قوله: (أوْ طَيْرِ مَاءٍ وَجُزئِهِ وَبَيْضِهِ) أي: وكذلك يحرم عليه أن يتعرض لطير الماء، قال في المدونة: وإن أصاب شيئًا منه فعليه جزاؤه 7، وقال في الجواهر: ويحرم التعرض لأجزائه وبيضه 8. قوله: (وَلْيُرْسِلْهُ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ) هذا قريب من قوله في المدونة: ومن أحرم ومعه123456
الجزء: 2 - الصفحة: 256
صيد 9 بيده يقوده أو في قفص معه فليرسله ثم لا يأخذه حتى يحل، فإن أرسله من يده حلالًا أو حرامًا لم يضمن شيئًا؛ لأن ملكه زال عن الصيد بإحرامه 10، وإلى هذا أشار بقوله: (وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ) وهو المشهور خلافًا لابن القصار والأبهري، وقيل: ليس عليه إرساله.
قوله: (لا بِبَيْتِهِ) أي: فلا يجب على من أحرم وفي بيته صيد أن يرسله ولا شيء عليه، وقاله في المدونة 11، واختلف هل هو على إطلاقه وهو رأي ابن يونس أو هو مقيد بما إذا لم يحرم من بيته، فإن 12 أحرم من بيته وجب عليه أن يرسله كما قال 13 في القفص 14، وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وَهَلْ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ؟ تَأْوِيلانِ) أي: من بيته أو بشرط ألا يحرم منه تأويلان.
قوله: (فَلا يَسْتَجِدُّ مِلْكَهُ) أي: فإن أبقى الصيد بيده بعد إحرامه حتى حل فليس له أن يتملكه، وهو معنى قوله: (فلا يستجد ملكه)، ويحتمل أن يريد أن المحرم لا يجوز له في حال إحرامه استحداث ملك الصيد.
ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من وهب له صيد في حال إحرامه لا يجوز له قبوله ولا شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه 15.
قوله: (وَلا يُسْتَوْدَعُهُ) أي: ولا يجوز للمحرم أن يأخذ صيدًا وديعة عنده لغيره، فإن استودعه وجب عليه إرساله وضمن لربه قيمته، ولو أحرم وبيده صيد وديعة رده لصاحبه إن وجده فإن لم يجد صاحبه أبقاه بيده، وإليه أشار بقوله: (وَرُدَّ إِنْ وَجَدَ مُودِعَهُ وَإلا بَقِيَ) قال في الموازية 16: وإن أرسله ضمن 17.
الجزء: 2 - الصفحة: 257
قوله: (وَفي صِحَّةِ اشْتِرَائِهِ قَوْلانِ) يريد 18: إنما هذا بعد الوقوع، وإلا 19 فقد تقدم أن ابن عبد البر حكى الإجماع على عدم جواز شراء المحرم الصيد في حال إحرامه؛ أي: فلو تعدى واشتراه فهل شراؤه صحيح أم فاسد؟ قولان.
قوله: (إِلا الْفَأْرَةَ وَالحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ مُطْلَقًا، وَغُرَابًا، وَحِدَأَةً) وهذا 20 مستثنى من قوله: (حرم بالحرم والإحرام تعرض بري)؛ أي: إلا ما ورد في الصحيحين مما يباح قتله في الحل والحرم، وهي: الفأرة وما بعدها، وقد روي أنه عليه السلام قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" 21، خرجه الصحيحان، وقوله: (مُطْلَقًا) أي: أنه لا فرق في الفأرة والحية والعقرب بين الكبير والصغير؛ لأن صغيرها 22 يؤذي ككبيرها 23.
قوله: (وَفي صَغِيرِهِمَا خِلافٌ) أي: صغير الغراب والحدأة، قال ابن راشد: والمشهور القتل 24؛ لعموم الحديث، وقال ابن هارون: المشهور المنع 25.
قوله: (كَعَادِي سَبُعٍ) أي: وكذلك لا يحرم قتل كل عادٍ 26 من السباع كالأسد والنمر والفهد ونحوها مما يعدو، وهو المشهور حملًا لقوله عليه السَّلام: "والكلب العقور" على ذلك، وقيل: المراد الكلب الإنسي.
الباجي: ولم يختلف قول مالك في الأسد والفهد والنمر أنه يجوز قتلها، واختلف قوله في الذئب، فروي عنه إباحة ذلك، وعنه منعه 27،
الجزء: 2 - الصفحة: 258
وإليه أشار بقوله: (كَذِئْبٍ).
قوله: (إِنْ كَبُرَ) يعني أن الذئب الذي روي عن 28 مالك إباحة قتله إنما هو إذا كان كبيرًا؛ لأنه الذي يحصل منه الأذى غالبًا، وأما الصغير فلا يقتل على مذهب المدونة 29، وعن ابن القاسم الكراهة، وقال أشهب: يقتل 30.
قوله: (كَطَيْرٍ خِيفَ، إِلا بِقَتْلِهِ) أي: وكذا يقتل الطير إذا عدا عليه وخيف من إذايته 31 ولا تندفع إلا بقتله، وقال أشهب: عليه في الطير الفدية 32.
قوله: (وَوَزَغًا لِحِلٍّ بِحَرَمٍ) أي: وكذلك يجوز للحلال أن يقتل الوزغ في الحرم، وفهم من تخصيصه جواز القتل بالحلال أن المحرم يمنع من ذلك، وقاله مالك 33.
قوله: (كَأَنْ عَمَّ الْجَرَادُ) أي: ولا يستطاع دفعه، قال في المختصر: ولا شيء على من أصاب منه حينئذٍ شيئًا ولو أطعم شيئًا من الطعام كان أحسن 34.
قوله: (فَاجْتَهَدَ 35) أي: في التحفظ منه.
قوله: (وَإلا فَقِيمَتُهُ) أي: وإن لم يكثر الجراد ولا مشقة فيه فعليه ضمانه إذا قتله وهو المراد بالقيمة.
قوله: (وَفي الْوَاحِدَةِ حَفْنَةٌ) أي: من الطعام بيد واحدة، وهو معنى قوله في الموازية: قبضة 36.
قوله: (وَإنْ في نَوْمٍ) أي: إذا تقلَّب عليه في نومه فقتله فعليه جزاؤه.
قوله: (وَالجَزَاءُ بِقَتلِهِ، وَإنْ لِمَخْمَصَةٍ) الضمير في (بقتله) عائد على الصيد المفهوم من السياق؛ أي: ويجب الجزاء بقتل الصيد وإن كان السبب في ذلك حصول مخمصة
الجزء: 2 - الصفحة: 259
ومجاعة، وقاله في الجواهر (1) وغيرها، وحكى اللخمي قولًا بعدم الجزاء (2). وأشار بقوله: (وَجَهْلٍ وَنِسْيَانٍ) إلى أن حكم الجهل والنسيان والعمد في قتل الصيد وإتلافه في الجزاء واحد؛ يريد: إلا في الإثم، وعن ابن عبد الحكم: أن لا جزاء (3) في غير العمد (4).
(المتن)
وَتَكَرَّرَ كَسَهْمٍ مَرَّ بِالْحَرَمِ، وَكَلْبٍ تَعَيَّنَ طَرِيقُهُ، أَوْ قَصَّرَ فِي رَبْطِهِ، أَوْ أَرْسَلَ بِقُرْبِهِ فَقَتَلَ خَارِجَهُ، وَطَرْدِهِ مِنْ حَرَمٍ، وَرَمْيٍ مِنْهُ أَوْ لَهُ، وَتَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ، وَجَرْحِهِ وَلَمْ يتَحَقَّقْ سَلامَتَهُ، وَلَوْ بِنَقْصٍ، وَكَرَّرَ إنْ أَخْرَجَ لِشَكٍّ ثُمَّ تُحُقِّقَ مَوْتَهُ، كَكُلٍّ مِنَ الْمُشْتَرِكِينَ، وَبِإرْسَالٍ لِسَبُعٍ، أَوْ نَصْبِ شَرَكٍ لَهُ، وَبِقَتْلِ غُلامٍ أُمِرَ بِإفْلاتِهِ فَظَنَّ الْقَتْلَ، وَهَلْ إِنْ تَسَبَّبَ السَّيِّدُ فِيهِ أَوْ لا؟ تَأْوِيلانِ.