قوله: (وَنُدِبَ كَمَالُ الشوْطِ) هو كقول صاحب الذخيرة، والمستحب أن يخرج على كمال شوط 4 من 5 الحجر، فإن خرج من غيره فقال ابن حبيب: يدخل من موضع خرج 6. قوله: (وَبَنَى إِنْ رَعَفَ) أي: أن الراعف إذا غسل الدم ثم عاد فإنه يبني على ما فعل من طوافه، وحكاه في النوادر عن ابن حبيب 7. قوله: (أَوْ عَلِمَ بِنَجَسٍ) أي: وكذلك إذا طاف وفي ثوبه أو بدنه نجاسة ثم علم بها 8 فإنه ينزعها ويبني، فإن لم يعلم بها حتى فرغ من طوافه لم يُعِد، وقاله في المدونة قال فيها:123
الجزء: 2 - الصفحة: 185
كمن صلى بذلك ثم ذكر بعد الوقت 9.
ابن المواز: وإن صلى بذلك الركعتين أعادهما بالقرب إن لم ينتقض وضوؤه، فإن انتقض وطال فلا شيء عليه كزوال 10 الوقت 11، وهو قول ابن القاسم، وإليه أشار بقوله: (وَأَعَادَ رَكْعَتَيْهِ بِالْقُرْبِ)، وقال أصبغ: سلامه منهما كخروج الوقت 12.
ابن يونس: وهو القياس؛ إذ لا وقت معلوم لذلك.
وإنما وقته حين يفعله كوقت الصلاة المنسية ففراغه منها ذهاب 13 وقتها، والاستحسان أن يعيد بالقرب ما لم ينتقض وضوؤه 14.
قوله: (وَعَلَى الأقَلِّ إِنْ شَكَّ) هكذا نص عليه مالك 15، ومعناه أن من شك مثلًا هل طاف أربعة أشواط أو خمسة فإنه يبني على الأقل وهو الأربعة ويلغي المشكوك، كمن شك أصلى ثلاثًا 16 أم أربعًا، ومثل هذا ما إذا شك هل أكمل طوافه أو بقي عليه منه 17 شيء فإنه يعمل على المحقق عنده ويلغي المشكوك فيه.
قوله: (وَجَازَ بِسَقَائِفَ لِزَحْمَةٍ، وَإِلا أَعَادَ) هو كقوله في المدونة: ومن طاف من 18 وراء زمزم أو في سقائف المسجد لزحام الناس فلا بأس به، وإن طاف في سقائفه لغير زحام لحر 19 ونحوه أعاد الطواف 20.
ابن يونس: وقال أشهب: لا يجزئ من طاف في السقائف وهو كمن طاف خارج
الجزء: 2 - الصفحة: 186
المسجد.
سحنون: ولا يمكن 21 أن ينتهي الزحام في المسجد 22 إلى السقائف.
قوله: (وَلَمْ يَرْجعْ لَهُ) أي: فإن طاف في السقائف - يريد: لغير زحام - لم يرجع له من بلده.
ابن يونس: وحكي ذلك عن الشيخ أبي محمد.
ثم 23 قال 24: وقال ابن شبلون: يرجع، وهو كمن لم يطف 25.
الباجي: وقول ابن أبي زيد أقيس، ولا دم عليه، وإليه أشار بقوله: (وَلا دَمَ).
قوله: (وَوَجَبَ كَالسَّعْي قَبْلَ عَرَفَةَ إِنْ أَحْرَمَ مِنَ الْحِلِّ) يريد أن طواف القدوم واجب كوجوب السعي قبلَ عرفة على من أحرم من الحل ولم يكن قد رهقه الوقت؛ أي: أتى في آخره بمقدار لا يسع ذلك، وما ذكره من وجوب طواف القدوم هذا المشهور، وقال أشهب: هو غير واجب 26، وجعله اللخمي سنة 27، وقيل: هو ركن كطواف الإفاضة، واحترز بقوله: (أحرم من الحل)، مما إذا أحرم من مكة فإنه لا يجب عليه طواف قدوم ولا سعي قبل عرفة، واحترز بقوله: (وَلَمْ يُرَاهِقْ) مما إذا جاء 28 مراهقًا فإنه يخرج لمعرفة ويترك طواف القدوم ويؤخر السعي للإفاضة ولا دم عليه، وقاله في المدونة 29.
