قوله: (وَضَمِنَ مَارٌّ أَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ وَتَرَكَ) يريد أن من رمى صيدًا أو أرسل عليه جارحه فمر به إنسان فأمكنته ذكاته بأن يكون معه آلة الذكاة أو نحو ذلك فتركه حتى مات، فإنه يضمن ذلك للصائد؛ أي: ولا يؤكل؛ لأنه تنزل منزلة ربه في تعيين الذكاة1234567
الجزء: 2 - الصفحة: 318
وربه لو أمكنته ذكاته ففرط فيه 8 حتى مات لا يأكله فكذلك هذا، وأجرى ابن محرز وبعض المتأخرين في ذلك قولين من الخلاف في الترك، هل هو 9 كالفعل أم لا؟ 10
قوله: (كَتَرْكِ تَخْلِيصِ مُسْتَهْلَكٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ 11 بِيَدِهِ) يريد أن من رأى ما يستهلك من نفس أو مال لغيره وهو يقدر على خلاصه فتركه حتى هلك فإنه يضمنه 12، ويأتي الإجراء المذكور 13، والباء في (بيده) متعلقة بـ (تخليص) وهي للظرفية.
قوله: (أَوْ شَهَادَتِهِ) يريد به أن من شهد لشخص بحق على آخر وجحده المديان حقه وهو قادر على تخليصه له بشهادته 14، فتركه حتى فات بموت الغريم ونحوه، فإنه يضمن ذلك.
قوله: (أَوْ بِإمْسَاكِ وَثيقَةٍ) أي: لغيره حتى فوت ما فيها على صاحبها، وكذلك إذا قطعها كما أشار إليه بقوله: (أَوْ تَقْطِيعِهَا) وعندي أن هذا أقوى مما قبله.
قوله: (وَفي قَتْلِ شَاهِدَيْ حَقٍّ تَرَدُّدٌ) أي: إذا قتل شاهدي حق فضاع الحق بسبب ذلك هل يضمن الحق كما في تقطيع الوثيقة، أو لا يضمنه؛ لأنه قد لا يقصد الإبطال لعداوة بينه وبين الشاهدين؟ ابن بشير: وهو أدنى مرتبة من تقطيع الوثيقة 15؛ لأن هذا لم يتعدَّ على نفس الشهادة وإنما تعدى على سببها، فلا شك أنه أضعف من الأول.
قوله: (وَتَرْكِ مُوَاسَاةٍ وَجَبَتْ بِخَيْطٍ لِجائِفَةٍ، أَوْ فَضْلِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ لِمُضْطَرٍّ) أي: ومما يكون الحكم فيه أيضًا الضمان ترك المواساة الواجبة بأحد الأمور المذكورة، وذلك بأن يكون شخص قد حصل له جرح جائفة أو غيرها فيمنع منه آخر ما يخيط 16 به
الجزء: 2 - الصفحة: 319
ذلك، فيؤدي إلى هلاكه، أو يضطر شخص إلى فضلة طعام أو فضلة ماء 17 عن صاحبه، فيمنعه ذلك حتى يهلك جوعًا أو عطشًا، وإنما قال: (لمضطر) ليشمل الآدمي وغيره من حيوان أو زرع أو نحوه، وإنما قال: (فضل طعام أو شراب) لأنه لو لم يفضل عن ربه بل كان هو أيضًا مضطرًّا لذلك فإنه لا يضمن.
قوله: (وَعُمُدٍ وَخَشَبٍ فَيَقَعُ الجْدَارُ) أي: ويجب أيضًا الضمان على من عنده عمد أو خشب، وقد اضطر جاره إلى إقامة جداره بذلك فمنعه ذلك حتى سقط الجدار.
قوله: (وَلَهُ الثَّمَنُ إِنْ وُجِدَ) يريد أن من تعين عليه دفع شيء من الأمور المذكورة إذا دفعه لمن وجب دفعه له فإنه يجب له ثمنه على أخذه، وهو مذهب المدونة 18. ابن يونس: ولا تشطوا عليهم في الثمن، وقال أشهب: إذا لم يكن معهم ثمن لا شيء عليهم وهو وفاق 19، وذكر اللخمي خلافًا هل يتبعون بالثمن إذا أيسروا أم لا؟ 20
قوله: (وَأُكِلَ المُذَكَّى، وَإنْ أُيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ) المذكى تارة يكون قبل الذكاة صحيحًا وتارة مريضًا، فالأول لا إشكال فيه مع سيلان الدم أو غيره كما سيأتي في آخر المسألة، والثاني إن كان 21 غير مأيوس منه عملت فيه الذكاة أيضًا 22 كالصحيح، وإن كان مأيوسا فكذلك، قاله في الموطأ 23 وهو مروي عن مالك وابن القاسم وأصبغ، وقال عبد الملك وابن عبد الحكم: لا يؤكل وهولمالك 24.
