(يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ) أي: لقول 1 ابن عمر: فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدقة الفطر في 2 رمضان 3 على الناس 4. وقيل: هي واجبة بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14].
وقيل: هي داخلة في آية الزكاة.
والمشهور ما ذكر أنها واجبة.
وقيل: سنة.
وحمل الفرض في الحديث على التقدير، وروي ذلك عن مالك 5.
قوله: (صَاعٌ) المعروف من المذهب أن قدرها صاع في جميع ما تجب فيه.
وقال ابن حبيب: يؤدى من البر نصف صاع 6.
قوله: (أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ) إشارة إلى قول سند: إن من قدر على بعض الزكاة أخرجه على ظاهر المذهب 7، والضمير في (عنه) عائد 8 على المكلف المفهوم من السياق؛ لأن الموجَب 9 لا بد له من مكلف يتعلق به.
قوله: (فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ) أي: أنها تجب على من فضل 10 عنده قوت يومه معها إن كان وحده، أو قوته وقوت عياله إن كان له عيال، وهذا هو المشهور.
اللخمي: وهو موافق للمدونة 11.
الجزء: 2 - الصفحة: 127
قوله: (وَإِنْ بِتَسَلُّفٍ) هكذا قال في المدونة، ولفظه: وإذا كان محتاجًا ووجد من يسلفه تسلف وأخرج 12. وقال محمد: لا يلزمه ذلك 13.
قوله: (وَهَلْ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوِ بفجرهِ 14؟ خِلافٌ) أي: وهل يتعلق الخطاب بها 15 بأول ليلة العيد 16، وهو غروب الشمس من آخر يوم من أيام رمضان، وهو المشهور عند ابن الحاجب 17 وجماعة من الأشياخ، أو إنما يتعلق الخطاب بها بطلوع فجر العيد، وهو المشهور عند الأبهري.
ابن العربي: وهو الصحيح، وهو مروي عن مالك، وإلى هذا الاختلاف أشار بما ذكر، وقال جماعة من أصحابنا: تجب بطلوع الشمس من 18 يوم العيد 19، وصححه ابن الجهم 20، وقيل: تجب بغروب الشمس ليلة الفطر وجوبًا موسَّعًا آخره غروب الشمس من يوم الفطر.
وعن ابن الماجشون: أنها إلى الزوال فقط؛ لأنه الوقت الذي يجوز تأخير صلاة العيد إليه.
قوله: (مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ) أي: قوت الزكي 21 أو البلد الذي هو به، وهو مراده بقوله في المدونة: من جُلِّ عيشه 22، ولا بد من تعلق كلامه بمحذوف، والمعنى: يُخرِج من غالب قوته أو قوت بلده 23.
قوله: (مِنْ مُعَشَّرٍ) هو متعلق أيضًا بالمحذوف المذكور، والمراد بالمعشر القمح والشعير والسُّلْت والأرز والذرة والدُّخْن والتمر والزبيب.
الجزء: 2 - الصفحة: 128
قوله: (أَوْ أَقِطٍ) هكذا روى ابن القاسم عن مالك أنها تخرج من الأَقِط والثمانية المذكورة 24.
قوله: (غَيْرَ عَلَسٍ) هذا هو المشهور خلافًا لابن حبيب في أنها 25 تخرج من العلس أيضًا مع ما تقدم 26.
قوله: (إِلا أَنْ يَقْتَاتَ غَيْرَهُ) أي: غير المعشَّرات والأقط كالقَطَانِي والتين والسويق واللحم واللبن، فإنه يخرج منه على المشهور، وعن مالك: أنها لا تخرج منه وإن كان قوته 27.
قوله: (وَعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ) هذا معطوف على قوله: (عنه) أي: يخرج زكاة الفطر عنه وعن كل مسلم يمونه، واحترز بالمسلم من الكافر فإنه لا يخرج عنه شيئًا، وقال (يمونه) لما جاء في الحديث: "أدوا 28 الزكاة عمن تمونونه 29 ".
قوله: (بِقَرَابَةٍ) أي: كالأولاد والآباء.
قوله: (أَوْ زَوْجِيَّةٍ) هو المشهور، وقال ابن أشرس 30: لا تجب عليه 31 عنها 32.
قوله: (وَإِنْ لأَبٍ) أي: وإن كانت زوجة أبيه، يريد: إذا كان الأب فقيرًا، وقاله ابن
الجزء: 2 - الصفحة: 129
حبيب؛ لأنها تبع للأب.
وعن المغيرة: ليس عليه ذلك إلا أن تكون أمًّا له 33.
قوله: (وَخَادِمِهَا) أي: وكذلك عن خادم الزوجة، وظاهره كانت زوجته أو زوجة أبيه، وهو ظاهر، وقاله ابن حبيب وغيره، وعلى قول المغيرة لا يخرج عنها 34.
قوله: (أَوْ رِقٍّ) أي: كعبيده وإمائه ومدبَّريه 35 ومعتقيه 36 إلى أجل وأمهات أولاده.
قوله: (وَلَوْ مُكَاتَبًا) هو المشهور، وقيل: لا تجب عليه عنه 37؛ نظرًا إلى أنه ينفق على نفسه وهما روايتان.
قوله: (وَآبِقًا رُجِيَ) لأنه بالإباق لا يَخرج عن ملكه، واحترز به من 38 غير المرجو فإنه كالعدم فلا زكاة عليه، قاله في كتاب محمد 39.
قوله: (وَمَبِيعًا بِمُوَاضَعَةٍ أَوْ خِيارٍ) أي: باع أمته على المواضعة أو عبدًا أو أمة بالخيار، قال في المدونة: ونفقتهما وزكاة فطرهما على البائع، وسواء رد العبد إلى 40 مبتاعه بالخيار أم لا؛ لأن ضمانهما منه حتى يخرج العبد والأمة 41 من الخيار والأمة من الاستبراء 42.
