قوله: (وَمُنِعَ اسْتِنَابَةُ صَحِيحٍ فِي فَرْضٍ) هو من باب إضافة المصدر إلى فاعله، والمعنى أن الصحيح لا يجوز له أن يستنيب غيره ليحج عنه في 5 الفرض.
قوله: (وَإِلا كُرِهَ) أي: وإن استناب العاجز في ذلك والصحيح في النفل، كره له 6 ذلك.1234
الجزء: 2 - الصفحة: 157
سند: والمذهب 7 كراهتها للصحيح في التطوع، وإن وقعت صحت الإجارة 8.
واختلف في العاجز هل تجوز استنابته وهو مروي عن مالك، أو تكره وهو المشهور، أو يفرق بين الولد فيجوز 9 منه وبين غيره فلا تجوز، وهو قول ابن وهب وأبي مصعب 10.
قوله: (كَبَدْءِ مُسْتَطِيعٍ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ) يريد: أنه يكره للمستطيع أن يبدأ بالحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام للذي أحرم بالحج عن غيره: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" 11، قال في المدونة: ويحج عنه من حج عن نفسه فإن جهلوا فاستأجروا من لم يحج أجزأ عنه 12. وقال أشهب: لا بأس أن يستأجروا له صرورة ممن 13 لم يجد السبيل، فأما من يجد السبيل فلا ينبغي أن يعان على ذلك 14، فإن أحجوا عنه أساؤوا ويجزئه.
قوله: (وَإِجَارَةِ نَفْسِهِ) هذا هو المشهور، قال في كتاب محمد: ولأن يؤاجر الرجل نفسه في سَوْق الإبل وحمل اللبن أحب إليَّ من أن يعمل عملًا لله عز وجل عن غيره بإجارة 15، والشاذ 16 جواز ذلك.
قوله: (وَنَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنَ الثُّلُثِ) يريد: أن الإستنابة وإن كانت مكروهة فإنها تنفذ إن أوصى بها وهو المشهور، وقال ابن كنانة: لا تنفذ ويصرف قدر الموصى به في
الجزء: 2 - الصفحة: 158
هدايا 17، وقال بعض 18 من قال بقوله: يصرف في وجه من وجوه الخير، وإنما كان من الثلث؛ لأن حكمه حكم الوصية التي لا تكون إلا في الثلث.
وقال أشهب: ذلك 19 من رأس المال إن كان صرورة، وقيل: لا تنفذ.
حكاهما في الذخيرة 20.
قوله: (وَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ إِنْ وَسِعَ وَقَالَ: يُحَجُّ بِهِ لا مِنْهُ) يريد: أن الميت إذا أوصى أن يحج عنه بمال حج عنه حجج بعدده 21 إن وسع المال الموصى به ذلك إذا قال في وصيته يحج به؛ أي: بمجموعه 22 لا منه؛ أي 23: لا ببعضه، وهذا مع القرينة أو 24 التنصيص على ذلك، قال في العتبية: في رجل أوصى أن يحج عنه بثلثه فوجد ثلثه ثلاثة آلاف 25 دينار ونحو ذلك، فإنه يحج عنه حتى يستوعب الثلث.
قال في البيان: لأنه لما كان الثلث واسعًا علم أنه لم يرد حجة واحدة ولو كان ثلثه يشبه أن يحج به حجة واحدة رجع ما بقي ميراثًا كما قال في المدونة في مسألة الأربعين دينارًا 26.
قوله: (وَإِلا فَمِيرَاثٌ) أي: وإن لم يسعِ المال الموصى به ذلك فهو ميراث، وكذلك إذا سمى الميت قدرًا فلم يوجد من يحج به من موضع الميت ولا من مكة فهو ميراث 27، وأشار بقوله: (كَوُجُودِهِ بِأَقَلَّ) إلى مسألة المدونة: إذا قال 28: حُجوا عني بأربعين دينارًا ففضل منها فضلة أو رضي الأجير بثلاثين فإن الباقي يرجع ميراثًا 29،
الجزء: 2 - الصفحة: 159
وكذلك إذا تبرع رجل فحجَّ عن الميت مجانًا فإن المال يرجع ميراثًا، وإليه أشار بقوله: (أَوْ تَطَوُّعِ غَيْرٍ).
وأشار بقوله: (وَهَلْ إِلا أَنْ يَقُولَ: يُحَجُّ عَنِّي بِكَذَا فَحِجَجٌ؟ تَأْوِيلانِ) إلى ما قاله 30 ابن المواز: إن الموصي إذا قال: حجوا بهذا عني أو يحج به 31 عني أنه 32 يحج عنه حجج إلى مبلغ ذلك، بخلاف ما إذا قال: يحج به فلان عني فرضي فلان 33 بأقل فإن الفاضل يكون ميراثًا 34، واختلف المتأخرون هل هو 35 تفسير لقول ابن القاسم أو خلاف؟ وهذا التردد راجع إلى قوله 36: (وَإِلا فَمِيرَاثٌ) أي: وهل جعله أو ما فضل عنه ميراثًا مقيد بما إذا لم يقل: حجوا عني أو مطلقًا؟ تأويلان، وهذا على أن قول محمد خلاف.
قوله: (وَدُفِعَ الْمُسَمَّى وَإِنْ زَادَ عَلَى أُجْرَتِهِ لِمُعَيَّنٍ لا يَرِثُ 37) يريد: أن الميت إذا عين شخصًا فقال: يحج عني بكذا، فإنه يعطى له الجميع ولو كان زائدًا على مقدار 38 أجرته؛ لأنها وصية له، وليس له أن يقول: أحجوا غيري بكذا 39، وادفعوا إليَّ الزائد؛ لأنه إنما أوصى له بشرط الحج، وهذا إذا كان غير وارث، وأما الوارث فلا يزاد على النفقة والكراء شيئًا كما قال سند 40، وإليه أشار بقوله: (لا يَرِثُ) أي: دفع الجميع لمعين غير وارث، وإنما قال: (فُهِمَ إِعْطَاؤُهُ لَهُ) لأنه إذا لم يفهم من لفظ الموصي أو فهم غير ذلك لم يُزَد على أجرته شيئًا.
قوله: (وَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ وَارِثٍ وَلَمْ يُسَمِّ زِيدَ إِنْ لَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ ثُلُثَهَا ثُمَّ تُرُبِّصَ)
الجزء: 2 - الصفحة: 160
يعني: إذا عين الميت شخصًا غير وارث 41 يحج عنه ولم يسمِّ قدر ما يعطى له 42، وأبى الشخص 43 أن يحج عنه بأجرة مثله، فإنه يزاد له فوق تلك الأجرة مقدار ثلثها، فإن رضي 44 فلا كلام وإلا تربص قليلًا لعله يرضى بذلك، واحترز بقوله: (غير وارث) من الوارث فإنه لا يزاد على نفقته وكرائه كما تقدم، وبقوله: (ولم يسم) مما إذا سمى قدرًا يحج به عنه، فإنه إن رضي بذلك القدر أو بدونه دفع له ورجع ما فضل ميراثًا، وإن لم يرضَ به 45 لم يزد على ذلك شيئًا واستأجروا من يحج عنه إن كان الميت صرورة، وإلا رجع المال ميراثًا وقيل: لا.
قوله: (ثُمَّ أُوجِرَ لِلصَّرُورَةِ فَقَطْ، غَيْرُ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ، وَإِنِ امَرْأَةً 46) يريد أن الصرورة وهو الذي لم يحج قطُّ 47، إذا أوصى بالحج فإنما يستأجر له مسلم حر بالغ يحج عنه؛ ليكون حجه مُنَزَّلًا منزلةَ حج الميت، فإن أوصى أن يحج عنه عبد أو صبي أنفذ ذلك، قاله في المدونة 48، وقال ابن القاسم: يدفع ذلك لغيرهما، حكاه ابن المواز 49.
وأشار بقوله: (فقط) إلى أن 50 غير الصرورة إذا حج عنه عبد أو صبي فلا بأس به، ونبه بقوله: (وإن امرأة) على خلاف من يرى 51 أنها لا تحج عن الرجل؛ لأن إحرامها في وجهها وكفيها بخلافه، وأيضًا فإن الرجل في الطواف يَرْمُل بخلافها، وكذلك يَخبُّ في بطن المسيل دونها إلى غير ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 161
قوله: (وَلَمْ يَضْمَنْ وَصِيٌّ دَفَعَ لَهُمَا مُجْتَهِدًا) يريد: أن الوصي إذا ظن أن العبد حرٌّ أو 52 الصبي بالغٌ فدفع لهما الأجرة ثم ظهر أنهما على خلاف ما ظن فلا يضمن شيئًا لأنه اجتهد، والغرض من ذلك الثواب وهو يحصل بهما كما يحصل بغيرهما.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِما سَمَّى مِنْ مَكَانِهِ حُجَّ مِنَ الْمُمْكِنِ وَلَوْ سَمَّاهُ 53 إِلا أَنْ يُمْنَعَ فَمِيرَاثٌ 54) يعني: إذا سمى الميت قدرًا فلم يوجد من يحج عنه من مكانه بذلك القدر 55، فإنه يحج عنه من مكان يمكن أن يستأجر له منه بالمقدار الذي عينه الميت، ولا خلاف فيه إذا لم يسمِّ الكان الذي يحج منه عنه، فإن سماه فقال: حجوا عني من بلد كذا، وقد مات به ولم يوجد من يحج به 56 عنه من ذلك البلد 57، فروي عن ابن القاسم أنه يستأجر له به من حيث يوجد، إلا أن يتبين أنه أراد ألا يحج به عنه إلا من بلده 58؛ أي: فيكون ميراثًا، وإلى هذا أشار بقوله: (وَلَوْ سَمّاهُ 59 إِلا أَنْ يُمْنَعَ فَمِيرَاثٌ) أي: ولو سمى 60 المكان الذي يحج عنه منه، فكذلك يحج عنه من حيث 61 يمكن إلا أن يمنع من 62 ذلك لكونه إنما أراد أن يحج عنه من موضعه، فيكون ميراثًا.