وفي مختصر الوقار 25، وعلى الأول فلا بد فيها من اعتبار الحركة، فإن تحركت حركة بينة
الجزء: 2 - الصفحة: 320
وسال دمها أكلت، وكذا إذا لم يَسِلْ على المنصوص، واختلف في وقت مراعاة الحركة فقيل: إنما ذلك بعد الذبح، وقيل: حين الذبح، وقيل: يكفي ذلك بعد الذبح أو معه، حكى ذلك في المقدمات 26، وإلى ذلك أشار بقوله: (كَتَحَرُّكٍ قَوِيٍّ مُطْلَقًا) أي: سال معه دم أو لا، وخرَّج عدم أكلها إذا لم يسل من المنخنقة وأخواتها، ولا عبرة بسيل الدم فيها على انفراده، بخلاف الصحيحة فإن سيلان الدم فيها كافٍ وحده، ولهذا قال: (أوْ سَيْلِ دَمٍ إِنْ صَحَّتْ) يريد: وكذلك غيره من العلامات التي يستدل بها على الحياة.
قوله: (إِلا المَوْقُوذَةَ، وَمَا مَعَهَا المَنْفُوذَةَ المَقَاتِلِ) لَمَّا كان كلامه أولًا يوهم أن المأيوس منه يؤكل بالذكاة ولو أنفذت مقاتله، أخرج منه ما ذكر 27 هنا، والمراد بـ (الموقوذة وما معها) ما ذكره في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: 3] فالمنخنقة ما مات بحبل ونحوه من الخنق، والموقوذة المضروبة بخشبة أو حجر أو نحوهما، والمتردية التي تردَّت من شاهق أو في 28 بئر أو حفرة فماتت، والنطيحة التي نطحتها أخرى فماتت، وما أكل السبع؛ أي: ما أكل منه، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] أي: ما أدركتم ذكاته منها قبل موته على رأي، أو هو منقطع على معنى: لكن ما ذكيتم من غيرها فإنه يؤكل، ولا خلاف أن الذكاة تعمل فيما علمت حياته من ذلك، كما أنها لا تعمل فيما أنفذت مقاتله على أحد القولين، وقيل: تعمل إن كان المقتل في غير محل الذكاة.
قوله: (بِقَطْعِ نُخَاعٍ، وَنَثْرِ دِمَاغٍ أَوْ حُشْوَةٍ، وَفَرْيِ وَدَجٍ، وَثَقْبِ مُصْرَانٍ) هو إشارة إلى الأمور التي اتفق على أنها مقاتل كما نص عليه الباجي؛ وهي 29 خمسة:
الأول: انقطاع النخاع وهو المخ الأبيض الذي في وسط فقار العنق والظهر.
الثاني: انتثار 30 الدماغ.
الثالث: انتثار الحشوة.
الرابع: فري الودجين.
الخامس: انفتاق 31
الجزء: 2 - الصفحة: 321
المصران (1). عياض: وقد عد شيوخنا قطع المصران وانتثار (2) الحشوة وجهين من المقاتل، وهو عندي راجع إلى معنى واحد وهو أنه إذا قطع المصران أو شق انتثرت الحشوة من الثفل (3)، وفي البيان (4) وغيره (5): إن خرق المصران لا يكون مقتلًا إلا إذا كان في مجرى الطعام قبل تغيره (6)، وأما إن كان في مجراه بعد ذلك فلا؛ لأن الأول لا يحصل معه انتفاع بالغذاء بخلاف الثاني فلا يكون مقتلًا، ونحوه للقاضي.
(المتن)
وَفِي شَقِّ الوَدَجِ قَوْلانِ، وَفِيهَا أَكْلُ مَا دُقَّ عُنُقُهُ، أَوْ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لا يَعِيشُ إِنْ لَمْ يَنْخَعْهَا.
وَذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِنْ تَمَّ بِشَعْرٍ، وَإنْ خَرَجَ حَيًّا ذُكِّيَ؛ إِلَّا أَنْ يُبَادِرَ فَيَفُوتَ، وَذُكِّيَ الْمُزْلَقُ إِنْ حَييَ مِثْلُهُ.
وَافْتَقَرَ نَحْوُ الْجَرَادِ لَهَا بِمَا يَمُوتُ بِهِ، وَلَوْ لَمْ يُعَجِّلْ كَقَطْعِ جَنَاحٍ.