قوله: (وَغَرِيبٌ) هذا هو الصنف الثامن من 2 الأصناف الثمانية، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60] والصحيح أنه الغريب كما قال.
وعن مالك: أنه الغازي 3. وضُعف بعطف 4 أحدهما في الآية على الآخر.
اللخمي 5 ويعطى بثلاثة شروط: ألا يكون سفره في معصية، وأن يكون فقيرًا في الموضع الذي هو به وإن كان غنيًّا ببلده، وألا يجد من يسلفه 6، وإلى هذا أشار بقوله: (مُحْتَاجٌ لِمَا يُوَصِّلُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مُسَلِّفًا وَهُوَ مَلِيٌّ بِبَلَدِهِ).
وعن ابن القاسم: أنه يعطى منها وإن وإن غنيًّا بموضعه ومعه ما يكفيه 7.
قوله: (وَصُدِّقَ) أي: إنه إذا ادعى أنه ابن السبيل فإنه يصدق.
وقاله مالك في المجموعة، قال 8 وأين 9 يجد من يعرفه 10؟1
الجزء: 2 - الصفحة: 114
قوله: (وَإِنْ جَلَسَ نُزِعَتْ مِنْهُ كَغَازٍ) يريد أن ابن السبيل إذا أخذ من الزكاة ما يُحمَل به لبلده 11 فلم يفعل فإن ذلك ينزع منه أم لا؟ تردد 12. اللخمي: يريد إلا أن يكون ذلك يسوغ له لِفَقْرِه، وإن لم يكن ابن سبيل، قال: وإن أخذها ليغزو بها ثم جلس انتزعت منه أيضًا؛ لأن الغزو في معنى المعاوضة، فإن لم يَفِ به ردت 13.
قوله: (وَفِي غَارِمٍ يَسْتَغْنِي تَرَدُّدٌ) أي: إذا أخذ منها شيئًا ليقضي به دينه فاستغنى قبل دفعه فهل ينزع 14 منه أم لا؟
تردد اللخمي في ذلك؛ لأنه قال: في ذلك إشكال، ولو قيل ينزع 15 منه لكان له 16 وجهٌ 17.
قوله: (وَنُدِبَ إِيثَارُ الْمُضْطَرِّ) يعني: أنه يستحب في تفريق الزكاة إيثار المضطر؛ أي: المحتاج، وكذا قال مالك وابن القاسم 18، ولا يرضخ 19 لغيرهم ممن لا يستحق الزكاة.
قوله: (دُونَ عُمُومِ الأَصْنَافِ) إشارة إلى الردِّ على 20 مذهب 21 من يرى 22 تعميم جميعها عند وجودهم وجوبًا، وهو قول الشافعي.
وقال أصبغ: يستحب ذلك 23؛ لئلا يندرس 24 العلم باستحقاقهم 25.
الجزء: 2 - الصفحة: 115
قوله: (وَالإسْتِنَابَةُ) أي: ومما يندب 26 في تفرقتها الإستنابة.
قال مالك في المدونة: ولا يعجبني أن يلي ذلك؛ خوف المحمدة والثناء وعمل السر أفضل، ولكن يرفع 27 ذلك إلى من يثق به فيقسمه.
بعض الأشياخ: وإن لم يكن المالك عارفًا بمصرف الزكاة تعين عليه رَدُّ أمرها إلى غيره، وهذا معنى قوله: (وَقَدْ تَجِبُ) أي: الاستنابة.
قوله: (وَكُرِهَ لَهُ حِينَئِذٍ تَخْصِيصُ قَرِيبِهِ) أي: يكره له حين يلي تفرقة صدقته أن يخص قريبه.
قال في المدونة ما معناه: ولا بأس أن يعطي قريب المالك 28 من يلي ذلك كما يعطي غيره، إن كان له 29 أهلًا 30.
ابن زرقون: أما من ليس في عياله من أقاربه؛ فلم يختلف قوله أنه يجوز صرف الزكاة إليه إذا تولى غيره ذلك.
واختلف قوله إذا تولى هو ذلك؛ فروى ابن القاسم: كراهته مخافة المحمدة أو مخافة أن يؤثرهم بذلك 31.
وروى مطرف: أنه يجوز أن يعطي قرابته إذا لم يكونوا ممن يعول 32. وروى الواقدي عن مالك أيضًا: أن أفضل من وضعتَ فيه زكاتك أهل رحمك الذين لا تعول 33. ابن حبيب: وله أن يوسع عليهم إذا كان فيهم التعفف والصلاح 34.
قوله: (وَهَلْ يُمْنَعُ إِعْطَاءُ زَوْجَةٍ زَوْجًا، أَوْ يُكْرَهُ؟ تَأْوِيلانِ) اختلف الأشياخ في قوله
الجزء: 2 - الصفحة: 116
في المدونة: قال ابن القاسم: ولا تعطي المرأة زوجها من زكاتها 35؛ هل هو محمول على المنع؟ وإليه ذهب اللخمي، أو الكراهة، وإليه ذهب ابن القصار 36 وبعض أشياخه على تأويلين كما قال 37.
وعن أشهب 38: أكره ذلك، فإن أعطته ولم يرده 39 عليها فيما يلزمه من نفقتها أجزأها وإلا لم تجزئها.
وقال ابن حبيب: إن صرف عليها ذلك فيما يلزمه أوفيما لا يلزمه 40 لم يجزئها وإلا أجزأتها.
قوله: (وَجَازَ إِخْرَاجُ ذَهَبٍ عَنْ وَرِقٍ، وَعَكْسُهُ) يعني: أنه يجوز أن يخرج فيما وجب عليه من الزكاة الذَّهبَ عن الوَرِق والوَرِق عن الذهب، وهو المشهور وهو مذهب المدونة 41. وعن ابن لبابة 42 وسحنون: لا يخرج الذهب عن الورق 43، وظاهره المنع.
وحكى ابن بشير في ذلك ثلاثة أقوال، ثالثها: يجوز إخراج 44 الذهب عن الورق بخلاف العكس 45.
قوله: (بِصَرْفِ وَقْتِهِ مُطْلَقًا) أي: سواء نقص عن الصرف الأول أم لا، وهو المشهور.
وفي العتبية 46: يخرج بصرف يومه ما لم ينقص عن عشرة دراهم في الدنانير 47 فليخرج عن صرف عشرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 117
قوله: (بِقِيمَةِ السِّكَّةِ) أي: وإن وجب عليه جزء دينار مسكوك في زكاة 48، فإن وجده مسكوكًا أخرجه، وإن لم يجده كذلك وأراد أن يخرج ورقًا فإنه يخرج قيمة 49 ما وجب عليه مسكوكًا ولا خلاف فيه.
وقال 50 ابن عبد السلام وغيره: إن 51 أراد أن يخرج ذهبًا لم يلزمه أن يخرج بقيمة السكة عند ابن حبيب خلافًا لابن القاسم 52، وهو الأصح 53.
قوله: (وَلَوْ فِي نَوْعٍ، لا صِيَاغَةٍ فِيهِ) هذا راجع إلى الجواز؛ أي: إن الزكاة إذا وجبت في نوع غير مصوغ كالتبر والسبائك ونحوها، وأراد أن يخرج عن الذهب ورقًا أو بالعكس فإن ذلك جائز، ويحتمل أن تكون المبالغة راجعة إلى قوله: (بقيمة السكة).
واختلف: فيمن له حلي وزنه عشرون دينارًا؛ هل يخرج قيمة ربع عشره من الفضة على أنه مصوغ أو إنما يلزمه وزن ربع عشره تبرًا أو قيمة ربع عشره من الفضة على أنه غير 54 مصوغ؟ فقال أبو محمد وأبو الحسن: يخرج قيمته على أنه مصوغ.
ابن يونس: أي فضة، ثم قال: وهو قول جيد إلا أن ظاهر الكتاب خلافه 55.
وهذا معنى قوله: (وَفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ) أي: وفي غير 56 المصوغ يُخرَج عنه المسكوك تردد في مراعاة قيمة الصياغة وعدم مراعاتها.
قوله: (لا كَسْرُ مَسْكُوكٍ، إِلا لِسَبْكٍ) هذا مخرج من قوله: (وجاز إخراج ذهب عن ورق) أي: لا كسر مسكوك فإنه لا يجوز، إلا لسبك فيجوز للضرورة والحاجة إلى ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 118
(المتن)
وَوَجَبَ نِيَّتُهُا، وَتَفْرِيقُهَا بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ أَوْ قُرْبَهُ، إِلَّا لِأَعْدَمَ فَأَكْثَرُهَا لَهُ بِأُجْرَةٍ مِنَ الْفَيءِ، وَإِلَّا بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ مِثْلُهَا، كَعَدَمِ مُسْتَحِقٍّ، وَقُدِّمَ لِيَصِلَ عِنْدَ الْحَوْلِ، وَإِنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرْضًا قَبْلَ القَبْضِ إلى آخره، أَوْ نُقِلَتْ لِدُونِهِمْ، أَوْ دُفِعَتْ بِاجْتِهَادٍ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ، وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا إِلَّا الإِمَامَ، أَوْ طَاعِ بِدَفْعِهَا لِجَائِرٍ فِي صَرْفِهَا أَوْ بِقِيمَةٍ لَمْ تُجْزئْهِ، لَا إِنْ أُكْرِهَ أَوْ دُفِعَتْ لِمِثْلِهِمْ أوْ قُدِّمَتْ بِكَشَهْرِيْن فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ.