قوله: (وَإِنْ تُرِكَتْ أَولَهُ فَدَمٌ إِنْ طَالَ) هو كقول ابن القاسم في المدونة: وإن توجه من فناء المسجد ناسيًا للتلبية كان بنيته محرمًا، فإن ذكر بقرب لبَّى ولا شيء عليه، وإن تطاول ذلك أو نسيه حتى فرغ من حجه فليهرق دمًا 1.
قوله: (وَتَوَسُّطٌ فِي عُلُوِّ صَوْتهِ) يريد أن المحرم إذا لبَّى يتوسط في صوته؛ أي: بين بين 2 فلا يرفعه ارتفاعًا عليا 3 يعقر به غالبًا 4 خلقه ولا يخفيه جدًّا بحيث لا يسمعه من هو قريب منه أو من يليه، وهذا في حق الرجل، وأما المرأة فالسُّنة في حقها أن تسمع نفسها فقط.
قوله: (وَفِيهَا) أي: في التلبية، والمعنى أنه يتوسط أيضًا فيها فلا يكثر منها؛ لئلا يؤدي إلى الضجر وعقر 5 الحلق، ولا يسكت حتى تفوته الشعيرة، ولكن تارة وتارة، ونحوه في المدونة.
قوله: (وَعَاوَدَهَا بَعْدَ سَعْي) لما ذكر الخلاف في قطعها هل هو بدخول مكة أو بدخوله في الطواف؛ أشار إلى ذلك مُغَيًّا بغاية وهو فراغه من السعي، فإذا فرغ منه
الجزء: 2 - الصفحة: 198
عاودها على نحو ما تقدم.
قوله: (وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ) يريد مسجد مكة ومثله مسجد منى؛ لقول مالك: لا ترفع الأصوات بالتلبية في شيء من المساجد إلا في المسجد الحرام ومسجد منى 6، لأنها مواضع الحج بخلاف غيرها 7.
قوله: (لِرَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ) أي: فإذا عاودها بعد السعي فلا يزال كذلك إلى رواح مصلى عرفة.
ابن القاسم: وذلك إذا زالت الشمس وراح يريد الصلاة، وكان مالك يقول: يقطع إذا راح إلى الموقف، وعنه أيضًا إذا زالت الشمس ثم رجع وثبت 8 على القول الأول 9، وحكى في الذخيرة قولًا أنه يلبي حتى يفرغ من الوقوف 10.
قوله: (وَمُحْرِمُ مَكةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ) يريد: أن محرم مكة 11 سواء كان من أهلها أو من غيرهم يلبي في المسجد الحرام أيضًا.
قوله: (وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ وَفَائِتُ الْحَجِّ لِلْحَرَمِ وَمنَ الجعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ لِلْبُيُوتِ) أي: بيوت مكة، ومراده أن من أحرم بعمرة أو أحرم بحج ففاته بحصر أو مرض أو عدو أو خروج وقت فتحلل منه بعمرة، فإن أحرم من المواقيت قطع التلبية أوائل الحرم لبعد المسافة، وإن أحرم من الجعرانة أو التنعيم قطع إذا دخل بيوت مكة لقرب المسافة، ونحوه في المدونة 12.
قوله: (وَللطوَافِ الْمَشْيُ) أي: والسُّنة في الطواف المشي، وإنما حذفه اعتمادًا على فهم المعنى مما سبق، وذكر أن سننه أربع هذه أولاها، وسيأتي بقيتها من كلامه.
قوله: (وَإِلا فَدَمٌ لِقَادِرِ لَمْ يُعِدْهُ) أي: وإن لم يمشِ بل ركب فالدم لقادر؛ أي: على
الجزء: 2 - الصفحة: 199
قادر، واحترز بقوله: (لم يعده) مما إذا أعاده فإنه يسقط عنه الدم.
قوله: (وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ) هذه هي السُّنة الثانية وهي تقبيل الحجر الأسود، وقد فعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه، والضمير في (أوله) عائد على الطواف، وهو كذلك في المدونة وقال فيها: في أول كل شوط بعد ذلك إن شاء استلم وإن شاء ترك 13.
قوله: (وَفي الصَّوْتِ قَوْلانِ) قال ابن وضاح: يضع فاه عليه بغير صوت، وقال أبو عمران: إن هذا ضيق؛ أي: لا فرق بين الصوت وغيره 14.
