قوله: (بابٌ: فُرِضَ الحَجُّ) يريد: لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] ولقوله عليه الصلاة والسلام: "بني الإسلام على خمس" 1 فذكر منها حج البيت، وقوله للذي سأله عن الإسلام وحج البيت: "وحجوا قبل أن لا تحجوا" 2، والإجماع على وجوبه.
قوله: (وَسُنَّتُهُ 3 الْعُمْرَةُ) هو المشهور، وذهب ابن الجهم وابن حبيب إلى وجوبها 4، والأول أظهر لأنه عليه الصلاة والسلام قال: "بني الإسلام على خمس" فذكر الحج دون العمرة، وقال عليه الصلاة والسلام: "الحج جهاد والعمرة تطوع" 5، ولأنها غير مؤقتة فلا تجب كطواف التطوع.
قوله: (مَرَّةً) هذا مما لا أعلم فيه خلافًا، ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية، قيل: يا رسول الله، أكل عام؟ قال: "الحج مرة واحدة، ولو قلت نعم
الجزء: 2 - الصفحة: 136
لوجبت" 6. قوله: (وَفي فَوْرِيَّتِهِ وَتَرَاخِيهِ لِخَوْفِ الْفَوْتِ 7 خِلافٌ) اختلف هل الحج على 8 الفور وهو الذي حكاه ابن القصار عن مالك 9 وتابعه العراقيون، وشهره صاحب الذخيرة 10 وصاحب العدة 11 وابن بزيزة، أو هو على التراخي، وإليه ذهب اللخمي 12 والباجي 13 وصاحب المقدمات 14 والتلمساني، وقال ابن الفاكهاني في كتاب الأقضية من شرح الرسالة: هو 15 المشهور 16. وقوله: (لِخَوْفِ الْفَوَاتِ) إشارة 17 إلى أن الخلاف المذكور مقيد بما إذا لم يخش الفوات، فإن خشيه فلا خلاف في فوريته، قال سحنون: وهو ستون سنة، قال 18: ويفسق إذا زاد وترد شهادته 19، وقيل: هو مُغْيَّى 20 بظن العجز، وذلك ربما اختلف باختلاف الأشخاص بكثرة المرض وقلته 21. قوله: (وَصِحَّتُهُمَا بِالإِسْلامِ) يعني: صحة الحج والعمرة بالإسلام، وإلى هذا ذهب ابن شاس وصاحب الذخيرة 22،
الجزء: 2 - الصفحة: 137
وهو ظاهر ما 23 عند اللخمي بناء على خطاب الكفار بفروع الشريعة.
القرافي: وهو المشهور 24، وجعل ابن يونس والجزولي وغيرهما الإسلام من شروط الوجوب بناء على عدم خطابهم 25.
قوله: (فَيُحْرِمُ وَلِيٌّ عَنْ رَضِيعٍ) أي: فبسبب كون الإسلام شرط صحة، يجوز للولي أن يحرم عن الرضيع؛ إذ يصح منه الحج، وإحرامه عنه أن ينوي عنه الإحرام 26. مالك: ويكون بإحرام الولي عنه محرمًا 27.
قوله: (وَجُرِّدَ قُرْبَ الْحَرَمِ) هذا يدل على أن مراده بإحرام الولي عنه مجرد النية، ولذلك 28 يفعل بالصبي 29 ما يقدر 30 عليه من التجريد والتلبية إن قدر على التكلم، ويطوف به ويسعى 31 إن قدر على المشي، ويُحضِره المشاعر ولا يركع عنه للطواف على المشهور؛ خلافًا لابن عبد الحكم.
قوله: (وَمُطْبَقٍ) أي: فيُحرم ولي المجنون المطبق كما يحرم ولي الرضيع عنه 32 ويفعل ما تقدم، والمطبق هو الذي لا يميز بين الأرض والسماء، ولا بين الإنسان والفرس.
قوله: (لا مُغْمًى عليه 33) أي: فلا يحرم عنه أحد، فلو أحرم عنه أصحابه لم يصح، أمَّا لو أحرم قبل إغمائه ثم أغمي عليه فوقف به، أجزأه عند ابن القاسم خلافًا لأشهب 34.
الجزء: 2 - الصفحة: 138
قوله: (وَالْمُمَيِّزُ بِإِذْنِهِ) أي: وأمَّا المميز فإنه يحرم عن نفسه من الميقات بإذن وليه.
قوله (1): (وَإِلا فَلَهُ تَحْلِيلُهُ) أي: وإن لم يستأذنه بل أحرم من غير (2) إذنه فله أن يحلله من إحرامه لا سيما إذا كان يرجو بلوغه، فيحلله (3) ليحرم بالفرض من (4) بعد البلوغ.
قوله: (وَلا قَضَاءَ) أي: لما حلله (5) منه؛ لأنه غير مكلف، فالعقد الذي عقده على نفسه كلا عقد.
قوله: (بِخِلافِ الْعَبْدِ) أي: فإنه إذا أحرم بغير إذن سيده فحلله فإنه يقضي ما حلله منه إذا عتق أو أذن له سيده في ذلك قبل حجة الإسلام؛ لأنه أحرم وهو مكلف، وهو قول ابن القاسم (6)، وقال أشهب: لا قضاء عليه (7).
قوله: (وَأَمَرَه مَقْدُورَهُ) أي: وأمر الولِيُّ الصبيَّ بما يقدر عليه في حجه من الطواف والسعي والرمي وغير ذلك.
قوله: (وَإِلا نَابَ عَنْهُ) أي: وإن لم يقدر الصبي على شيءٍ نَابَ الولي عنه إن كان الفعل يَقْبَل النيابة كالطواف ونحوه، لا ركعتي الطواف والتلبية كما تقدم، وإليه أشار بقوله: (إِنْ قَبِلَهَا كَطَوَافٍ، لا كَتَلْبِيَةٍ وَرُكُوعٍ).
قوله: (وَأَحْضَرَهُ (8) الْمَوَاقِفَ) يريد: كعرفة ومزدلفة ومنى.
(المتن)
وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ إِنْ خِيفَ ضَيْعَةٌ، وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ، كَجَزَاءِ صَيْدٍ، وَفِدْيَةٍ بِلا ضَرُورَةٍ.
وَشَرْطُ وُجُوبِهِ -كَوُقُوعِهِ فَرْضًا- حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ وَقْتَ إِحْرَامِهِ بِلَا نِيَّةِ نَفْلٍ، وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةٍ بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ، وَأَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ؛ إِلَّا لِأَخْذِ ظَالِمٍ مَا قَلَّ لا يَنْكُثُ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلَوْ بِلَا زَادٍ وَرَاحِلَةٍ لِذِي صَنْعَةٍ3536373839404142
الجزء: 2 - الصفحة: 139
تَقُومُ بِهِ، وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْي، كَأَعْمَى بِقَائِدٍ، وَإِلَّا اعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا، وَإِنْ بِثَمَنِ وَلَدِ زِنًى، أَوْ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفَلَّسِ، أَوْ بِافْتِقَارِهِ، أَوْ تَرْكِ وَلَدِهِ لِلصَّدَقَةِ، إِنْ لَمْ يَخْشَ هَلَاكًا، لا بِدَيْنٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ سُؤَالٍ مُطْلَقًا، وَاعْتُبِرَ مَا يُرَدُّ بِهِ؛ إِنْ خَشِيَ ضَيَاعًا.
وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ؛ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَطَبُهُ، أَوْ يُضَيّعَ رُكْنَ صَلاةٍ لِكَمَيْدٍ.