتح الخاء وسكون اللام، وفتحهما 36 أيضًا، وبكسر الخاء وسكون اللام.
والوبر: قال الجوهري: هو بالتسكين دويبة أصغر من السنور 37، وقال ابن عبد السلام: هو بفتح الباء 38. والأرنب: دابة قدر الهر في أذنيه طول.
والقنفذ: بضم القاف والفاء وبفتح الفاء أيضًا، الجوهري: واحد القنافذ 39. والضربوب: حيوان ذو شوك كالقنفذ الكبير، والتشبيه بين هذه الأشياء وما قبلها يحتمل أن يكون في مجرد الإباحة ويحتمل أن يكون في الإباحة وعدم الافتراس.
قال في المدونة: ويجوز أكل الضب والأرنب والوبر والخلد والضرابيب والقنفذ 40.
قوله: (وَحَيَّةٍ أُمِنَ سُمُّهَا) أي: ومما يباح الحية إذا أمن سمها، قال في المدونة: وإذا ذكيت الحيات 41 في موضع ذكاتها فلا بأس بأكلها 42. وموضع ذكاتها، قال أبو الحسن الصغير: يريد حلقها موضع الذكاة من غيرها.
قوله: (وَخَشَاشُ أَرْضٍ) أي: وكذا يباح أكل خشاش الأرض وهوامها، قاله في
الجزء: 2 - الصفحة: 326
المدونة 43.
قوله: (وَعَصِيرٌ) قال في المدونة: وعصير العنب ونقيع الزبيب وجميع الأنبذة حلال، ما لم يسكر من غير توقيت بزمان ولا هيئة 44.
قوله: (وَفُقَّاعٌ وَسُوبِيَاء) هكذا نص عليه غير واحد.
ابن شاس: وشرب السوبية حلال ما لم تدخلها الشدة المطربة فتحرم 45.
قوله: (وَعَقِيدٌ أُمِنَ سُكْرُهُ) العقيد هو العصير يغلى حتى ينعقد.
قال ابن شاس: وجائز شرب العقيد الذي ذهبت منه قوة الإسكار 46. قال في المدونة: ولا يحل الطبخ بالثلثين 47 ولا غيرهما 48، بل ما منع إسكار كثيره 49.
قوله: (وَللضَّرُورةِ مَا يَسُدُّ) أي: ومما يباح في حال الضرورة فقط ما يسد الرمق من الميتة إلا ما يستثنيه 50، ولا خفاء أن الميتة تباح للمضطر، وحد 51 الضرورة خوف الهلاك على النفس، وأشار بقوله: (مَا يَسُدُّ) إلى أن الذي يباح من ذلك ما يسد الرمق، وفي الجواهر: ولا يتقدر بسد الرمق بل يشبع ويتضلع، وقال عبد الملك وابن حبيب: إن كانت المخمصة دائمة تزود وشبع، وإن كانت نادرة اقتصر على سد الرمق 52. وفي الرسالة: ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع منها 53 ويتزود فإن استغنى عنها طرحها 54. ابن الفاكهاني: وقوله: "ويشبع ويتزود" هو المشهور، ثم ذكر خلاف ابن
الجزء: 2 - الصفحة: 327
الماجشون وابن حبيب، وقوله هنا خلاف المشهور.
قوله: (غَيْرَ آدَمِيٍّ وَخَمْرٍ، إِلا لِغُصَّةٍ) ابن شاس: وأما جنس المستباح فكل ما يرد عنه جوعًا وعطشًا يرفع الضرورة أو يخففها (1) كالأطعمة النجسة والميتة من كل حيوان غير الآدمي، الشيخ أبو بكر: ولا يأكل ابنَ آدمَ وإن مات جوعًا، قاله علماؤنا (2). وكالدم وشرب المياه النجسة وغيرها من المائعات سوى الخمر فإنها لا تحل إلا لإساغة (3) الغصة على خلاف فيها، فأما الجوع والعطش فلا؛ إذ لا يفيد ذلك قيل: ربما زادت العطش، وقيل: تباح.
(المتن)
وَقَدَّمَ الْمَيِّتَ عَلَى خِنْزِيرٍ، وَصَيْدٍ لِمُحْرِمٍ، لا لَحْمِهِ، وَطَعَامِ غَيْرٍ؛ إِنْ لَمْ يَخَفِ الْقَطْعَ وَقَاتَلَ عَلَيهِ.
وَالْمُحَرَّمُ النَّجَسُ، وَخِنْزِيرٌ وَبَغْلٌ وَفَرَسٌ وَحِمَارٌ وَلَوْ وَحْشِيًّا دَجَنَ.
وَالْمَكْرُوهُ سَبُعٌ وَضَبُعٌ وَثَعْلَبٌ وَذِئْبٌ وَهِرٌّ وَإِنْ وَحْشِيًّا وَفِيلٌ وَكَلْبُ مَاءٍ وَخِنْزِيرُهُ وَشَرَابُ خَلِيطَيْنِ، ونبيذ وَنَبْذٌ بِكَدُبَّاءٍ، وَفِي كُرْهِ الْقِرْدِ وَالطِّينِ وَمَنْعِهِ قَوْلانِ.