قوله: (وَللزَّحْمَةِ يَمَسُّ بِيَدٍ، ثُم عُودٍ وَوَضعهما عَلَى فِيهِ، ثم كَبَّرَ) أي: وإن لم يقدر على تقبيل الحجر للزحمة مسَّه بيده، فإن لم يقدر فبعود أو نحوه، ولا يستلمه بيده مع القدرة على تقبيله ولا بعود مع القدرة على 15 استلامه بيده، فإن لم يستطع شيئًا من ذلك كبر ومضى، وهو معنى قوله: (ثم كبر) أي: وكبر ومضى على طوافه عند عدم القدرة على استلامه بشيء مما ذكرنا، وهل إذا استلم بيده أو بعود يقبلهما وهو مذهب الموازية، أم لا وهو مذهب المدونة 16؛ وإليه أشار بقوله: (وَوَضعهما عَلَى فِيهِ) يريد من غير تقبيل.
قوله: (وَالدُّعَاءُ) هذه هي السُّنة الثالثة.
قوله: (بِلا حَدٍّ) هو كقول ابن شاس: ليس بمحدود 17. يريد: خلافًا لابن حبيب.
قوله: (وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الثَّلاثَةِ الأُوَلِ) هي السُّنة الرا بعة وقد ورد ذلك عنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وأمر به أصحابه، واحترز بقوله: (رجل) من المرأة؛ إذ لم يشرع ذلك في حقِّ النساء.
قوله: (وَلَوْ مَرِيضًا، وَصَبِيًّا حُمِلا) قال في الجواهر: وإذا طيف بالمريض الذي لا يقدر على الطواف بنفسه أو بالصبي، فالمنصوص في المريض أنه يُرْمُل به، وفي الصبي قولان أجراهما اللخمي في المريض 18. ومذهب المدونة أنه يُرْمُل بالصبيِّ 19، وهو قول أصبغ
الجزء: 2 - الصفحة: 200
خلافًا لابن القاسم (1).
قوله: (وَللزَّحْمَةِ الطَّاقَةُ) يريد أنَّ الطائف إذا لم يستطع أن يَرْمُل فعل وسعه من ذلك، قال في المدونة: وإن زوحم في الرمل ولم يجد مسلكًا (2) رمل بقدر طاقته (3).
قوله: (وَللسَّعْي تَقْبِيلُ الحْجَرِ الأَسْوَدِ (4)) أي: والسُّنة تقبيل الحجر الأسود (5). يريد: إذا فرغ من الطواف وركعتيه وخرج ذاهبًا إلى السعي استلمه عند خروجه.
قوله: (وَرُقِيُّهُ عَلَيْهِما) السُّنة الثانية للسعي أن يرقئ على الصفا والمروة بحيث يرى الكعبة منه، وقاله في المدونة وزاد: ولا يعجبني أن يدعو عليهما قاعدًا إلا من علة (6).
قوله: (كامْرأَةٍ إن خَلا) قال في المدونة: وتقف النساء أسفلهما وليس عليهن أن يصعدن إلا أن يخلو فيصعدن أفضل لهنَّ (7).
قوله: (وَإِسْرَاعٌ بَيْنَ الأَخْضَرَيْنِ فَوْقَ الرَّمَلِ (8)) وهذه هي السُّنة الثالثة، وفي الإسراع بين الميلين الأخضرين (9) يريد: الرجال دون النساء.
أبو إسحاق: ويسعى بينهما سعيًا هو أشد من الرمل حول البيت (10).
قوله: (وَدُعَاءٌ) وهي السُّنة الرابعة، قال في المدونة: ولم يَحد مالك في الدعاء على الصفا والمروة حدًّا ولا لطول القيام وقتًا، واستحب المكث عليهما في الدعاء (11).
(المتن)
وَفِي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَي الطَّوَافِ أَوْ وُجُوبِهِمَا تَرَدُّدٌ، وَنُدِبَا كَالإِحْرَامِ: بِالْكَافِرُونَ وَالإِخْلاصِ، وَبِالْمَقَامِ، وَدُعَاءٌ بِالْمُلْتَزَمِ وَاسْتِلامُ الْحَجَرِ الْيَمَانِي بَعْدَ الأَوَّلِ،2021222324252627282930
الجزء: 2 - الصفحة: 201
وَاقْتِصَارٌ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَالْبَيْتِ، وَمِنْ كَدَاءٍ لِمَدَنِي، وَالْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيبَةَ، وَخُرُوجُهُ مِنْ كُدًى، وَرُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ تَنَفُّلِهِ وَبِالْمَسْجِدِ، وَرَمَلُ مُحْرِمٍ مِنْ كَالتَّنْعِيمِ، أَوْ بِالإِفَاضَةِ لِمُرَاهِقٍ، لا تَطَوُّع وَوَدَاعٍ.
وَكَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ، وَنَقْلُهُ.