قوله 1: (وَرُكْنُهُمَا الإِحْرَامُ) أي: وركن الحج والعمرة الإحرام، وهذا مما لا إشكال فيه لفعله عليه الصلاة والسلام وقوله: "خذوا عني مناسككم" 2 وأمره به، وذلك مجمع 3 عليه.
قوله: (وَوَقْتُهُ لِلْحَجِّ شَوَّالٌ لآخِرِ ذِي 4 الْحِجَّةِ) يريد: ووقت الإحرام للحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، ولهذا قال: (لآخر ذِي الحجة) وهو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: آخره عشر ذي الحجة ورواه ابن حبيب 5، وروي أيام التشريق نقله في الجواهر 6، وفائدة الخلاف تعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة عن أشهر الحج 7.
قوله: (وَكُرِهَ قَبْلَهُ) يريد: أن الإحرام بالحج قبل شوال مكروه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام إنما أحرم به في أشهره، واختلف إذا فعل ذلك هل ينعقد وهو المشهور، أو لا ينعقد؟ وحكى هذا القول اللخمي ولم يعزه 8، وأشار بقوله: (كَمَكَانِهِ) إلى أن الحج أيضًا له ميقات مكاني كما سيأتي من 9 كلامه، وأنه يكره له أن يحرم قبله 10، وهو ظاهر المدونة 11، وهو الذي يحكيه العراقيون عن المذهب من غير
الجزء: 2 - الصفحة: 164
تفصيل، وفي الموازية: له أن يحرم من منزله إذا كان قبل الميقات إلا أن يكون قريبًا منه فيكره أن يحرم منه 12، لأنه مع القرب إنما قصد مخالفة الميقات، ومع البعد إنما قصد استدامة الإحرام وهو غير مكروه.
قوله: (وَفِي رَابغٍ تَرَدُّدٌ) أي: هل يكره الإحرام منه لأنه قبل الجحفة، وإليه ذهب الشيخ القدوة 13 أبو عبد الله بن الحاج 14، أو لا يكره، لأنه أول الميقات ومن أعمال الجحفة ومتصل بها بدليل اتفاق الناس على ذلك، وإليه ذهب بعض 15 أشياخنا المتأخرين؛ وحكي ذلك عن شيخ شيخنا الشهير 16 بعبد الله المنوفي 17، رحمهم الله أجمعين.
قوله: (وَصَحَّ) أي: ولو قلنا بالكراهة فإنه ينعقد ويصح.
قوله: (وَللْعُمْرَةِ أَبَدًا إِلا لِمُحْرِمٍ 18 بِحَجٍّ لِتَحَلُّلَيْهِ 19) يريد: أن ميقات العمرة في 20 أيام السنة كلها، أي 21: فأي وقت أحرم بها جاز 22 إلا من كان محرمًا بالحج فالوقت في حقه إذا تحلل من الحج، فمراده 23 بقوله: (لتحلليه) أي: إلى أن يحل من حجه، ثم قال: (وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ) لما كان الذي يحل به من الحج أمرين: طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة، ثنى الضمير لأجل ذلك، ومراده أن الإحرام بالعمرة قبل
الجزء: 2 - الصفحة: 165
الفراغ منهما ممنوع، وبعدهما وقبل الغروب 24 من آخر أيام الرمي مكروه، وقاله في المدونة 25، ومعناه: ينعقد 26.
قوله: (وَمَكَانُهُ لَهُ لِلْمُقِيمِ مَكَّةُ) أي: ومكان الإحرام للحج للمقيم مكة، وسواء كان من أهلها أم 27 مقيمًا بها وقت الإحرام، واحترز بقوله: (له) 28 مما إذا كان الإحرام للعمرة كما سنذكره.
قوله: (وَنُدِبَ الْمَسْجِدُ) يريد أنه يستحب من بمكة إذا أراد الإحرام بالحجِّ أن يأتي المسجد ليحرم 29 منه به 30، وهو مذهب المدونة 31.
أشهب: يريد من داخله لا من بابه، وقاله في الموازية عن مالك 32. وقال ابن حبيب: إنما يحرم من بابه 33.
قوله: (كَخُرُوجِ ذِي النَّفَسِ لِمِيقَاتِهِ) المراد بصاحب النفس من اتسع له الوقت من أهل الآفاق إذا كان بمكة وأراد الإحرام بالحج، فالمستحب أن يخرج إلى ميقاته فيحرم منه، وقاله في المدونة 34، وإنما أمره هنا بالخروج لأنه في سعة من الوقت، وفي المسألة الأولى استحب له أن يحرم من المسجد؛ لأن معناه أنه في ضيق من الوقت ليس عليه نفس مثل ذلك، وهكذا قال 35 في النكت إثر 36 مسألتي المدونة 37.