قوله: (وَلَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ) أي: ولزم الأجير أن يحج عن الموصي بنفسه.
يريد: إذا قامت قرينة تدل على تعيينه من الورثة أو عيَّنه الميت قصدًا لخيره ورغبة في بركته.
قوله: (لَا الإِشْهَادُ 63) أي: فلا يلزمه أن يشهد على نفسه أنه قد حج عن الميت،
الجزء: 2 - الصفحة: 162
وهذا إذا لم يكن عرف الناس الإشهاد فإن كان لزمه، وإليه أشار بقوله: (إلا أَنْ يُعْرَفَ) ولا خفاء أن العرف إذا جرى بالإشهاد (1) أو بعدمه أنه يصار إليه، فإن لم يكن عرف فعن المتأخرين في ذلك قولان.
قوله: (وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيمَنْ يَأْخُذُهُ فِي حَجِّهِ (2)) أي: وقام وارث الموصي مقامه في تعيين من يعينه لحجه.
يريد: وكذلك يقوم وارث الأجير مقامه إذا كان الحج مضمونًا لا معينًا.
قوله: (وَلا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حُجَّ عَنْهُ، وَلَهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ) يريد: أن من مات وعليه فريضة الحج فإنها لا تسقط بحج غيره عنه.
ابن القصار: وإنما للميت المحجوج عنه أجر النفقة والدعاء (3)؛ إن أوصى أن يستأجره من ماله على ذلك، وإن تطوع غيره عنه (4) بذلك فله أجر الدعاء وفضله (5)، وإلى هذا أشار بقوله: (وله أجر النفقة) (6)؛ أي: إذا أوصى أن (7) يحج عنه من ماله (والدُّعاء) أي: إذا تبرع به عنه الغير، وخرج الباجي قولًا بسقوط الفريضة (8).
(المتن)
وَرُكْنُهُمَا الإِحْرَامُ، وَوَقْتُهُ لِلْحَجِّ شَوَّال لآخِرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَكُرِهَ قَبْلَهُ كَمَكَانِهِ، وَفِي رَابِغٍ تَرَدُّدٌ.
وَصَحَّ.
وَلِلْعُمْرَةِ أَبَدًا إِلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ لِتَحَلُّليْهِ، وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ.
وَمَكَانُهُ لَهُ لِلْمُقِيمِ مَكَّةَ، وَنُدِبَ الْمَسْجِدُ، كَخُرُوجِ ذِي النَّفَسِ لِمِيقَاتِهِ، وَلَهَا وَلِلْقِرَانِ الْحِلُّ.
وَالْجِعِرَّانَةُ أَوْلَى، ثُمَّ التَّنْعِيمُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ، وَأَهْدَى إِنْ حَلَقَ؛ وَإِلَّا فَلَهُمَا ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَالْجُحْفَةُ، وَيَلَمْلَمُ، وَقَرْنٌ، وَذَاتُ عِرْقٍ، وَمَسْكَنٌ دُونَهَا، وَحَيْثُ حَاذَى وَاحِدًا، أَوْ مَرَّ وَلَوْ6465666768697071
الجزء: 2 - الصفحة: 163
ببَحْرٍ؛ إِلَّا كَمِصْرِيٍّ يَمُرُّ بِالْحُلَيْفَةِ، فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ لِحَيْضٍ رُجِيَ رَفْعُهُ، كَإِحْرَامِهِ أَوَّلَهُ، وَإِزَالَةِ شَعَثِهِ، وَتَرْكِ اللَّفْظِ بِهِ.