سند: ومن قال إن الملك ينتقل بالعقد جعل الزكاة على المشتري 43.
قوله: (وَمُخْدَمًا) أي: وكذلك تخرج الزكاة عن العبد المخدم، وسواء طالت المدة أو قصرت، وهو مذهب المدونة 44، وقال عنه محمد: ذلك على من له الخدمة، وقال عبد
الجزء: 2 - الصفحة: 130
الملك: إن طالت فهي على من له الخدمة، وإلا فهي 45 على 46 من له الرقبة 47، نقله الباجي 48.
قوله: (إِلا لِحُرِّيَّةٍ فَعَلَى مُخْدَمِهِ) أي: كما إذا قال لعبده: اخدم فلانًا مدة كذا ثم أنت حر، فإن زكاة فطره هنا 49 على من له الخدمة؛ لأن نفقته عليه.
قوله: (وَالْمُشْتَرَكُ، وَالْمُبَعَّضُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ) هذا كقوله في المدونة: وإذا كان عبدٌ بين رجلين أدَّى 50 كل واحد 51 منهما نصف صدقة الفطر عنه، وإن كان لأحدهما سدس فسدس الزكاة عليه، وخمسة أسداس 52 على شريكه 53، وهذا هو المشهور، وعن مالك: أن على كل واحد منهما زكاة كاملة 54، وقيل: على العدد فيكون على صاحب السدس نصف صاع وعلى الآخر نصف صاع، وقد أشار بقوله: (وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ) إلى ما قال في المدونة: ومن له نصف عبد وباقيه حر فليؤدِّ الذي له نصف العبد 55 نصف صدقة الفطر عن حصته، وليس على العبد أن يؤدي النصف الآخر عما عتق منه 56، وقال عبد الملك: على السيد جميع ذلك، وهو مروي عن مالك أيضًا، وقيل: يؤدي العبد بقدر ما عتق منه، ويؤدي السيد الباقي، وهو قول أشهب 57، وقال أبو مصعب: لا شيء على السيد ولا على العبد من ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 131
قوله: (والْمُشْتَرَى فَاسِدًا عَلَى مُشْتَرِيهِ) هكذا قال في المدونة 58، ثم قال: وسواء رده يوم الفطر أو بعده؛ لأن ضمانه كان منه حتى يرده.
وعن أشهب: إن فسخ البيع بحدثان ذلك فهي على البائع، وإن فات فهي على المبتاع وإن فات بعد يوم الفطر، وعنه إن أدركه الفطر 59 ولم يفت فهي على البائع، وإلا فعلى المبتاع 60.
قوله: (وَنُدِبَ إِخْرَاجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ الصَّلاةِ) هكذا قال ابن القاسم عن مالك، وروى أشهب: أنه عليه السلام أمر بأدائها قبل الغدو إلى الصلاة 61.
قوله: (وَمِنْ قُوتِهِ الأَحْسَنِ) يعني: أنه يستحب له أن يخرج زكاة الفطر من قوته الأعلى إذا كان يأكل الأعلى والأدنى.
الأبهري: فإن كان قوته أجود من غالب قوت بلده فيستحب له أن يخرج منه، فإن أخرج من الغالب أجزأه.
قوله: (وَغَرْبَلَةُ الْقَمْحِ إِلا الْغَلِثِ) قال في المدونة: وليس غربلة القمح بواجب، وهو مستحب إلا أن يكون غَلِثًا 62؛ أي: فتجب عليه غربلته كما أشار إليه هنا.
قوله: (وَدَفْعُهَا لِزَوَالِ فَقْرٍ وَرِقٍّ يَوْمَهُ) أي: وكذلك يستحب دفعها 63 عمن زال فقره أو رقه يوم العيد.
محمد: إن عتق يوم الفطر بعد الفجر إلى الغروب وجبت على المعتِق ويستحب من العبد، وإن عتق بعد الغروب من آخر يوم من 64
الجزء: 2 - الصفحة: 132
رمضان إلى طلوع فجر يوم الفطر وجبت على العبد ويستحب من المعتِق (1)، وكذا في الفقير يستغني فإن حدث الغِنَى (2) بعد الفجر استحب له الإخراج، وإن حدث قبل ذلك وجب.
قوله: (وَللإِمَامِ الْعَدْلِ) أي: وكذا يستحب دفعها للإمام العدل خوف المحمدة والثناء، وقيل: يجب ذلك، وهو ظاهر المدونة (3)، وهو قول عبد الملك، قال: (4) وإن كان غير العدل أو عدلًا إلا أنه كان (5) يفرط في إخراجها لم تدفع إليه.
قوله: (وَعَدَمُ زِيَادَةٍ) أي: وندب عدم زيادة على الصاع للمسكين الواحد، وعن مالك: أنه له إخراج ذلك على ما يحضره بالإجتهاد (6)، وعن أبي مصعب: لا يعطى مسكين أكثر من صاع واحد (7).
(المتن)
وَإِخْرَاجُ الْمُسَافِرِ.
وَجَازَ إِخْرَاجُ أَهْلِهِ عَنْهُ، وَدَفْعُ صَاعٍ لِمَسَاكِينَ وَآصُعٍ لِوَاحِدٍ، وَقُوتِهِ الأَدْوَنِ إِلَّا لِشُحٍّ، وَإِخْرَاجُهُ قَبْلَهُ بِكَالْيَوْمَيْنِ، وَهَلْ مُطْلَقًا أوْ لِمُفَرِّقٍ؟ تَأْوِيلَانِ.
وَلا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ زَمَنِهَا وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ.