قوله: (وَتَكَرَّرَ) أي أن الجزاء يتكرر بحسب 5 تكرار الموجب، وهو المشهور خلافًا لابن عبد الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] أي: في الآخرة أو يعفو عنه.
قوله: (كَسَهْمٍ مَرَّ بالْحَرَمِ) أي: وكذلك يجب الجزاء على من رمى صيدًا وهما في الحل إلا أن السهم قطع أطراف 6 الحرم، ثم خرج إلى الحل فقتل الصيد فيه، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: لا جزاء 7.
قوله: (وَكَلْبٍ تَعَيَّن طَرِيقُهُ) أي: وكذلك يجب الجزاء على من أرسل كلبًا على صيد في الحل فدخلا معًا في الحرم ثم خرجا منه فأدركه في الحل فقتله فيه، وقيد وجوب الجزاء بما إذا لم يكن للكلب طريق سوى الحرم كما قال: (تعين طريقه)؛ لأن الرامي حينئذٍ منتهك حرمة الحرم، فإن كان له طريق من غير الحرم فلا شيء عليه لعدم الانتهاك.1234
الجزء: 2 - الصفحة: 260
قوله: (أَوْ قَصَّرَ في رَبْطِهِ) يريد أنه إذا كان محرمًا أو هو في الحرم ومعه كلب أو جارح يصيد به فانفلت من يده فقتل صيدًا، وقد كان قصر في رباطه أولًا، فعليه الجزاء، وإن لم يقصر فلا شيء عليه.
قوله: (أَوْ أُرْسِلَ بِقُرْبِهِ فَقَتَلَ خَارِجَهُ) الضمير في (بِقُرْبِهِ) و (خَارِجَهُ) عائد على الحرم، ولا بد من حذف في كلامه ومعناه: وكذلك يجب عليه الجزاء إذا أرسل جارحه بقرب الحرم 8 فدخل ثم خرج فقتل الصيد خارجه، لأنه منتهك حرمة الحرم.
قوله: (وَطَرْدِهِ مِنْ حَرَمٍ) وهذا وما بعده معطوف على قوله: (وَالجَزَاءُ بِقَتْلِهِ) أي: ويجب الجزاء بطرد الصيد من الحرم إلى الحل، وقاله في المدونة 9، يريد إذا كان الصيد لا يمكنه النجاة بنفسه؛ لأنه أخرجه من مأمنه وعرضه للتلف، فإن كان ينجو بنفسه فلا شئ عليه.
قوله: (وَرَمْيٍ 10 مِنْهُ أَوْ لَهُ) أي: وكذلك يجب الجزاء إذا كان في الحرم فرمى صيدًا في الحل أو العكس، وهو معنى قوله: (أو له) أي: رمى من الحل للحرم، وقاله في المدونة 11، وقال أشهب وعبد الملك: إذا رمى صيدًا من الحل وهو في الحرم فلا جزاء عليه 12.
قوله: (وَتَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ) كما إذا نتف ريشه فمات، أو حبسه فمات، أو نفَّره 13 فهلك ونحو ذلك في المدونة 14.
قوله: (وَجَرْحِهِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ سَلامَتَهُ) كما إذا جرحه وغاب عنه، وقاله في المدونة 15،
الجزء: 2 - الصفحة: 261
وقال عبد الملك: لا شيء عليه 16؛ لأن الأصل براءة الذمة، أما إذا أُنْفِذَتْ مقاتله فلا خلاف في الجزاء؛ لأنه حينئذٍ في حكم الميت، واختلف إذا أيقن لحاقه بنقص فالمشهور وهو مذهب المدونة: لا شيء عليه 17، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ بِنَقْصٍ) أي: ولا شيء عليه إن تحقق سلامته ولو مع نقص، وقال محمد: يلزمه ما بين القيمتين 18، فيقوَّم صحيحًا مثلًا بعشرة أمداد ومعيبًا بثمانية فيغرم مُدَّين وهو ما بين القيمتين.
