قوله: (وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ إِنْ خِيفَ ضَيْعة) أي: فإن سافر الولي به لخوف ضيعته إن تركه، فإن زيادة النفقة تكون على الصبيِّ؛ لأن ذلك من مصالحه.
قوله: (وَإِلا فَوَلِيُّهُ) أي: وإن لم يخف عليه الضيعة بل سافر به لغير مصلحة تعود على الصبيِّ، فالولي هو الذي يغرم الزائد.
قوله: (كَجَزَاءِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ) أي: فإن فيهما ما تقدم، وهو أن الولي إن خاف ضيعته فجزاء ما أتلف الصبي من الصيد وما وجب عليه من فدية الأداء 1 في ماله وإلا فعلى الولي، وهذا القول لمالك، وقيل: ذلك على الولي مطلقًا، وهو أيضًا لمالك في كتاب محمد 2، قال في الكافي: وهو الأشهر 3. وقيل: على الصبي مطلقًا حكاه في النوادر 4.
قوله: (بِلا ضَرُورَةٍ) يريد: كما إذا طيبه بلا داعٍ إلى ذلك، فإن طيبه لضرورة فلا شيء على الولي، قال في المدونة: وإن احتاج إلى دواء أو 5 طيب فعل به ذلك وفدى به 6 عنه 7. يريد: من مال الصبيِّ، هكذا قال ابن شاس 8.
قوله: (وَشَرْطُ وَجُوبِهِ كَوُقُوعِهِ فَرْضًا حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ وَقْتَ إِحْرَامِهِ) يريد: أن الحرية والتكليف 9 شرط في وجوب الحج؛ فلا يجب على من فيه بقية رق، ولا على غير
الجزء: 2 - الصفحة: 140
مكلف كالصبي والمجنون، وهما أيضًا شرط في سقوط الفرض، فلو أحرم العبد أو غير المكلف كان 10 ما فعله نفلًا لا يجزئ عن حجة الإسلام.
قوله: (بِلا نِيَّةِ نَفْلٍ) أي: لأنه إذا نوى بحجه النفل لا يجزئه عن حجة الإسلام؛ إذ لا ينقلب النفل فرضًا.
قوله: (وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةِ بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ بِلا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ، وَأَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ) لا شك 11 أنَّ الإستطاعة أيضًا من شروط الوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 197] وتحقيق الإستطاعة أن من قدر على الوصول آمنًا على نفسه وماله ولم يكن به مرض ولا ضعف يمنعه من الركوب، فإنه يجب عليه الحج وإن لحقته مشقة، إلا أن تكون مشقة عظيمة، فلا يجب عليه كما ذكر.
قوله: (إلا لأَخْذِ ظَالِمٍ مَا 12 قَلَّ) قد تقدم أن مما يعتبر في الاستطاعة الأمن على النفس والمال، ولا شك 13 أن عدم الأمن على النفس معتبر 14 في السقوط، وأما عدم الأمن على المال فإن كان من لصوصٍ فكذلك؛ لأنه مؤدٍّ 15 إلى ضياع النفس، وإن كان من أجل 16 ظالم كصاحب مكس، ونحوه ممن يتعرض لأخذ شيء من الناس، فإن كان الذي يأخذه غير معلوم أو معلومًا وهو مما يُجْحِف سقط أيضًا عنه الحج، وإن كان لا يُجْحِف به لقلته فلا يسقط، وهو معنى ما ذكر 17 هنا.
قوله: (لا يَنْكُثُ عَلَى الأَظْهَرِ) يريد أن ابن رشد قيد المسألة بقيد آخر وهو ألا يكون الآخذ 18 القليل ممن ينكث؛ أي: إذا أخذه عاد إلى الكثير ولا يقف عند قوله.
قوله: (وَلَوْ بِلا زَادٍ وَرَاحِلَةٍ لِذِي صَنْعَةٍ تَقُومُ بِهِ، وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْي) هو كما قال
الجزء: 2 - الصفحة: 141
اللخمي: إذا كان يستطيع المشي وعيشه في المقام من صنعة لا يتعذر عليه عملها في سفره والعيش منها 19 وجب عليه الحج، وإن كان يستطيع المشي ولا صنعة له أو له صنعة يتعذر عليه عملها في سفره فلا يجب عليه إلا مع الزاد والراحلة، وإن كان لا يستطيع المشي وله حرفة يقوم منها عيشه في سفره ذلك وجب عليه بوجود المركوب، إلا أن يكون في حرفته فضل عن عيشه مما يكتري به 20.
قوله: (كَأَعْمَى بِقَائِدٍ) أي: أن 21 الأعمى إذا وجد من يقوده وهو قادر على المشي مثل البصير فيما ذكر.
قوله: (وَإِلا اعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا) أي: وإن لم يقدر على المشي وليس له صنعة تقوم به في سفره 22، أو كان قادرًا على المشي ولا صنعة له ويخشى 23 الهلاك على نفسه، أو له صنعة ولا قدرة له على المشي وليس في صنعته فضل يكري منه فلا يجب عليه الحج، وهو معنى قوله: (اعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا) 24 أي: من الصنعة والمشي، ومعنى (اعتبر) أي: في جانب السقوط.
قوله: (وَإِنْ بِثَمَنِ وَلَدِ زِنًى) أي: وجب 25 الحج باستطاعة مع إمكان الوصول وإن بثمن ولد زنى إلى آخر ما ذكره، وقد سئل مالك: هل يحج بثمن ولد الزنى؟ فقال: أليس من 26 أمته ولدته من زنى، قال: نعم، فقال: لا بأس به 27. وإنما قال ذلك تنبيهًا على مذهب المخالف القائل: إنه لا يحج بثمن ولد الزنى.
قوله: (أَوْ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ) يشير به إلى أن 28
الجزء: 2 - الصفحة: 142
من 29 كان عنده من الأمتعة ما 30 يباع للغرماء في الفلس كالحيوان والعقار والرقيق وثوبي جمعته 31 إن كانت لهما قيمة، وكذا كتب الفقه وغيرها 32 مما سيأتي في موضعه، فإنه يخاطب ببيع 33 ذلك ليحج بثمنه.
قوله: (أَوْ بِافْتِقَارِهِ) أي: أو 34 مع افتقاره بعده، ومعنى ذلك: أن من كان معه ما يكفيه لسفره 35 لكنه إذا سافر يكون 36 فقيرًا لا شيء له ولا لأهله، فإنه يجب عليه الحج من غير نظر إلى 37 ما يؤول إليه أمره وأمر أهله؛ إذ يصدق عليه أنه مستطيع، وهذا مذهب ابن القاسم 38 وهو المشهور، وقيل: لا يلزمه ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول 39 " 40.
قوله: (أَوْ تَرْكِ وَلَدِهِ لِلصَّدَقَةِ) أي: وكذلك يجب الحج على مستطيعه وإن أدى إلى ترك ولده للصدقة، قال في العتبية: سئل ابن القاسم عن الرجل تكون 41 له القرية 42
الجزء: 2 - الصفحة: 143
وليس له غيرها أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ولده للصدقة 43، قال: نعم، ذلك عليه 44، وقيده في البيان بألا يخشى عليهم الهلاك، وأما لو خشي عليهم لم يلزمه ذلك 45، وإلى هذا أشار بقوله: (إِنْ لَمْ يَخْشَ هَلاكًا).
قوله: (لا بِدَيْنٍ) أي: فلا يجب عليه 46 أن يتداين ليحج.
قوله: (أَوْ عَطِيَّةٍ) أي: وكذلك لا يلزمه أن يستعطي شيئًا يحج منه 47؛ لأن فيه منة.
قوله: (أَوْ سُؤَالٍ مُطْلَقًا) لا خلاف أن الحج لا يجب عليه إذا لم تكن العادة إعطاءه، سواء كان معتادًا بالسؤال والإعطاء 48 أم لا، واختلف إذا كانت عادته السؤال والإعطاء، فظاهر المذهب عدم اللزوم أيضًا وهي رواية ابن القاسم، وروى ابن وهب اللزوم 49، وإلى جميع ذلك أشار بالإطلاق؛ أي: لا يلزمه على وجه.
قوله: (وَاعْتُبِرَ مَا يَرُدُّ بِهِ، إِنْ خَشِيَ ضَيَاعًا) مذهب الرسالة: أن الاستطاعة القوة على الوصول إلى مكة فقط من غير نظر إلى عوده 50، وهكذا قال اللخمي ثم قال: إلا أن يعلم أنه إن بقي هناك ضاع وخشي على نفسه فيراعى ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب 51 المواضع مما يمكنه التمعش فيه 52، وهذا مراده بما ذكر وقوله 53: (يرد به) أي 54: إلى أقرب 55 المواضع التي يتمعش فيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 144
قوله: (وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ) أي: في جميع ما تقدم، فيتعين السفر في البحر حيث يتعين في البر إلا أن يغلب العطب أو يعلم من نفسه أنه يميد حتى يعطل أمر الصلاة أو ركنها فلا يلزمه ذلك، وإلى هذا أشار بقوله: (إِلا أَنْ يَغْلِبَ (1) عَطَبُهُ، أَوْ يُضَيِّعَ رُكْنَ صَلاةٍ لِكَمَيْدٍ) يريد: أو ضيق ونحوهما مما يحصل به (2) تعطيل الصلاة كلها (3) أو ركنها، فقد سئل مالك عمن يركب البحر ولا يجد موضعًا لسجوده لكثرة الراكب وضيق الموضع إلا على ظهر أخيه، فقال: لا يركبه (4). ثم قال (5): أيركب حيث لا يصلي؟ ! ويلٌ لمن ترك الصلاة (6). ومال الباجي إلى ركوبه وإن أدى إلى تعطيل بعض أحكام الصلاة بدليل ركوبه في الجهاد اتفاقًا (7).
(المتن)
وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ؛ إِلَّا فِي بَعِيدِ مَشْيٍ، وَرُكُوبِ بَحْرٍ إِلَّا أَنْ تُخَصَّ بِمَكَانٍ، وَزِيَادَةِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ.
كَرُفْقَةٍ أُمِنَتْ بِفَرْضٍ، وَفِي الإِكْتِفَاءِ بِنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ، أَوْ بِالْمَجْمُوعِ تَرَدُّدٌ.
وَصَحَّ بِالْحَرَامِ وَعَصَى.
وَفُضِّلَ حَجٌّ عَلَى غَزْوٍ إِلَّا لِخَوْفٍ، وَرُكُوبٌ، وَمُقَتَّبٌ وَتَطَوُّعُ وَلِيِّهِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ: كَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ.
وَإِجَارَةُ ضَمَانٍ عَلَى بَلَاغٍ فَالْمَضْمُونَةُ كَغَيْرِهِ، وَتَعَيَّنَتْ فِي الإِطْلَاقِ، كَمِيقَاتِ الْمَيِّتِ، وَلَهُ بِالْحِسَابِ إِنْ مَاتَ وَلَوْ بِمَكَّةَ، أوْ صُدَّ وَالْبَقَاءُ لِقَابِلٍ، وَاسْتُؤْجِرَ مِنَ الانْتِهَاءِ.