قوله: (ثُمَّ يُفِيضُ) أي: بعد الرمي والحلق والنحر وهو التحلل الأكبر، ولهذا قال: (وَحَلَّ بِهِ مَا بَقِيَ) أي: وحل بطواف الإفاضة ما بقي محرمًا عليه من النساء والصيد أو مكروهًا من أنواع الطيب.
ثم أشار بقوله: (إِنْ حَلَقَ) إلى أنه إذا طاف للإفاضة ولم يحلق لا يتم له التحلل، ولهذا قال: (وإنْ وَطِئَ قَبْلَهُ فَدَمٌ، بِخِلافِ الصَّيْدِ) أي: فإن 1 تأخير الحلاق لا يمنع من قتله الصيد 2 ولا يوجب جزاء على المشهور، وقيل: عليه الجزاء.
قوله: (كَتَأْخِيرِ الحَلْقِ لِبَلَدِهِ) أي: فإنه يهدي أيضًا من أجل ذلك، قاله في المدونة 3، وسواء كان ناسيًا أو جاهلًا ويحلق أو يقصر، وفي المدونة أيضًا: إن حلق بمكة في أيام التشريق أو بعدها أو في أيام منى فلا شيء عليه 4، وقيل: إن خرجت أيام منى ولم لمجلق أهدى 5، وقال أشهب: إن خرجت أيام الرمي ولم يحلق أحببت له الهدي، وإن حلق
الجزء: 2 - الصفحة: 212
فيها فلا شيء عليه.
قوله: (أَوِ الإِفَاضَةِ لِلْمُحَرَّمِ) أي: وكذلك يجب عليه الهدي إذا أخَّر طواف الإفاضة إلى أن خرجت أشهر الحج ودخل المحرَّم، وقاله في الجلاب 6.
قوله: (وَرَمْي كُلِّ حَصَاةٍ أَوِ الْجَمِيعِ لِلَّيْلِ) هو معطوف على قوله: (كتأخير الحلق لبلده أو الإفاضة) أي: ويجب الدم بتأخير رمي حصاة أو الجميع إلى أن دخل الليل، ولم يختلف قول مالك في الهدي إذا ترك جمرة العقبة حتى 7 دخل الليل، واختلف قوله إذا نسي بعضها.
ابن القاسم: وأحب إليَّ أن يكون عليه الدم 8. ابن يونس: وقاله غير واحد من القرويين، قال: وأما اليوم الثاني فسواء ترك جمرة واحدة أو الجمرات الثلاث فإن الخلاف يدخله في وجوب الدم أم لا 9.
قوله: (وَإِنْ لِصَغِيرٍ لا يُحْسِنُ الرَّمْيَ) هكذا قال في المدونة 10، ومعناه: إذا كان الصبي صغيرًا لا يعرف رمي الجمرات 11 ولم يرمِ وليه ولا غيره عنه حتى دخل الليل، فإن الهدي يجب على من أحجه، فإن كان الصبي يحسن الرمي رمى، فإن ترك إلى الليل فعليه الهدي أيضًا، وقاله مالك 12 في المدونة، ويكون ذلك أيضًا 13 على من أحجه، وحكمُ المجنون ومن لا يستطيع الرمي حكم الصغير، ولهذا قال: (أَوْ عَاجِزٍ، وَيَسْتَنِيبُ) أي: كالمريض والمغمى عليه ونحوهما، وقاله في المدونة 14. الأبهري: ويرجع في عدم القدرة إلى غلبة الظن، ونص اللخمي على أنه إذا خشي زيادة مرضه يستنيب 15.
قوله: (فيتَحَرَّى وَقْتَ الرَّمْي، وَكَبَّرَ) أي: فإن استناب من يرمي عنه فإنه يتحرى
الجزء: 2 - الصفحة: 213
وقت رَمْيِ 16 نائبه ويكبر لكل حصاة تكبيرة واحدة، وقاله في المدونة 17.
قوله: (وَأَعَادَ إِنْ صَحَّ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْغُرُوبِ مِنَ الرَّابِعِ) يريد: وعليه الدم، وذلك واضح مما تقدم.
قوله: (وَقَضَاءُ كُلٍّ إِلَيْهِ) أي: وقضاء كل 18 الجمار إلى 19 غروب الشمس من اليوم الرابع.
قوله: (وَاللَّيْلُ قَضَاءٌ) هذا هو المشهور، وقيل: أداء.
قوله: (وَحُمِلَ مُطِيقٌ، وَرَمَى، وَلا يَرْمِي فِي كَفِّ غَيْرِهِ 20) أي أن المريض إذا كان يقدر على الرمي محمولًا ووجد مَن يحمله حُمل ورمى عن نفسه، ولا يرمي الحصاة في كفِّ غيره وليرميها هو عنه؛ لأن مثل هذا لا يعد راميًا 21.
قوله: (وَتَقْدِيمِ الحَلْقِ أَوِ الإِفَاضَةِ 22 عَلَى الرَّمْي) أي: وكذلك يجب عليه الدم إذا قدم الحلاق على الرمي أو قدم الإفاضة على الرمي، ومذهب المدونة وهو الأصح أن في تقديم الحلق الدم كما قال 23؛ لأنه وقع قبل حصول شيء من التحلل، وحكى ابن بشير قولًا بعدم الدم 24. والذي رواه أيضًا ابن القاسم عن مالك وبه أخذ: أن في تقديم الإفاضة على الرمي الدم وحجه مجزئ 25. وعن مالك: لا يجزئه وهو كمن لم يفض.