قوله: (وَكَرَّرَ إِنْ أَخْرَجَ لِشَكٍّ، ثُمَّ تَحَقَّقَ مَوْتَهُ) يريد فإن جرح صيدًا وغاب عنه، ولم يتحقق سلامته فأخرج جزاءه وهو على شك، ثم ثبت أنه مات بعد الإخراج فإنه يخرج ثانيًا، وهو مراده بالتكرار 19، واقتضى كلامه أنه لو بقي على شكه 20 لم يكن عليه جزاءٌ ثانٍ.
قوله: (كَكُلٍّ مِنَ المُشْتَرِكِينَ) أي: وكذلك يتكرر الجزاء إذا اجتمع على قتل الصيد اثنان فأكثر ويكون على كل واحد جزاء كامل وهو المشهور، وفي الذخيرة قول باتحاد الجزاء 21 كمذهب الشافعي 22.
قوله: (وَبِإرْسَالٍ لِسَبُعٍ) أي: وكذا يترتب الجزاء على من أرسل كلبًا أو بازيًّا على ما يجوز قتله كالسبع والنمر والذئب ونحو ذلك فقتل صيدًا، وهو مذهب المدونة 23، وقال أشهب: لا جزاء عليه 24.
اللخمي: وهو أبين 25.
قوله: (أَوْ نَصْبِ شَرَكٍ لَهُ) أي: وكذا يترتب عليه الجزاء إذا نصب شركًا للسبع
الجزء: 2 - الصفحة: 262
ونحوه فوقع فيه صيد فعطب، وقاله في المدونة، وقال سحنون: لا جزاء لأنه فعل ما يجوز له (1). وقال أشهب: إن كان موضعًا يتخوف فيه على الصيد وداه وإلا فلا شيء عليه، واختاره ابن المواز (2). قوله: (وَبِقَتْلِ غُلامٍ أُمِرَ بِإفْلاتِهِ فَظَنَّ الْقَتْلَ) هذه مسألة المدونة وهي إذا أمر المحرم عبده أن يرسل صيدًا كان معه فظن العبد أنه أمره بذبحه فذبحه، فعلى السيد الجزاء قال فيها: وإن كان العبد محرمًا فعليه الجزاء أيضًا ولا ينفعه خطؤه (3). اللخمى: والأحسن ألا شيء على السيد كان العبد حلالًا أو حرامًا؛ لأن الخطأ من العبد (4). قوله: (وَهَلْ إِنْ تَسَبَّبَ السَّيِّدُ فِيهِ أَوْ لا؟ تَأْوِيلانِ) أي: وهل وجوب الجزاء على السيد مشروط بأن يكون هو المتسبب للعبد في أخذ الصيد، وإليه ذهب ابن الكاتب قال: وأما إن صاده العبد بغير إذنه فلا شيء على السيد إذ لم يفعل إلا خيرًا، أو ذلك (5) مطلقٌ، وإليه ذهب ابن محرز (6)؟
(المتن)
وَبِسَبَبٍ وَلَوِ اتَّفَقَ، كَفَزَعِهِ فَمَاتَ، وَالأَصَحُّ وَالأَظْهَرُ خِلافُهُ، كَفُسْطَاطِهِ وَبِئْرٍ لِمَاءٍ، وَدِلالَةِ مُحْرِمٍ أَوْ حِلٍّ، وَرَمْيِهِ عَلَى فَرْعٍ أَصْلُهُ بِالْحَرَمٍ، أَوْ بِحِلٍّ وَتَحَامَلَ فَمَاتَ بِهِ، إِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، وَكَذَا إِنْ لَم يُنْفَذْ عَلَى الْمُخْتَارِ، أَوْ أمْسَكَهُ لِيُرْسِلَهُ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ، وإلَّا فَعَلَيْهِ، وَغَرِمَ الْحِلُّ لَهُ الأَقَلَّ، وَلِلْقَتْلِ شَرِيكَانِ.
وَمَا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ صِيدَ لَهُ مَيْتَةٌ، كَبَيْضِهِ وَفِيهِ الْجَزَاءُ، إِنْ عَلِمَ وَأَكَلَ، لا فِي أَكْلِهَا، وَجَازَ مَصِيدُ حِلٍّ لِحِلٍّ وَإنْ سَيُحْرِمُ، وَذَبْحُهُ بِحَرَمٍ مَا صِيدَ بِحِلٍّ، وَلَيْسَ الإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ بِصَيْدٍ، بِخِلافِ الْحَمَامِ.