الجزء: 2 - الصفحة: 166
قوله: (وَلَهَا وَللْقِرَانِ الْحِلُّ) أي: وللإحرام بالعمرة من بمكة الحل للجمع فيها بين الحل والحرم؛ لفعله عليه الصلاة والسلام، فلو أحرم بها من الحرم وهي تنقضي فيه لزم من ذلك عدم الجمع بينهما في الإحرام للعمرة 38؛ بخلاف الحج فإنه وإن أحرم به من 39 الحرم يخرج إلأ عرفة 40 وهي حل فيحصل له الجمع بين الحل والحرم، وهذا وجه كون القران يطلب فيه الخروج أيضًا إلأ الحل؛ لأن القارن 41 لو أحرم به 42 من مكة لزم عدم الجمع في العمرة بينهما؛ لأن خروجه لمعرفة خاص بالحجِّ، وهذا هو المشهور، وقال عبد الملك وسحنون: يجوز إحرامه من مكة بناء على أن العمرة مضمحلة 43 والعبرة بالحج لا غير 44.
قوله: (والجْعِرَّانَة أَوْلَى، ثُمَّ التَّنْعِيمُ) إنما كان الإحرام بالعمرة من الجعرانة أولًا لفعله عليه الصلاة والسلام إذ أحرم بها من الجعرانة، وكان التنعيم يليها في الفضل؛ لأمره لعبد الرحمن أن يخرج بأخته عائشة إلى التنعيم.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ، وَأَهْدَى إِنْ حَلَقَ) يريد: أن من أحرم بالعمرة من الحرم ولم يخرج إلى الحل ثم طاف وسعى 45 فإنه يعيد طوافه وسعيه بعد أن يخرج إلى الحل لكونهما وقعا بغير شرطهما، فإن حلق أعادهما أيضًا وأهدى؛ لكونه حلق في حال إحرامه، هذا هو الأصح خلافًا لأشهب في سقوط الدم، حكاه عنه ابن المواز 46.
قوله: (وَإِلا فَلَهُمَا ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَالْجحْفَةُ، وَيَلَمْلَمُ، وَقَرْنٌ، وَذَاتُ عِرْقٍ) لما ذكر أن
الجزء: 2 - الصفحة: 167
الميقات المكاني من بمكة في الحج مكة، وفي العمرة الحل، أشار بهذا 47 إلى أن من أراد 48 الإحرام بحج أو عمرة ممن هو من أهل الآفاق فإن ميقاته فيهما ما ذكر؛ أي: وإن لم يكن مقيمًا بمكة 49 فللحج والعمرة هذه المواقيت وذو الحليفة أبعد المواقيت من مكة بينهما نحو من عشر مراحل أو تسع، وهي قريبة من المدينة على ستة أميال منها، وقيل: سبعة، وقيل: أربعة وهي ميقات أهل المدينة.
والجحفة على ثلاث مراحل، ونحوها من مكة وبينها وبين المدينة ثماني مراحل وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب.
ويلملم ويقال أيضًا أَلَمْلَم بإبدال الياء همزة وهو جبل من جبال تهامة 50 على ليلتين من مكة وهي ميقات أهل اليمن.
وقرن المنازل على مرحلتين من مكة، قيل: أنها أقرب المواقيت إليها، وهي ميقات أهل نجد.
وأما ذات عرق وهي ميقات أهل العراق فهي موضع بالبادية 51 ولم أرَ من ذكر ذات عرق بالنسبة إلى قربه وبعده من مكة شرفها الله تعالى،
والشيخ -رَحِمَهُ اللهُ- قد ذكر هذه المواقيت ولم يذكر أهلها اتكالًا على ما ورد في ذلك في الصحيحين، عن ابن عباس "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل 52، ولأهل اليمن يلملم، قال: عن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" 53،
الجزء: 2 - الصفحة: 168
زاد مسلم: "وأهل العراق من ذات عرق" 54، وأشار بقوله: (وَمَسْكَن دُونَهَا) إلى أن من كان ساكنًا 55 دون هذه المواقيت فميقاته من 56 مكانه 57، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ".
قوله: (وَحَيْثُ حَاذَى وَاحِدًا أَوْ مَرَّ وَلَوْ بِبَحْرٍ) أي: وحيث حاذى ميقاتًا 58 منها أو مر به فإنه يلزمه أن يحرم منه إلا المصري والشامي 59 والمغربي يمرون بذي الحليفة فليس عليهم الإحرام منها، لأن ميقاتهم وهو الجحفة 60 بين أيديهم، إلا أن 61 الأولى لهم أن يحرموا من ذي الحليفة، وإليه أشار بقوله: (إِلا كَمِصْرِيٍّ يَمُرُّ بِذِي الْحُليْفَةِ، فَهُوَ أَوْلَى)، وأشار بقوله: (وَلَوْ بِبَحْرٍ) إلى قول مالك في النوادر: إن من حج 62 في البحر من أهل مصر وشبههم فليحرم إذا حاذى الجحفة 63.
قوله: (وَإِنْ لِحيْضٍ رُجِيَ رَفْعُهُ) يريد أن الحائض إذا مرَّتْ بذي الحليفة وترجو أن يحصل لها الطهر قبل الجحفة فإنها لا تؤخر إحرامها إلى الجحفة، والأولى لها أن تحرم من ذي الحليفة، ذكره في النوادر 64، واختلف في المدني 65 المريض هل يرخص له في ترك الإحرام إلى الجحفة، فحكى محمد عن مالك: لا ينبغي له أن يتجاوز الميقات فيما يرجو
الجزء: 2 - الصفحة: 169
من قوة وليحرم، فإن احتاج إلى شيء افتدى، وقال أيضًا: لا بأس أن يؤخر للجحفة (1).
ابن بزيزة: وهو المشهور للضرورة.
اللخمي: وهو الأولى (2).
قوله: (كَإِحْرَامِهِ أَوَّلَهُ) أي: أول الميقات؛ وإنما كان ذلك أولى لأن المبادرة إلى الطاعة تستحب.
قوله: (وَإِزَالَةِ شَعَثِهِ) أي: قبل الإحرام، وهو معطوف على قوله: (كإحرامه أوله)، والتقدير: وكذلك يستحب للمحرم أن يزيل شعثه قبل إحرامه.
بعض الأشياخ: ويقلم أظفاره ويزيل ما على بدنه من الشعر الذي يؤمر بإزالته؛ إلا (3) شعر الرأس فإن الأفضل إبقاؤه طلبًا للشعث في الحج.
ومما يستحب عند الإحرام أيضًا (4) ترك التلفظ بما يحرم به، وروي عن مالك كراهة التلفظ بذلك، يريد أن مجرد النية بذلك مع التلبية أو ما حصل من فعل كالتوجه كافٍ، وإليه أشار بقوله: (وَتَرْكِ اللَّفْظِ بهِ) وروي عن ابن وهب: التسمية أحب إليَّ.
وفي الموازية (5): ذلك واسع سمى أو تركَ (6).
(المتن)
وَالْمَارُّ بِهِ إِنْ لَمْ يُرِدْ مَكَّةَ، أَوْ كَعَبْدٍ فَلا إِحْرَامَ عَلَيْهِ، وَلا دَمَ.
وِإنْ أَحْرَمَ إِلَّا الصَّرُورَةَ الْمُسْتَطِيعَ فَتَأْوِيلانِ.
وَمُرِيدُهَا إِنْ تَرَدَّدَ أَوْ عَادَ لَهَا لِأَمْرٍ، فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا وَجَبَ الإِحْرَامُ، وَأَسَاءَ تَارِكهُ، وَلا دَمَ إِنْ لَم يَقْصِدْ نُشكًا، وَإِلَّا رَجَعَ، وَإِنْ شَارَفَهَا وَلا دَمَ وَلَوْ عَلِمَ؛ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتًا، فَالدَّمُ، كَرَاجِعٍ بَعْدَ إِحْرَامِهِ، وَلَوْ أَفْسَدَ، لا فَاتَ.
وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، وَإنْ خَالَفَهَا لَفْظُهُ وَلا دَمَ، وَإِنْ بِجِمَاع مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بِهِ بَيَّنَ أَوْ أَبْهَمَ، وَصَرَفَهُ لِحَجّ، وَالْقِيَاسُ لِقِرَانٍ، وَإنْ نسِيَ فَقِرَانٌ، وَنَوَى الْحَجَّ وَبَرِئَ مِنْهُ فَقَطْ، كَشَكِّهِ أَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ، وَألْغَى عُمْرَةٌ عَلَيْهِ، كَالثَّانِي فِي حَجَّتَينِ أَوْ عُمْرَتَينِ، وَرَفْضُهُ، وَفِي كَإِحْرَامِ زَيْدٍ تَرَدُّدٌ.