قوله: (وَلَمْ يُرْدِفْ بِحَرَمٍ) لأنه إذا أردف الحج على العمرة فيه 30 فإن طواف القدوم ساقط عنه حينئذٍ 31.
قوله: (وَإِلا سَعَى بَعْدَ الإِفَاضَةِ) أي: وإن أحرم من الحرم أو أردف فيه 32 أو قدم
الجزء: 2 - الصفحة: 187
مراهقًا أخر سعيه حتى يوقعه بعد طواف الإفاضة، فلو قدَّم السعي قبل عرفة ثم لم يعده حتى رجع إلى بلده أجزأه وعليه دم، وقاله في المدونة 33، وإليه أشار بقوله: (وَإِلا فَدَمٌ إِنْ قَدَّمَ وَلَمْ يُعِدْ) أي: قدم السعي ولم يعده حتى رجع إلى بلده، وكلامه يوهم أن المراهق كذلك وليس بظاهر، لأنه إذا قدَّم السعي قبل عرفة ولم يعده فلا شيء عليه، لأنه أتى بما هو الأصل في حقه، لأنه إنما رخص له في التأخير لما يخاف من فوات الوقوف، فإذا فعل ذلك فلا مانع من الإجزاء، وقد نص غير واحد على ذلك، ولعل قوله: (إن قدم) فيه إيماء لذلك، إذ مثل هذا لا يقال قدم بل أوقعه في محله الذي خوطب به في الأصل.
قوله: (ثُمَّ السَّعْيُ سَبْعًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوةِ) هذا معطوف على قوله: (ثم الطواف)، وهما معطوفان على قوله: (وركنهما الإحرام)، يريد أن من جملة أركان الحج والعمرة السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط؛ لأنه عليه الصلاة والسلام فعله، وقال: "خذوا عني مناسككم" 34، وقال أيضًا 35: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" 36.
قوله: (مِنْهُ الْبَدْءُ مرة 37) أي: من الصفا ابتداء 38 السعي، لقوله عليه الصلاة والسلام وقد فعل ذلك: "نبدأ بما بدأ الله به" 39، فلو بدأ بالمروة ألغاه.
الجزء: 2 - الصفحة: 188
قوله: (مَرَّةً وَالْعَوْدُ أُخْرَى) أي: يبدأ منه أول مرة ويعود إليه من 40 المروة أخرى فيحصل الختم بالمروة، فإذا سعى سبعة أشواط يكون قد وقف على الصفا أربع وقفات وعلى المروة كذلك.
قوله: (وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ 41 طَوَافٍ، وَنَوَى فَرْضِيَّتَهُ) أي: أنه يشترط في صحة السعي أن يتقدم بين يديه طوافٌ فإن وقع من غيره لم يجزئه، واختلف هل من شرط ذلك الطواف أن يكون واجبًا؟ قال ابن عبد السلام: وإليه يرجع مذهب المدونة، وهو المنصوص في المذهب أولًا 42، وهو ظاهر كلامه هنا، وهو أيضًا ظاهر المدونة لقوله: وإذا لم ينوِ بطوافه تطوعًا ولا فرضًا لم يجزئه سعيه إلا بعد طواف ينوي فرضيته، ثم قال: فإن رجع إلى بلده 43 وتباعد وجامع النساء أجزأه وعليه دم 44. والدم في هذا خفيف فتخفيفه الدم يقتضي عدم 45 شرطيته، وإلى ترتب 46 الدم أشار بقوله: (وَإِلا فَدَمٌ) أي: وإن لم ينوِ فرضية الطواف فعليه دم.
يريد: إذا رجع إلى بلده وتباعد وجامع النساء، كما قال في المدونة.
قوله: (وَرَجَعَ إنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَةٍ مُحْرِمًا 47 وَافْتَدَى لِحَلْقِهِ) يريد به 48 ما قال في المدونة: ومن طاف لعمرته على غير وضوء فذكر بعد أن حل منها بمكة أو ببلده فليرجع حرامًا 49 كما كان، وهو كمن لم يطف فيطوف بالبيت ويسعى وإن كان قد = 3/ 216، في باب أنه يبدأ بالصفا قبل المروة، من كتاب الصوم، برقم: 862، والنسائي: 5/ 239، في باب ذكر الصفا والمروة، من كتاب مناسك الحج، برقم: 2970، وابن ماجه: 2/ 1022، في باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب المناسك، برقم: 3074.
الجزء: 2 - الصفحة: 189
حلق بعد طوافه افتدى 50.
قوله: (وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ سَعْيِهِ بِحَجٍّ فَقَارِنٌ 51) يريد: لأنه أيصح طوافه للعمرة 52، ومن شرط 53 صحة السعي أيضًا أن يعقب طوافًا صحيحًا وإلا 54 فسعيه أيضًا غير صحيح، فإذا أردف الحج حينئذٍ صار قارنًا إذ كأنه أردف 55 قبل طواف العمرة، وعليه دم القِران.
قوله: (كَطَوَافِ الْقُدُومِ إِنْ سَعَى بَعْدَهُ وَاقْتَصَرَ) أي: وكذلك حكم طواف القدوم إذا بطل وقد سعى بعده مقتصرًا؛ أي: لم يعده بعد طواف الإفاضه 56 فإنه يرجع للسعي، وهو جارٍ على المشهور من اشتراط الطهارة في الطواف، وأما على قول المغيرة فيهدي ولا شيء عليه 57، وكذا عنده في الإفاضة وغيرها.
قوله: (وَالإِفَاضَةِ إِلا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَهُ) أي: وكذلك يرجع لطواف الإفاضة من بلده إذا بطل، بأن يكون طافه 58 على غير وضوء أو نسيه أو بعضه، قال في المدونة: إلا أن يكون قد طاف بعده تطوعًا فيجزئه عن 59 طواف الإفاضة 60.
ابن يونس: يريد: ولا دم عليه 61، ولهذا قال هنا: (وَلا دَمَ) وما ذكره من أن 62 التطوع يجزئ عن الواجب في الحج هو المشهور؛ خلافًا لابن عبد الحكم.
الجزء: 2 - الصفحة: 190
قوله: (حِلًّا (1) إِلا مِنْ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ الطيبُ) هو منصوب على الحال، وصاحبها محذوف دل عليه السياق، والعامل فيها (رجع)، والمعنى: ورجع الذي فسد طواف قدومه أو إفاضته حلًّا (2) إلا من النساء (3) إلى آخره، وهو كقوله في المدونة: فليرجع لابسًا للثياب حلًّا (4) إلا من النساء والصيد والطيب (5).
قوله: (وَاعْتَمَرَ) أي (6): إذا رجع إلى مكة فلا يدخلها إلا بعمرة، وقاله في المدونة (7) إلا أنه فيها مقيد بما إذا أصاب النساء: وأكثر الأشياخ: لا عمرة (8) عليه إلا مع الوطء كما أشار إليه بقوله: (وَالأَكْثَرُ إِنْ وَطِئَ) وقيل: يعتمر مطلقًا.
ابن الحاجب: وجل الناس لا عمرة عليه (9).
(المتن)
وَللْحَجّ حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ سَاعَةً لَيلَةَ النَّحْرِ، وَلَوْ مَرَّ إِنْ نَوَاهُ، أَوْ بِإِغْمَاءٍ قَبْلَ الزَّوَالِ، أَوْ أَخْطَأَ الْجَمُّ بِعَاشِرٍ فَقَطْ لا الْجَاهِلُ، كَبَطْنِ عُرَنَةَ، وَأَجْزَأَ بِمَسْجِدِهَا بِكُرْهٍ، وَصَلَّى وَلَوْ فَاتَ.
وَالسُّنَّةُ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ وَلا دَمَ، وَنُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفِيّ، وَلدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكةَ بِطُوًى، وَللْوُقُوفِ وَلُبْسُ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَينِ، وَتَقْلِيدُ هَدْي، ثُمَّ إِشْعَارُهُ، ثُمَّ رَكْعَتَانِ، وَالْفَرْضُ مُجْزئ: يُحْرِمُ إِذَا اسْتَوَى، وَالْمَاشِي إِذَا مَشَى، وَتَلْبِيَةٌ وَجُدِّدَتْ لِتَغَيُّرِ حَالٍ، وَخَلْفَ صلَاةٍ، وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَوَافِ؟ خِلافٌ.