فيه مسائل: الأولى: أتى المصنف بهذه الصيغة التي هي خبر عطفًا على الحمد والشكر، وقصد بها تقديمَها على دعائه باللطف والإعانة؛ إذ (الواو) لا تقتضي ترتيبًا على القول المصيب - خلافًا لبعض الكوفيين - وقصد خَتْمَ دعائه بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. الثانية: قصد المصنف أيضًا بهذه الصيغة -والله أعلم- الطلب ليكون امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، وعلى حمل الصيغة1
الجزء: 1 - الصفحة: 65
على الإخبار قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 157].
قال بعض العلماء رحمهم الله تعالى: وهل يحتاج في امتثال الأمر إلى إنشاء قصد، واستحضار النية لطلب، وإخراج الكلام عن حقيقته من الخبر؛ وأجاب بأنه: إن كان اللفظ المستعمل قد كثر حتى صار كالمنقول في عرف الاستعمال لم يُحْتَجْ إليه؛ لأنَّ الغالب عرف الاستعمال على الحقيقة اللغوية، وإن استُعْمِل لفظٌ لم يَنْتَهِ العُرْفُ إلى ذلك؛ فالأقرب الحاجة إليه.
الثالثة: معنى قوله: (والصلاة والسلام) أي: والصلاة والسلام من الله تعالى على محمدٍ.
الرابعة: الصلاة من الله تعالى مفسرة بالرحمة، ويقتضي هذا أن يقال: اللَّهم ارحم محمدًا؛ لأن المترادفين إذا استويا في الدلالة قام كل واحد منهما مقام الآخر.
قال بعض العلماء: ويشهد لهذا تقريرُهُ - صلى الله عليه وسلم - الأعرابيَّ على قوله: "اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمدًا" 2. وأَبَى ذلك بعض العلماء لدِلالة لفظ الصلاة على معنى من التعظيم لا يُشْعِرُ به لفظ الرحمة، ولهذا قال بعض الفقهاء: لا يصك على غير الأنبياء إلا تَبَعًا - أو من قاله منهم -.
ولفظ الرحمة إشعاره ناقص عن مدلول اللفظ الأول، ولا خلاف في إطلاقه على غير الأنبياء، وهذا مما يخدش في الترادف، ويُمْكِنُ أن يقال: إن تفسير الصلاة بالرحمة بيّن أن معنى أصل موضوع الكلمة غير مأخوذ فيه ما اختصت به إحداهما، ولا يطلق عليهما ترادف حقيقي بهذا الاعتبار، إن كان ما اختصت به إحداهما داخلًا تحت مدلول اللفظ وضعًا.
الخامسة: اختلف في معنى (السلام)؛ فقيل: التعوذ باسم الله تعالى كما تقول: الله مع محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ أي متوليه وكافيه، وقيل: معناه السلامة والنجاة، كما في ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 91] وستأتي زيادة على ذلك في كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
الجزء: 1 - الصفحة: 66
السادسة: استعمل المصنف -رَحِمَهُ اللهُ- قوله: (لسائر)، وقصد به لجميع الأمم؛ أي من زمان بعثته - وعمرُهُ - صلى الله عليه وسلم - أربعون سنة على المختار من الأقوال - إلى يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158]، وقال في "بُعِثْتُ لِلأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ" 3، ويحتمل أن يريد: لبقية الأمم؛ لأنَّ هؤلاء بالنسبة إلى من مضى من الأمم قبلنا بقية، وقد روى العمري بإسناده عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال: "قَامَ فِينَا رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَومًا بَعْدَ العَصْرِ، فَما ترَكَ شَيْئًا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ - ثم قال في آخره - وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةِ تُوَفِّي سَبْعِينَ أُمَّةِ هِي آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-" 4. وبالله تعالى التوفيق، وله الحمد.
قوله: (صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأمته أفضل الأمم) اختلف الناسُ في الذين يدخلون في الصلاةِ، والمرادُ بالآل: أهله الأدْنَوْن، ولهذا قال: (وأصحابه) - صلى الله عليه وسلم -، والأصل في (آل): الأهل، فأُبدِلَتِ الهاء همزة، ثم أُبدلت الهمزة ألفًا، ثم خصصه أكثر العرب 5 بالإضافة 6 إلى ما هو 7 معظم، كما قال مولانا - صلى الله عليه وسلم -: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدِ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ" 8 وقد عُرِفَ أن
الجزء: 1 - الصفحة: 67
الصحيح (1) أنَّ الصحابي مَن رأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وإن لم يروِ عنه، ولم تَطُلْ مدة حياته.
وأمَّا عَطْفُهُ الأزواج عليه فمن باب عطف الخاص على (2) العام.
وأُمَّةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أتباعُهُ على دينه، والأُمَّةُ: القَرْن ولها معانٍ كثيرة قاله في المشارق (3).
والدليلُ على أنَّ أمته - صلى الله عليه وسلم - أفضل الأمم قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]، أي: أنتم.
وقد جمع المصنف -رَحِمَهُ اللهُ- بين الصلاة والسلام عليه وفاقًا من قال من العلماء (4) رضي الله تعالى عنهم، لا يقتَصِر على أحدهما.
وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي، عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه، قال: "سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يدعو في صلاته، ولم يحمد (5) الله تعالى، ولم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عَجِلَ هَذَا" ثم دعاه، فقال له - أو لغيره -: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُم فَليَبْدَأ بِتَحْمِيدِ رَبهِ سُبْحَانَه وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ، ثُم يُصَلِّي عَلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -، ثُم يَدْعُو بَعْدُ بِما شَاءَ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (6).
(المتن)
وَبَعْدُ: فَقَدْ سَأَلَنِي جَمَاعَةٌ أَبَانَ اللهُ لِي وَلَهُم مَعَالِمَ التَّحْقِيقِ، وَسَلَكَ بِنَا وَبِهِمْ أَنْفَعَ طَرِيقٍ، مُخْتَصَرًا عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أنَّسٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، مُبَيِّنًا لِمَا بِهِ الْفَتْوَى،