وقال أصبغ: أحب إليَّ أن يعيد وذلك في يوم النحر آكد 26.
قوله: (لا إِنْ خَالَفَ فِي غَيْرٍ) يريد: كما لو حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي فلا
الجزء: 2 - الصفحة: 214
شيء عليه على الأصح؛ لما روي أنه عليه السَّلام وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: "اذبح ولا حرج"، وقال آخر: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: "ارمِ ولا حرج"، فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أُخِّر إلا قال: "افعل ولا حرج" 27. وقال عبد الملك: إن حلق قبل النحر فعليه دم 28.
قوله: (وَعَادَ لِلْمَبيتِ بمِنًى فَوْقَ الْعَقَبَةِ ثَلاثًا) أي: فإذا أفاض يوم النحر عاد إلى منى ليبيت بها ثلاث ليالٍ، والأَفضل له الرجوع لها 29 على الفور، وله التربص بمكة عقيب الإفاضة، وعن مالك: أحب إليَّ إذا طاف يوم الجمعة أن يعود إلى منى ولا يمكث ليصلي الجمعة بمكة، ولا يكون المبيت إلا فوق العقبة، وأما فيما بينها وبين مكة فلا 30؛ لأنه ليس من منى، و (ثلاثًا) معمول لمحذوف؛ أي: يبيت ثلاثًا بحذف التاء منه؛ لأن المراد ثلاث ليالٍ.
قوله: (وَإنْ ترَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ فَدَمٌ) نحوه في المدونة 31، وعن مالك: لا هدي عليه إلا أن يترك الليلة كلها 32، وفهم من قوله: (جل ليلة) أنه لو بات عن منى نصف ليلة فما دون لا يجب عليه الدم، وهو ظاهر المدونة 33.
قوله: (أَوْ لَيْلتَيْنِ إِنْ تَعَجَّلَ) هذا معطوف على قوله: (ثلاثًا)، والعامل فيه أيضًا محذوف، والتقدير: وعاد للمبيت بمنى فيبيت بهها ثلاث ليالٍ إن لم يتعجل أو ليلتين إن تعجل.
قوله: (وَلَوْ بَاتَ بِمَكَّةَ) هذا هو المشهور، وعن ابن الماجشون وابن حبيب 34 إن
الجزء: 2 - الصفحة: 215
بات بمكة لزمه العود إلى منى ليرمي لليوم (1) الباقي؛ لأنه خرج (2) عن سنة التعجيل، فإن لم يرجع لزمه الدم.
قوله: (أَوْ مَكَّيًّا) يريد أنه (3) لا فرق في التعجيل (4) بين المكي والآفاقي، وعن مالك في ذلك قولان (5)، و (مكيًّا) هذا يصح أن يكون خبرًا لكان المحذوفة، والتقدير: ويعود للمبيت ثلاثًا إن لم يتعجل أو ليلتين إن تعجل ولو بات بمكة أو كان مكيًّا.
قوله: (قَبْلَ الْغُرُوب مِنَ الثَّانِي) متعلق بقوله: (إن تعجل)، واحترز به مما إذا غربت عليه الشمس في منى قَبل تعجيله فإنه حينئذٍ لا يباح له التعجيل؛ لأن الليلة إنما أمر بالمقام فيها (6) لأجل النهار، فإذا غربت فكأنه التزم رمي الثالث.
قوله: (فَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الثَّالِثِ) هذا مما لا إشكال فيه وإلا فلا معنى للتعجيل.
(المتن)
وَرُخِّصَ لِرَاعٍ بَعْدَ الْعَقَبَةِ أَنْ يَنْصَرِفَ، وَيَأْتِيَ الثَّالِثَ فَيَرْمِي لِلْيَوْمَيْنِ وَتَقْدِيمُ الضَّعَفَةِ فِي الرَّدِّ لِلْمُزْدَلِفَةِ، وَتَرْكُ التَّحْصِيبِ لِغَيرِ مُقْتَدًى بِهِ، وَرَمَى كُلَّ يَوْمٍ الثَّلاثَ، وَخَتَمَ بِالْعَقَبَةِ مِنَ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ، وَصِحَّتُهُ بِحَجَرٍ كَحَصَى الْخَذْفِ.
وَرَمْي وَإنْ بِمُتَنَجِّسٍ عَلَى الْجَمْرَةِ، وَإنْ أَصَابَتْ غَيْرَهَا، إِنْ ذَهَبَتْ بِقُوَّةٍ، لا دُونَهَا وَإنْ طَارَتْ غَيْرَهَا لَهَا، وَلا طِينٍ وَمَعْدِنٍ، وَفِي إِجْزَاءِ مَا وَقَفَ بِالْبِنَاءِ تَرَدُّدٌ.
وَتَرَتُّبِهِنَّ.
وَأَعَادَ مَا حَضَرَ بَعْدَ الْمَنْسِيَّةِ، وَمَا بَعْدَهَا فِي يَوْمِهَا فَقَطْ، وَنُدِبَ تَتَابُعُهُ، فَإنْ رَمَى بِخَمْسٍ خَمْسٍ؛ اعْتَدَّ بِالْخَمْسِ الأُوَّلِ، وَإنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاةٍ؛ اعْتَدَّ بِسِتٍّ مِنَ الأُولَى وَأَجْزَأَ عَنْهُ وَعَنْ صَبِيٍّ وَلَوْ حَصَاةً بحَصَاةٍ وَرَمَى الْعَقَبَةَ أَوَّلَ يَوْمٍ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَإِلَّا إِثْرَ الزَّوَالِ قَبْلَ الظُّهْرِ.